- الولايات المتحدة اكتشفت أن القوة العسكرية ليست كل شيء
- الأنظمة القمعية في المنطقة جعلت من نفسها معامل لخدمة الغرب
- قرارات القوى العالمية محاولة لجس نبض الشعوب وردود أفعالها
- الحالة الأفغانية والعراقية أثبتت أن التجربة الباكستانية أفضل
كتب- محمد يوسف:
أعاد قرار المحكمة الجنائية الدولية بإصدارها مذكرة توقيف للرئيس السوداني عمر البشير وخلفية ما نسب إليه من اتهامات بالضلوع في أعمال تعذيب واغتصاب وتصفية وجرائم حرب وقعت في إقليم دارفور غرب السودان فتح ملف التواطؤ الدولي على الدول العربية والإسلامية بصفة خاصة ودول العالم الثالث بصفة عامة والذي يهدف- بحسب رأي الخبراء والمحللين السياسيين إلى خلق مجتمعات فاشلة سياسيًّا ومجتمعيًّا واقتصاديًّا.
وأكد الخبراء أن استمرار ضعف تلك الدول حولها إلى حقل تجارب سياسي وعسكري للقوى الدولية وعلى رأسها الولايات المتحدة تفعل فيها ما تشاء تنفيذًا لسياستها الرامية في المنطقة ولضمان هيمنتها على مصادر قوتها النفطية في الخليج واليورانيوم في الصومال والسودان ومنطقة القرن الإفريقي، والإستراتيجية العسكرية في باكستان وأفغانستان والعراق، والسياسية في مصر وغيرها من الدول المؤثرة في المنطقة.
فعلى المستوى العسكري تحولت دول العالم الثالث إلى حقل تجارب لأسلحة الولايات المتحدة ففي فيتنام استخدمت لأول مرة سلاح النابالم الحارق، كما استخدمت صواريخ التوماهوك والكروز بعيدة المدى في العراق، واستخدمت لأول مرة الفسفور الأبيض ومن قبل القنابل العنقودية، واليورانيوم المنضب، وقنبلة مارك 77 الحارقة الشبيه بسلاح النابالم، وكذلك القنابل الارتجاجية والفراغية.
كما أمدت الولايات المتحدة الأمريكية الكيان الصهيوني في عدوانه الأخير على لبنان في عام 2006 وقطاع غزة العام الجاري بأبشع الأسلحة التدميرية المحرمة دوليًّا، وهو ما أكده الأطباء المشاركون في مجال الإغاثة في القطاع من خلال معاينتهم لآثار الانفجارات على المصابين والشهداء، مؤكدين أنهم لم يشاهدوا في حياتهم مثل هذه الأنواع من الإصابات، الذين أكدوا أن الصهاينة استخدموا غزة والجنوب اللبناني كحقل تجارب لصنوف من الأسلحة المحرمة دوليًّا، والتي تستخدم ربما لأول مرة.
وكشف عدد من المؤسسات الدولية وبعض الأطباء الذين ذهبوا لقطاع غزة مؤخرًا أنهم استخدموا قنابل الفسفور الأبيض وسلاح "المعدن الكثيف الخامل"، والمعروف اختصارًا بـ "DIME" وهي عبارة عن كرات صغيرة تحتوي على واحد أو أكثر من عناصر عدة بينها الكربون والنيكل والحديد والكوبالت، وتخترق الجلد وتنفجر داخله، وهذه الكرات الصغيرة ذات قوة تفجيرية هائلة، تؤدي إلى انشطار جسم الضحية إذا انفجرت على مسافة مترين، أما إذا انفجرت على مسافة ثمانية أمتار فتتسبب في حرق الأرجل وبترها وتهتك الشرايين والأوردة التي لا تظهر حتى في صور الأشعة السينية، مما يؤدي لحدوث حالات نزف شديد تفضي إلى الموت.
