- أول مشروع لوجودها اعتمد نظام انتخاب أعضائها فرفضته الثورة
- مشروع 71 أفرد مواد لها وظهرت إلى النور عام 79 بالاختيار
- حسمت مواضيع هامة وتحذيرات من تسييسها لصالح النظام
- الإخوان ينتظرون حسمها لشرعية الجماعة ومنع المحاكمات العسكرية
كتب- حسن محمود:
أربعون عامًا كاملةً مرت على تأسيس المحكمة الدستورية العليا في مصر، إلا أن رقابة القضاء لدستورية القوانين في مصر على المستوى الفقهي والقضائي قبل أن تطرح على المستوى التشريعي حيث أيد الفقه حق المحاكم في مراقبة دستورية القوانين التي تطرح عليها والامتناع عن تطبيقها في النزاع المعروض عليها دون التعرض للقانون ذاته أو القضاء ببطلانه.
وكان أول من قال بذلك المستشار برنتون رئيس محكمة الاستئناف المختلط في محاضرة ألقاها عام 1920 بعنوان "مهمة السلطة القضائية في المسائل الدستورية بالولايات المتحدة ومصر"
وأثار هذا الرأي جدلاً فقهيًّا واسعًا انتهى إلى أن أقر الغالبية العظمى من الفقهاء حق القضاء المصري في رقابة دستورية القوانين بطريق الامتناع، مستندين في ذلك إلى مبدأ الشرعية وإلى أن هذه الرقابة من طبيعة عمل القاضي، فضلاً عن مبدأ فصل السلطات يستوجب ذلك، بينما رفضت قلة قليلة الاعتراف للمحاكم بهذا الحق.
وبمراجعة الأحكام الصادرة من المحاكم المصرية فيما يختص برقابة دستورية القوانين بعد صدور دستور 1923 نجد أن القضاء لم يتخذ طريقة واضحة لتحديد سلطته في هذا الموضوع.
حكم الإسكندرية
وقد أثير أمر الدستورية لأول مرة عام 1924 أمام محكمة جنايات الإسكندرية عند نظرها الطعن المقدم من الدفاع في الدعوى المرفوعة من النيابة العامة ضد محمود حسن العرابي وأنطون مارون وآخرين لأنهم في المدة ما بين 13 سبتمبر 1923 و2 مارس 1924 في الإسكندرية وطنطا وغيرها من بلاد القطر المصري قد نشروا أفكارًا ثوريةً حبذوا فيها تغيير الأنظمة الأساسية للهيئة الاجتماعية، وحكمت المحكمة في 16 أكتوبر 1924 حضوريًّا بالسجن ثلاث سنوات بمقتضى المادة 151 فقرة 2، 3 فطعن على هذا الحكم باعتبار المادة المذكورة مقيدة لحرية الرأي المكفولة بنص المادة 14 من الدستور.
حكم محكمة تلا
وفي أواخر عام 1925 قامت وزارة زيور باشا بتعديل قانون الانتخاب أثناء غيبة البرلمان، ورفض بعض العمد استلام دفاتر الانتخاب وأضربوا عن العمل فقدمتهم النيابة إلى المحاكمة بتهمة مخالفتهم تنفيذ الأوامر الصادرة إليهم من رؤسائهم طبقًا للائحة العمل، وقد جاء في دفاع هؤلاء المتهمين أن هذا القانون غير دستوري، وعلى ذلك فامتناعهم عن عمل مشروع لا يصح معاقبتهم من أجله وقد قضت المحكمة بتاريخ 3/1/1926 بتغريم كل منهم عشرة جنيهات لمخالفتهم الأوامر الصادرة إليهم.
وقد أوردت المحكمة فيما يتعلق بالدفع بعدم الدستورية قولها "اتفق علماء الدستورية أنه مع اعترافهم بحق المحاكم في تقدير دستورية القوانين لا يخولونها حق إلغاء هذه القوانين غير الدستورية عملاً بنظرية فصل السلطات بل كل ما للمحاكم هو أن تمتنع عن تنفيذ قانون لعدم دستوريته وبدون أن يغير ذلك من قيام القانون المذكور واحتمال أن تحكم محاكم أخرى بدستوريته"..
حكم محكمة مصر الأهلية
ويعد هذا الحكم هو أول الأحكام التي قررت في صراحة ووضوح ومتانة وتأصيل في الأسباب حق المحاكم في الرقابة على دستورية القوانين واستندت المحكمة في ذلك إلى عدة أسس منها: أن القاضي مختص بإيجاد الحل القانوني للمنازعات المطروحة عليه، وهو مقيد في حكمه بقوانين البلاد العادية، كما أنه مقيد بالقانون الأساسي للدولة وهو أسمى القوانين، فإذا تعارض القانون العادي مع الدستور فواجب القاضي في هذه الحالة ترجيح النص الدستوري على القانون العادي والأخذ بمبدأ الرقابة يأتي كنتيجة حتمية لمبدأ أفضل السلطات إذ إن السلطة التشريعية إذا خرجت على الدستور فليس لها أن تجيز السلطة القضائية على الخروج منها.
