- د. عصام العريان: القرار جزء من مؤامرة غربية لتقسيم السودان

- د. حلمي شعراوي: فتح الباب للتدخل في الشئون الداخلية لا الانفصال

- د. محمد عبد السلام: الرهان الآن على القوى الإقليمية والأنظمة الحاكمة

 

تحقيق- خالد عفيفي:

محاولات تقسيم بلاد العرب والمسلمين سياسة استعمارية قديمة قائمة على المبدأ المعروف (فرِّق تَسُد)، ولكن رسم هذه السياسة كان دائمًا يبقى في طيِّ الكتمان والسرية، حتى بعد البدء بتطبيقها على أرض الواقع.

 

وكان أخطر مخططات التقسيم التي رُسمت لمنطقتنا العربية, اتفاقية "سايكس- بيكو" المعروفة والتي فضحتها الثورة الاشتراكية في روسيا عام 1917م، ولكن البلدان العربية تم تقسيمها قسرًا وفق هذه المخططات.

 

وعندما احتل الأوروبيون البلدان العربية في بداية القرن العشرين وكانت عمليًّا قد تم تقسيمها بين (فرنسا, إنجلترا, ألمانيا, إيطاليا وغيرها)، وبدأت حكومات الانتداب الاستعماري تخطط لتقسيم كل بلد عربي إلى دويلات صغيرة, فشلت هذه السياسة بفضل المقاومة الوطنية والثورات المناهضة للانتداب, حتى تم طردها وحصول البلدان العربية على استقلالها الوطني محافظة بذلك على وحدة أراضيها.

 الصورة غير متاحة

السودانيون.. معًا ضد قرار الجنائية الدولية

 

وساهم في تحقيق ذلك التوازن العسكري والاقتصادي والسياسي الذي كان قائمًا طوال مرحلة ما يسمى (الحرب الباردة) بين (الاتحاد السوفيتي الراحل) وكتلته من جهة وحلف الأطلنطي بقيادة الولايات المتحدة، ولكن بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ومعسكره الاشتراكي وانتهاء ما يُسمى فترة الحرب الباردة, بدأت الولايات المتحدة حربًا من نوع جديد كانت هي وحدها التي صاغتها وخططت لها تحت شعار برَّاق ولكن كاذب وهو محاربة (الإرهاب) وترسيخ الديمقراطية الملونة، تحت زعم التغيير بعد التخلص من رواسب الماضي والأنظمة التي أطلقت عليها واشنطن وحلفاؤها الأنظمة الشمولية.

 

وطرحت في نفس الوقت مشاريعها البديلة أبرزها مشروع (الشرق الأوسط الكبير)، ثم (الشرق الأوسط الجديد) وغيرها، ولكن هذه المشاريع ترافقت مع افتعال الصراعات المذهبية والعرقية في العديد من الدول العربية وغيرها.

 

وأخرج المشروع الأمريكي الصهيوني الهادف للاستيلاء على منطقتنا العربية وثرواتها, ما كان مخططًا له منذ عشرات السنين, مخطط تقسيم دول المنطقة إلى دويلات على أساس طائفي وعرقي تكون متصارعة بينها، وتكون كلها بحكم ضعفها بحاجة إلى حماية الدولة العظمى التي ستكتفي تدريجيًا, بحماية مصادر الطاقة في المنطقة بعد تسليم مسألة الأمن إلى السلطات المحلية, بعد تزويدهم بالسلاح الكافي لقتال بعضهم.

 

والسؤال المشروع الذي يطرح نفسه اليوم, هل الولايات المتحدة بدأت بتطبيق سياسة تمزيق المنطقة بدءًا من العراق والانتقال إلى الدول العربية الأخرى?، وهل أعادت مذكرة توقيف الرئيس السوداني عمر البشير إلى الأذهان تفاصيل المؤامرة الصهيوأمريكية لتفتيت دول المنطقة لإحكام السيطرة عليها خاصة في ظل الدعم اللا محدود الذي تلاقيه الفصائل المتمردة في الجنوب أو في إقليم دارفور من جانب الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على حد سواء؟، وما هي السيناريوهات المطروحة في حال نجاح المحكمة الجنائية الدولية في اعتقال البشير؟!.

 

ويتزامن ذلك مع تأكيدات فصائل دارفور عدم معاملتها للبشير كرئيس شرعي للسودان، وأبدت استعدادها التام للتعاون مع المحكمة الدولية في إطار القبض على البشير.