وعلى الصعيد السياسي دأبت الدول الكبرى منذ نشأة المؤسسة الدولية في ثوبها الأول عصبة الأمم ثم في ثوبها الجديد الأمم المتحدة على إصدار قرارات من شأنها تقويض وإضعاف الموقف العربي والإسلامي، وتؤكد التقارير والمعطيات الحاصلة من منذ بداية القرن الماضي أن القوى الكبرى تمرر سياستها وأفكارها بدول الشرق الأوسط والعالم الثالث تارة بالضغوط وتارة بالحروب.
ولعل مشروع الشرق الأوسط الكبير في طبعته الأمريكية عام 2003 والذي أعلن عنه الرئيس الأمريكي بوش، وهي طبعة يمينية محافظة، بالإضافة أنه لم يعد أمريكيًّا محضًا، بل دخل الاتحاد الأوروبي على الخط وتحول إلى "شراكة أوروبية أمريكية" تجلت تداعياتها في علاقتها بدول منطقة الشرق الأوسط وخاصة العربية منها.
(إخوان أون لاين) طرح سؤالاً على الخبراء: هل مذكرة اعتقال البشير محاولة لفرض سياسة جديدة على المنطقة؟، وهل محاولات ذرع دولة فاشلة في المنطقة هو الحل الأمثل للقضاء على السودان وتقويض مصر والسيطرة على منطقة القرن الإفريقي؟
![]() |
|
د. سيف الدين عبد الفتاح |
يقول الدكتور سيف الدين عبد الفتاح أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة إن الولايات المتحدة الأمريكية ما زالت تحاول القيام بدور الشرطي الأمين على النظام العالمي، مشيرًا إلى أن حديث أمريكا عن وجود دول فاشلة تزعم أنه لا بد من إعادة هيكلتها تمثل رؤية استعمارية قديمة كانت القوة العسكرية وسيلتها في تحقيق ذلك أما الآن وبعد التغيرات العالمية الحاصلة أصبح الوضع مختلفًا.
علاقة مأزومة
ويضيف د. عبد الفتاح أن الكاتب الشهير ناعومي تشومسكي ذكر أن المصطلحات الأمريكية التي تعبر في الأساس على طبيعة علاقتها وتعاملها مع دول العالم الثالث، وخاصةً العربية والإسلامية كمرادفات "الدول المارقة والدول الفاشلة والشرق الأوسط الكبير ومؤخرًا الموسع"، يعكس مدى العلاقة المأزومة التي تعيشها الولايات المتحدة لأنها هي الأخرى أصبحت دولة فاشلة على المستويين الداخلي والخارجي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي ومن ناحية أخرى فهي دولة مارقة تتخذ منهجًا وسياسة تعارض المجتمع الدولي.
ويعتبر د. عبد الفتاح أن قرار المحكمة الدولية الجنائية بإصدار مذكرة لتوقيف البشير خطوة في طريق تنفيذ سياسات الولايات المتحدة التي تريد تحويل السودان لدولة فاشلة مثل الحالة الصومالية والأفغانية أو الحالة الباكستانية على أقصى تقدير، مؤكدًا أن العالم الثالث أصبح حقل تجارب لقوى دولية تريد فرض أشكال سياسية مثل الشرق الأوسط الكبير وسياسة الفوضى الخلاقة ونشر مفهوم العولمة والديمقراطية ونهاية بمصطلح الدولة الفاشلة.
ويطالب د. عبد الفتاح بضرورة تحول الدول العربية لأنظمة وأطراف فاعلة في المنطقة وان تدير تلك الأنظمة دولها بديمقراطية وشفافية، وأن تحتمي بشعوبها بدلاً من الولايات المتحدة وقوى أخرى.
عدالة انتقائية
عبد الحليم قنديل

ويرى عبد الحليم قنديل منسق حركة كفاية أن العدالة الدولية تطبق بانتقائية ضد شعوب العالم الثالث؛ حيث يتم تصيد الأخطاء في هذه الدول ولا تمنح الفرص للعودة ويكون المصير هو العقوبات والتضييقات لينتهي بالعدوان العسكري مثل ما حدث في العراق وفيتنام وأفغانستان.