![]() |
|
المستشار ماهر عبد الواحد رئيس المحكمة الدستورية العليا |
وألغى حكم محكمة استئناف مصر هذا الحكم الرائد عندما طعن عليه وقررت محكمة الاستئناف في وضوح كامل أنه ليست للمحاكم الحق في رقابة دستورية القوانين وذلك بحكمها الصادر بجلسة 30 مايو 1943 .
وظلت محكمة النقض المصرية مترددةً في موضوع الدستورية ولم تشأ أن تقطع فيه برأي إلى أن صدر هذا الحكم الذي امتنعت فيه المحكمة عن تطبيق نص في قانون الإجراءات الجنائية نظرًا لخروجه على قاعدة عدم رجعية قوانين العقوبات المقررة في دستور 1923.
وهذا الحكم وإن لم تذكر المحكمة فيه صراحة أنها تراقب دستورية القانون إلا أنها استبعدت تطبيق القانون 178 لسنة 1951 أخذا بمبدأ عدم الرجعية.
التحول التاريخي
ويعتبر حكم محكمة القضاء الإداري في فبراير 1948 وفي القضية رقم 65 لسنة 1 ق هو العلاقة الفاصلة ونقطة التحول الحقيقي في موقف المحاكم المصرية بالنسبة للرقابة على دستورية القوانين والذي لم يعد بعدها شك في أحقية القضاء في رقابة دستورية القوانين.
وأسست المحكمة حكمها على عدة دعائم أهمها: ليس في القانون المصري ما يمنع المحاكم المصرية من التصدي لبحث دستورية القوانين، والتصدي من جانب المحاكم لرقابة دستورية القوانين فيه إعمالاً لمبدأ الفصل بين السلطات ووضعًا للأمور في نصابها الدستوري الصحيح، ما دامت المحكمة لا تضع بنفسها قانونًا ولا تقضي بإلغاء قانون ولا تأمر بوقف تنفيذه.
وخلت الدساتير المصرية المتعاقبة ابتداء من دستور 1923 وحتى دستور 1964 المؤقت من نص ينظم مسألة الرقابة على دستورية القوانين سواء بتقريرها أو بمنعها.
وقد اعتبر الفقه الدستوري مجرد سكوت الدساتير عن تنظيم الرقابة هو بمثابة إقرار لمسلك القضاء الذي أقر لنفسه الحق في رقابة دستورية القوانين.
أول محاولة
وكانت أول محاولة رسمية لتنظيم رقابة دستورية القوانين على المستوى التشريعي هو مشروع وضع الدستور عقب قيام ثورة يوليو فقد ورد النص في هذا المشروع على إنشاء "محكمة عليا دستورية" يناط بها وحدها مهمة رقابة دستورية القوانين تتألف من تسعة قضاة من بين المستشارين وأساتذة القانون ورجال الفقه الإسلامي الجامعيين، ومن المحلفين لدى محكمة النقض.
وقد راعت اللجنة في تشكيل المحكمة تمثيل السلطات الثلاث كالآتي: ثلاثة يعينهم رئيس الجمهورية، وثلاثة ينتخبهم البرلمان مجتمعًا في هيئة مؤتمر أول كل فصل تشريعي، وثلاثة ينتخبهم القضاء العادي والإداري والشرعي، وتنتخب المحكمة رئيسها من بين أعضائها، ومدتها اثنتا عشرة سنة وتجدد جزئيًّا على الوجه الذي يبينه القانون.
غير أن هذه المحاولة لم يكتب لها النجاح إذا إن رجال الثورة قد رفضوا مشروع لجنة الخمسين وعهد إلى بعض المتخصصين بإعداد مشروع دستور يتماشى مع أهداف الثورة.
ثم كانت أول تجربة لإنشاء محكمة دستورية متخصصة يناط بها دون غيرها مهمة رقابة دستورية القوانين هي تجربة "المحكمة العليا" التي أنشأها القرار بقانون 81 لسنة 1969 والتي تولت مهمة الرقابة بالفصل وباشرتها مدة تقترب من العشر سنوات اعتبارًا من 25 أغسطس 1970 وحتى تاريخ تشكيل المحكمة الدستورية العليا في 9 أكتوبر1979 .
أول هيئة
وقد تشكلت المحكمة العليا عند إنشائها من: المستشار بدوي إبراهيم حمودة "أول رئيس للمحكمة العليا" وكانت المحكمة العليا تؤلف من رئيس ومن نائب أو أكثر للرئيس وعدد كافٍ من المستشارين، وتصدر أحكامها من سبعة أعضاء، ويعين رئيس الجمهورية رئيس المحكمة من بين أعضائها أو من غيرهم ممن تتوافر فيهم شروط التعيين، ويجوز تعيينه دون التقيد بسن التقاعد، ويعين نواب الرئيس والأعضاء بقرار من رئيس الجمهورية بعد أخذ رأي المجلس للهيئات القضائية، ويكون تعيين رئيس المحكمة العليا ونوابه والمستشارين لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد.