 

مؤامرة حقيقية

 الصورة غير متاحة

 د. عصام العريان

يؤكد الدكتور عصام العريان القيادي في جماعة الإخوان المسلمين أن قرار المحكمة الجنائية الدولية يضعنا أمام مؤامرة حقيقية، ويتفق مع مشروع استعماري جديد هدفه تقسيم السودان، والاستيلاء على ثرواته الطبيعية، مشيرًا إلى أن الاستفتاء القادم في 2011م سيؤدي إلى انفصال الجنوب عن الشمال؛ وخاصةً في ظل موقف حركة تحرير السودان في الجنوب بأنها ستتعاون مع المحكمة الجنائية في تفعيل قرارها.

 

وأوضح أنه في حالة القبض على الرئيس البشير سيكون "سيلفا كير" هو رئيس السودان، أو سيتم التقسيم بالتراضي مع يقين الشماليين أنهم لن يسلموا حكم البلاد إلى الجنوبيين، محذرًا من احتمال امتداد التقسيم إلى إقليم دارفور وخاصة في ظل تمتعها بالثروات الطبيعية والبترول.

 

ويشدد د. العريان على أن المؤامرة الحقيقية هي على مصر في الأساس؛ لأنه إذا حدث انفصال للجنوب فإن مشروعات الري في أعالي النيل ستتوقف تمامًا، وستكون هناك اتفاقيات جديدة مع أي دويلة في الجنوب والمدعومة جميعها من جانب الكيان الصهيوني الذي دعم المتمردين في الجنوب والمتمردين في دارفور، مؤكدًا أن مصر لم تبذل جهدًا حقيقيًّا منذ بداية الأزمة لوقف المخطط.

 

ويشير إلى أن المؤامرة الدولية على العالم العربي قديمة وهي التي زرعت الكيان الصهيوني في وسط العالم العربي؛ بهدف منع أي اتجاه للوحدة أو النهضة العربية، مع بقاء الوجود الأجنبي بوجوه أخرى لتبقى الهيمنة ويبقى التخلف والضعف العربي.

 

وحول وجود مخططات أخرى لتقسيم دول عربية قال إن المخططات واضحة، ومؤيَّدة بالوثائق في اتجاه تقسيم سوريا، وكذلك مصر إلى دولة قبطية في الجنوب وأحيانًا للنوبة وأخرى في الشمال.

 

ويشدد العريان قائلاً: "يجب أن ندرك أن أي محاولة لوجود حركة إسلامية نشطة تسعى لبناء نهضة إسلامية حقيقية؛ قابلها الرفض والضغط عليها وحصارها أمام المجتمع الدولي، وهو ما حدث في السودان وباكستان وأفغانستان وفلسطين؛ بهدف إرجاعها إلى الوراء لأنهم يعرفون (القوى الدولية والأنظمة الموالية لها) أنها الوحيدة التي سوف تتصدى لمحاولات التقسيم".

 

تدخل واحتلال

 الصورة غير متاحة

د. حلمي شعراوي

ويرى الدكتور حلمي شعراوي مدير مركز البحوث العربية والأفريقية أن قرار المحكمة الجنائية- من وجهة نظره- يطرح مشكلة التدخل في سيادة الدول وأمم العالم الثالث؛ بحيث يعطي القرار فرصة لمزيد من هذا التدخل.

 

ويشير إلى أن ملامح هذا التدخل تتمثل في الدعم الذي سوف يتمتع به متمردو دارفور من دول مثل فرنسا وإنجلترا بشكل خاص؛ في سبيل السيطرة على المخزون البترولي في غرب السودان، بالإضافة إلى أن غرب السودان يعتبر مدخلاً للمناطق الإفريقية التي تتمتع فيها فرنسا بنفوذ قوي.

 

ويوضح أن مسألة دعم الاتجاهات الانفصالية في الجنوب أزمة تؤرق السودان، ولكنها لا ترقى إلى كونها مخططًا لتفتيت السودان، على الرغم من أن بعض الشخصيات القيادية في الجنوب أكدت أنها لن تتعامل مع البشير باعتباره رئيسًا لأنه فقد الشرعية الدولية, على حسب قولهم.

 

ولم يستبعد شعراوي أن تؤدي الأحداث المتواترة إلى انفصال الجنوب، مع الأخذ في الاعتبار أن قضية الجنوب ومشاكله مثارة في كل وقت.

 

وحمَّل النظام الحاكم في الخرطوم مسئولية التدهور، واتهمه بعدم تطبيق الديمقراطية في اقتسام الثروة والسلطة مع جميع مكونات الشعب السوداني.