ويتفق مع الدكتور عبد الفتاح في أن دول العالم الثالث، وخاصةً الدول العربية والإسلامية أصبحت مجرد حقل تجارب للدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية الهدف منه تركيع مجتمعات الممانعة مضيفًا أن أنظمة العالم الثالث القمعية هي الأخرى تمارس دورًا كبيرًا في إضعاف مجتمعاتها من أجل الاستمرار في كرسي الحكم ولتحقيق مصالحها الشخصية.
وفيما يتعلق بمذكرة الاعتقال الخاصة بالرئيس السوداني يقول قنديل إن المؤسسة الدولية الممثلة في المحكمة الجنائية الدولية فقدت مصداقيتها مع تدخل دول كبرى في توجيه ما يُسمى بالعدالة الدولية لخدمة مصالحها ومخططها.
ويطالب قنديل النظم العربية بتنفيذ خطوات الإصلاح الديمقراطي نزولاً على رغبات شعوبها ونضالاتها التاريخية من أجل العدل الاجتماعي والديمقراطية، وجهود مجتمعها المدني وتياراتها السياسية والثقافية، مؤكدًا أنه السبيل الوحيد لتحررها من ضغوط أمريكا وأوربا.
لعبة
طلعت رميح

ويرى طلعت رميح رئيس تحرير دورية "إستراتيجيات" أن قرار المحكمة الجنائية الدولية بإصدار مذكرة توقيف بحق الرئيس البشير يؤكد أن هناك لعبةً ما تمارس ضد دول العالم الثالث، وفي القلب منها العالَمان الإسلامي والعربي، مشيرًا إلى أن قرار المحكمة بإحالة القضية لمجلس الأمن في حال رفض البشير المثول أمامها يؤكد أيضًا أننا وبوضوح أمام حقيقة المحرك خلف القرار.
ويشير رميح إلى أن تلك المطاردة الهدف منها رأس السودان وليس البشير، ومحاولة لجس نبض شعوب العالم الثالث حول مدى تقبله لفكرة محاكمة رؤسائه المتهمين بالاستبداد والقمع أمام محاكم جنائية دولية حتى وإن كانت المصالح والأهداف السياسية الغربية والأمريكية في الأساس هي المحرك لها، ومن ناحية أخرى مواصلة السير في اتجاه تفكيك جهاز الدولة والوصول بها لمسار الدول الفاشلة كما حدث في العراق وأفغانستان.
ويؤكد أن صدورَ أول قرارٍ للمحكمة ضد دولة عربية هي رسالة للمجتمع العربي والإسلامي مفادها أن على الجميع الحذر، وعلى الجميع السمع والطاعة وإلا سيكون العقاب الدولي بالمرصاد وعندها لن تُفلح المحاولات، وسيتم اختيار "عملاء" يُنفذون سياسات الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة وحفظ أمن الكيان الصهيوني.
نموذج باكستان
د. عمار علي حسن

ويتفق معه الدكتور عمار علي حسن مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط في أن الدول الغربية، وخاصةً الولايات المتحدة تنفذ شكل الدولة الفاشلة التي نجحت في تنفيذها في باكستان دون الدخول في حرب مباشرة، على عكس تجربة الولايات المتحدة الماثلة في غزو أفغانستان والعراق، وفي الصومال من خلال إحداث الفرقة أو تدخل جهات ودول خارجية، وهو ما تحاول تنفيذه في السودان عن طريق الملاحقة القانونية الدولية من جهة وزرع عناصر تمرد ذي اتجاهات مختلفة تعمل على تآكل مؤسسات الدولة من جهة أخرى.
ويضيف عمار أن المحكمة الجنائية الدولية الجنائية "الغربية" تحاول تنفيذ الخطة الأمريكية الجديدة التي أطلق عليها "القوة الناعمة"؛ لأنه من المعروف أن المحكمة لا تمتلك أي أداة تنفيذية لإنقاذ قرارها بشأن البشير، مرجحًا عدم إقراره لدى وصوله لمجلس الأمن لوجود تحالفات عربية بين روسيا والصين من جهة ووجود مصالح قوية لكلا البلدين العظميين في منطقة القرن الإفريقي، وخاصةً السودان الغنية بالكثير من الموارد الطبيعية من جهةٍ أخرى.