وتختص المحكمة العليا بالفصل دون غيرها في دستورية القوانين، وبتفسير النصوص القانونية والفصل في طلبات وقف تنفيذ الأحكام الصادرة من هيئات التحكيم المشكلة للفصل في منازعات الحكومة والقطاع العام والفصل في مسائل تنازع الاختصاص.
ثم جاء دستور 1971 هو أول الدساتير المصرية التي تضمنت نصوصًا تنظم رقابة دستورية القوانين وأوكل أمر هذه الرقابة إلى محكمة خاصة سماها "المحكمة الدستورية العليا" وقد نظم الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح في خمس مواد منه من المادة 174 وحتى المادة 178 .
وقد جعل الدستور "المحكمة الدستورية العليا" هيئة قضائية مستقلة قائمة بذاتها تتولى- دون غيرها- مهمة الفصل في دستورية القوانين واللوائح، وكذلك تفسير النصوص التشريعية وقد أجال الدستور إلى قانون المحكمة ليتولى مهمة تنظيم باقي الاختصاصات الأخرى أو التشكيل، والأحكام التي تصدر من المحكمة الدستورية العليا وآثارها.
ثم صدر القانون رقم 48 لسنة 1979 بإصدار قانون المحكمة الدستورية العليا لينظم عمل المحكمة واختصاصاتها وسائر شئونها وقد تضمن قانون الإصدار نص المادة الثامنة التي تقرر أنه مع عدم الإخلال بحكم المادة الثانية من قانون الإصدار يلغي قانون المحكمة العليا الصادر بالقانون رقم (81) لسنة 1969، قانون الإجراءات والرسوم أمامها الصادر بالقانون رقم (66) لسنة 1970 والقانون رقم (79) لسنة 1976 ببعض الأحكام الخاصة بالمحكمة العليا، كما يلغي كل نص يخالف أحكام القانون المرافق وذلك فور تشكيل المحكمة الدستورية العليا.
وتمارس المحكمة الدستورية العليا عملها وفقًا للمادة 29 من القانون في مراقبة دستورية القوانين واللوائح بإحدى طريقتين:
1- في حالة ما إذا ثبت لإحدى المحاكم أو لإحدى الهيئات ذات الاختصاص القضائي, أثناء نظر دعوى معينة, أن ثمة عيبًا بعدم الدستورية يشوب نصًّا لازمًا للفصل في النزاع المعروض، فإن المحكمة أو الجهة القضائية المعينة تقرر وقف سير الدعوى وتحيل الأمر إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في مدى دستورية هذا النص.
2- إذا كان هناك دفع من أحد الخصوم أثناء سير الدعوى التي تنظرها إحدى المحاكم أو إحدى الهيئات ذات الاختصاص القضائي بعدم الدستورية. ومتى ثبت لهذه المحكمة أو لتلك الهيئة القضائية أن هذا الدفع مبنى على أسس جدية، فإنها تؤجل النظر في الدعوى وتحدد موعدًا لا يتجاوز ثلاثة أشهر لرفع دعوى أمام المحكمة الدستورية العليا للفصل في هذا الدفع، وإلا اعتبر هذا الدفع وكأنه لم يكن.
ويترتب على الحكم بعدم الدستورية عدم جواز تطبيقه من اليوم التالي لنشره في الجريدة الرسمية. وفي حالة الحكم بعدم الدستورية نص جنائي، فإن الأحكام التي تكون صدرت بالإدانة استنادًا إليه تعتبر كأن لم تكن.
تسييس واضح
![]() |
|
محمد غريب |
إلا أنه رغم ما قدمته المحكمة الدستورية لتحريك الحياة السياسية- بحسب محمد غريب المحامي البارز بلجنة الشريعة- فإنها وقفت جامدة أمام طعون بعينها تخص جماعة الإخوان المسلمين.
يوضح غريب أن أمام المحكمة طعون حول المادة 6 من قانون الأحكام العسكرية التي يستند إليها النظام في تحويل الإخوان للمحاكمات العسكرية منذ عام 1995، وكذلك حول المادة 86 مكرر منذ 2001 والتي يستند إليها النظام في وصم الإخوان بتهمة "إنشاء جماعة على خلاف أحكام القانون والدستور".
ويرجع غريب هذا التعطيل للحسم في هذه الطعون إلى "تسييس المحكمة الدستورية العليا"، موضحًا أن الطعون تمس معاناة الإخوان والقضاء بعدم دستوريتها من المحكمة يجعل كل المحاكمات منعدمة ويوقف كافة الملاحقات غير القانونية مما يجعل المحكمة أمام طعون لها مردود سياسي ولا تنتهي من إجراءاتها سريعًا رغم تقديمه منذ أكثر من 10 سنوات.

