الصورة غير متاحة

د. حلمي محمد القاعود

العقيد محمد يوسف شاكر دحلان غاضب من حماس وبقية فصائل المقاومة، ويريد أن تنتهي المقاومة حتى يستجيب الغزاة النازيون اليهود لما يسمَّى بحل الدولتين وتنتهي- في تصوره- مأساة الشعب الفلسطيني، ويعلل ذلك بأن الدول العربية قد ملَّت من القضية الفلسطينية "وقرفت" منها، وليس لديها استعداد لتحمل المسئولية بعد أكثر من ستين عامًا مليئة بالحروب والمآسي والخسائر.

 

ينصح العقيد دحلان منظمة حماس بقبول أوسلو وخطة الرباعية وبقية الاتفاقات التي وقَّعتها إدارة الحكم الذاتي المحدود في عهد عرفات وعهد عباس؛ حتى يمكن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وهو بالطبع يدين حماس بسبب المذبحة التي قامت بها العصابات النازية اليهودية (ديسمبر/ يناير 2009م) ضد الشعب الفلسطيني الأعزل في غزة.

 

وواضحٌ أن الأخ العقيد المحب لليهود الغزاة, وصاحب (البيزينس) معهم، ينسى الحقائق على الأرض، ومع أنه تلميذ عرفات النجيب فقد تجاهل أنه قدَّم لهم كل ما يريدون: اعترافًا، إيقاف المقاومة، اعتقال مقاومين، منع عمليات استشهادية، إنهاء الانتفاضة الثانية، قبول أفكار كلينتون حول السيادة الاسمية على حي المغاربة في القدس وتسليم معظمها للغزاة، ترحيل مسألة اللاجئين إلى المستقبل عمليًّا والاكتفاء بعودة بضع مئات إلى الضفة.. إلخ.

 

ماذا كانت النتيجة؟ العقيد دحلان يعلم أن القتلة النازيِّين اليهود رفضوا أن يمنحوه شيئًا، وحاصروه في رام الله، ثم سمَّموه، حتى لفظ أنفاسه الأخيرة شهيدًا.. شهيدًا.. شهيدًا.

 

وجاء فخامة الرئيس عباس وأكثرَ من العناق والأحضان والقبلات مع قادة العدو، ونزع سلاح المقاومة في الضفة، وحوَّل كثيرًا من المقاومين المنتمين لفتح إلى رجال أمن، مهمتهم حماية العدو من عمليات المقاومة، بل القبض على المقاومين وإيداعهم سجون السلطة أو تسليمهم للقتلة النازيين اليهود، ولم يقتصر الأمر على آحاد المقاومين بل تعداهم إلى الكبار من رؤساء الفصائل والمنظمات، ويعلم السيد دحلان أن صاحبه قد سهَّل للعدو- في تمثيلية ساذجة- تسليم أحمد سعدات رئيس الجبهة الشعبية للعدو، فضلاً عن تسليمه رئيس المجلس النيابي وعددًا كبيرًا من أعضائه ينتمون إلى حماس للعدو، وما زالوا تحت قبضته حتى الآن، يقدمهم للمحاكمة، وينكِّل بهم، ويهين الشعب الفلسطيني كله من خلالهم.

 

أي أن الغزاة النازيين اليهود لن يسمحوا بدولة فلسطين مستقلة ولا شبه مستقلة، ولن يقبلوا بحل الدولتين ولا الدولة الواحدة ولا عودة اللاجئين؛ لسبب بسيط، وهو أنهم يملكون القوة، والعرب لا يملكون القوة، مع أن مخازنهم مكتظَّة بالأسلحة والطائرات والصواريخ التي تستطيع- لو استُخدمت- أن تقنعهم بأي حل يقترحه العرب أو الأمم المتحدة.

 

ثم إن التطورات الأخيرة في الكيان الصهيوني جاءت بأشد السفَّاحين وحشيةً، وجعلتهم وزراء وقادة، وكانت مقولة أحدهم "أفيجدور ليبرمان": "إن عرب فلسطين سرطان" كافية ليعلم من لا يعلم حتى الآن أن منهج القوة النازي اليهودي لن يفسح المجال أمام أي نوع من السلم أو حتى الهدنة، بل هي الحرب الدائمة والمستمرة، كلما أرادوا إذلال العرب والمسلمين المستسلمين الطيبين أو "الميّتين" بلغة الصهاينة جميعًا.