 

مخططات قديمة

ومن جانبه يقول الدكتور محمد عبد السلام الخبير بمركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام إن الحديث عن انفصال جنوب السودان عن شماله يتكرر منذ زمن بعيد، والمخططات الخاصة بذلك أيضًا موجودة طوال الوقت، ولكن العامل الرئيسي أو الفيصل في تحديد نجاح تلك المخططات من عدمه هو قدرة النظام السياسي على التعامل معها وعدم السماح بنشاطاتها.

 

ويؤكد أن قرار توقيف الرئيس السوداني سيؤدي بالفعل إلى مشكلة كبيرة مرتبطة بانفصال إقليم دارفور؛ لأن الفصائل المتمردة هناك غير عاقلة ومطالبها تطورت من حقوق سياسية، مرورًا بما يشبه الحكم الذاتي، وصولاً إلى المطالبة بالانفصال الآن، وهو ما يؤدى إلى استئساد تلك الفصائل المتمردة.

 الصورة غير متاحة

السودانيون أكدوا تضامنهم مع البشير ضد قرار الجنائية

 

ويشير د. عبد السلام إلى أن دولاً مثل السودان معرضة بصفة دائمة إلى التفتيت والانقسام؛ بسبب تعدد الأعراق والأجناس، ولكن وجود سلطة قوية تستطيع السيطرة على جميع الفصائل والأجناس يمنع إلى حد كبير نجاح تنفيذ مخططات التقسيم تلك.

 

ويوضح أن الاتحاد السوفيتي السابق جرى معه نفس السيناريو؛ فحين فقدت السلطة قدرتها على السيطرة حدث التفتيت، وأضاف أن العراق ليس بعيدًا عن هذا الكلام فصدام حسين كان مسيطرًا إلى حد كبير على لمِّ شمل العراق، وحين انهارت سلطته المركزية بعد الغزو الأمريكي ظهرت دعوات التقسيم إلى ثلاث مناطق: سنية وشيعية وكردية.

 

ويضرب د. عبد السلام مثلاً بدول متعددة الأقليات وهي سويسرا التي تعتبر دولة كونفدرالية مكونة من عدة "كانتونات"، ولكنها استطاعت فيما بينها الاتفاق على صيغة معينة تشارك فيها في السلطة وتوزيع الثروة بشكل يضمن العدالة.

 

وفي إجابته على سؤالنا حول تدخل الأطماع الدولية في دعم الحركات الانفصالية أكد أن الأطراف الإقليمية أولاً هي التي تساهم بشكل مباشر في دعم القوى الانفصالية أو في عدمه، مضيفًا: "مثلاً تركيا تدفع في اتجاه عدم انفصال الأكراد عن العراق، كما أن مصر التي تدفع في عدم انفصال جنوب السودان عن شماله؛ لأن ذلك في مصلحتها أولاً وأخيرًا؛ حيث يشكل السودان عمقًا استراتيجيًّا لمصر".

 

وبالنسبة لبعض القوى الإقليمية التي تدفع في اتجاه مغاير للقوى السابقة أكد أن دولاً مثل أوغندا وإثيوبيا وتشاد تجاور السودان لها مصالح عدة في تفتيت السودان وعدم استقراره؛ فتعمل على دعم قوى الانفصال، بالإضافة إلى الكيان الصهيوني الذي يستطيع أن يتعامل مع جماعات وكيانات منفصلة عن التعامل مع سلطات مركزية.

 

وحول النفوذ الصهيوني في السودان أشار د. عبد السلام إلى أن مظاهر هذا النفوذ تبدو في وجود "لوبيهات" صهيونية في دارفور وشخصيات دينية نافذة، ووثائق تتحدث عن دور صهيوني هناك، بالإضافة إلى بعض الصحف العبرية، ولكن في الوقت ذاته قال إنه من الخطأ أن نعوِّل كثيرًا على تلك العوامل في القوة بأن هناك مخططًا منظمًا لتقسيم السودان أو دول المنطقة.

 

محور الشر

ويطرح د. عبد السلام تساؤلاً مهمًا: "إذا كانت القوى الإقليمية والخارجية تسعى إلى تفتيت الدول المعادية لها فأيهما أولى تلك الدول أم التي وصفتها أمريكا بمحور الشر مثل سوريا وإيران؟!"، والإجابة كانت سريعة حيث أكد أن سوريا وإيران تتمتعان بوجود أنظمة حكم قوية قابضة على السلطة وقادرة على تطويع مشاكلها، مضيفا أن ليبيا حلت جميع مشاكلها مع المجتمع الدولي فصرفت تعويضات لضحايا لوكيربي وأعلنت عن تفكيك برنامج نووي؛ وبذلك أغلقت الباب أمام أية محاولات للنيل من استقلالها ووحدتها.