 

وإذا كان الغزاة لا يريدون سلامًا ولا مهادنةً فماذا يفعل الفلسطينيون؟ هل يستسلمون أم يقاومون؟ لقد استسلموا كما رأينا عند ياسر عرفات ومحمود عباس ولم يُجْدِ الاستسلام فتيلاً، ولم يتحرك حاجز واحد في الضفة الغربية من موضعه، ووصل عدد الأسرى إلى ما يقرب من اثني عشر ألفًا، والملاحقات والمطاردات في الضفة مستمرة، ومجزرة غزة معلومة.. إذًا ما العمل؟!

 

الدول العربية لم تعدّ لحرب حقيقية منذ 1948م، اللهم إلا ما فعلته مصر وسوريا في حرب رمضان 1393هـ= أكتوبر 1973م، وبعدها كانت الانهيارات والتمزقات والاستسلامات، وهذه لم تكن بسبب فلسطين بقدر ما كانت بسبب إهانة الشعوب العربية وانتهاك كرامتها وهو ما تعيشه حتى اليوم ويبدو أنها ستعيشه إلى الغد حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولاً.

 

فلماذا القلق من جانب الأخ العقيد دحلان؟ ما الذي يعنيه الملل والقرف الذي أثارته تصريحاته المتباكية اللائمة لحماس؟ هل إنهاء المقاومة سيُوقف الغزاة اليهود القتلة عن ممارسة الإبادة والحصار والتجويع ونشر ثقافة القتل بين الصهاينة صغارًا وكبارًا؟!

 

ستون عامًا من المفاوضات السرية والعلنية لم تُجدِ شيئًا، ولم تحقق إلا مزيدًا من صلافة القتلة الغزاة اليهود ودمويتهم وغطرستهم وعنجهيتهم التي وصلت إلى حد إعلان الحرب على غزة من قلب القاهرة أم العرب والمسلمين!، وفي رفقة وزير الخارجية المصري قالت السفاحة النازية اليهودية تسيبي ليفني: إنها ستلقِّن شعب غزة درسًا لن ينساه، وستقضي على حماس، وصدقت في الجزء الأول من كلامها وكذبت في الشطر الثاني، وهو ما جعل دحلان ورجاله في العريش لا يستطيعون الاستمتاع بحكم أهل غزة الجائعين، وفضَّلوا الاستمتاع بليالي الدقي والمهندسين ووسط البلد!!.

 

إن المقاومة مع كل السوء والآلام والأحزان وخذلان العرب في الممانعة والاعتدال هي الطريق الوحيد إلى الإبقاء على جذوة الصراع مشتعلةً؛ حتى يتغيَّر المفهوم النازي اليهودي الاستعماري، ويقتنع بأن أهل فلسطين يستحقون أن يعيشوا أحياء فوق أراضيهم مثل بقية خلق الله.

 

وإذا كان جلعاد شارون يكتب في الصحف العبرية يوم 8/3/2009م أن الظروف الراهنة التي تشهد أزمةً ماليةً خانقةً وتراجعًا اقتصاديًّا كبيرًا مناسِبةٌ للغاية لتهجير مليون يهودي إلي فلسطين، ويجب العمل السريع لتحقيق هذا الهدف؛ فإن هذا يعني أن الغزاة القتلة ماضون في خططهم الإجرامية التي ترمي إلى تحقيق الهدف الشرِّير؛ الذي يعملون من أجله منذ زمان بعيد، وهو دولة "من النيل إلى الفرات".

 

يجب على العقيد محمد يوسف شاكر دحلان أن يترك الأمر للشعب الفلسطيني؛ كي يقرر مصيره بيده لا بيد غيره، ولا يفرض وصايته على الشعوب العربية؛ فهي التي تعرف متى تملّ ومتى تقرف؟!

 

وتبقى المقاومة هي الأمل في لجم التمدد الإجرامي النازي اليهودي، واستعادة زمام المبادرة، واستقطاب الشعوب العربية دفاعًا عن وجودها ومستقبلها ومصيرها الذي تتهدده الأخطار.