أبدأ مشكلتي من نهايتها؛ فإني لا أستطيع الآن التواصل مع أبي لا نفسيًّا ولا شكليًّا، ولا أستطيع حتى رؤيته، بعد أن جعلتني مصائبه أعيش في أزمات نفسية متواصلة تنعكس على زواجي، نتيجة فقد الثقة بالرجال.

 

إن أبي تزوَّج أمي، وهي من بنات عمومته، وصورته الراسخة في ذهني منذ طفولتي هي ذلك العبوس، فلا همَّ له سوى زجرنا وعقابنا وحرماننا من أهل أمي الذين هم أبناء عمومته، لا أذكر له حضنًا دافئًا أو قصةً جميلةً أو لعبةً من تلك التي تحكي عنها صديقاتي في المدرسة؛ فكل منهن تذكر والدها بشيء تحبه إلا أنا.

 

وعندما بلغت الـ7 سنوات.. تزوج ثانيًا من بلد عربية، واستخدمَنا أنا وأخويَّ الصغيرين في ابتزاز أهله وأمي، وفجأةً تخلى عنا لمدة سنتين لا يدري عنا شيئًا، ونتصل به فلا يرد على الهاتف، بعد أن انتقل إلى مسكن فاخر وفَّره لزوجته الثانية مع سيارة فارهة، فضلاً عن الخدم والهدايا، بينما نحن نسكن مع جدتي ونستخدم سيارتها وتنفق هي وأمي علينا جميعًا.

 

وبعد إصرار جدتي عليه طلق زوجته، ودخل هو وأمي في "علاج السحر" الذي عملته لهما تلك الزوجة، ومررنا بأيام سوداء لا أذكر منها سوى الخوف وكُرهي له الذي تضاعف بعد إصراره مجددًا على الزواج بأخرى، وأن تخطب له أمي بنفسها؛ فتزوج إحدى قريباته وقريبات أمي من دولة خليجية أخرى، وأتى بها في منزلنا مع جدتي وأعمامي، وأثمر ذلك الزواج بأخت لي منها، وطلَّقها على إثر معاكساتها في التلفون، وعاشت البنت عندها في تلك الدولة الخليجية، واستمرت معاملته السئية لنا جميعًا، فكان يهجر أمي 3 و4 و6 شهور بلا سبب، ويهجرنا معها، فلا يرضى حتى أن يصافحنا، ويرمينا إذا لاقيناه بنظرات الحقد والكره والغطرسة، ولا يعامل أمي باحترام حتى أمامنا، ولا ينفق عليها ولا يحترم أهلها، ويحقِّرهم، مع أن أهل أمي شيوخ وطيبون وكل الناس يحبونهم، وعندما نتحاشى رؤيته حتى لا يجرحنا يقول "أنتِ وين مسافرة؟".

 

وبعد فترة من الهجر ذهبت أمي إلى بيت والدها، وأصرَّ جدي على أن لا ترجع، وأن يبني لها بيتًا لها ولأولادها بجانبه، وهو لم يخطئ في ذلك؛ لأنه لم يكن في أبي ما يجعله يطمئن على ابنته معه، وكان أبي يستخدم كل أسلوب سيئ مع أمي ويتصل بها في تلفون العمل ليهدِّدَها ويشتمها، وكنت أنا مع جدتي، فلم أذهب مع أمي، فكان يعاملني معاملةً سيئةً، ولا يريد أن يسلم عليَّ.

 

وفي غياب والدها بمهمة عمل رجعت أمي إلى بيتنا دون أن يرضيها أبي الذي ازدادت معاملته سوءًا لها ولنا، كما ازداد شحًّا في الإنفاق علينا، رغم غناه، فقد ورث الملايين عن أبيه، إلا أنه يقتِّر بها علينا، ولا تظهر أمواله إلا عند الإنفاق على زوجة أو حبيبة جديدة.

 

وبعدها سافر أبي إلى إحدى الدول العربية ليأتي بزوجته رقم 3 وهي عروس في سني، سكنت معنا في البيت لتنشأ المشكلات مع أمي التي يهجرها ويهجرنا بالشهور.

 

ومرت 10 سنوات على زواجه الجديد وأمي صابرة تتحمَّل أذاه وأذى زوجته الجديدة، وتقصيره المادي معنا، وظلمه المتواصل، فضلاً عن أذى الناس لتذللها له وصبرها عليه؛ في حين يسافر أبي كل فترة ليتزوج سرًّا أو جهرًا، ويطلق قبل أن يرجع.

 

وتزوجت أنا، بعد صراع مرير مع أبي، جعلني أكره كل الرجال، فعانيت في بداية زواجي بشدة، إلا أني مع الاستشارات والبحث والقراءة طوَّرت نفسي وسلوكي، واستطعت أن أدفن جزءًا من سوء ظني بالرجال، وحاولت أن أعدِّل من علاقتي بأبي؛ فهو هجرني قبل زواجي لأني لم أرضَ أن تكون لي علاقة مع إحدى الموظفات عنده، وعرفنا فيما بعد أنه كان متزوجًا بها وطلقها بعد ذلك، فقد كان أبي يستغلني في علاقاته مع النساء؛ بما يوائم مصلحته الشخصية، متناسيًا كوننا أطفاله وأولاده.

 

وللعلم فإن أمي ترأف وتحنُّ على أولاد أبي كثيرًا، وقد يحبونها أكثر من أمهم، وقد أتى أبي بأختي بعد أن كبرت وزجَّ بها في حضن أمي فربَّتها، وحسَّنت من أخلاقها، وأبي لا يدري عنا ولا عنها شيئًا إلا حين يريد شيئًا لنفسه، فهي مرحلة وتزول بزوال حاجته.

 

بعد زواجي وإنجابي، بدأت علاقة أبي مع إحدى موظفاته وهي متزوجة، وفوجئنا بعد ذلك بزواجه وإنجابه منها، فضلاً عن كرمه الكبير معها، بينما يهجر أمي التي لم تعد لها رغبة في رؤيته أو الرجوع إليه.

 

فهو له أصلاً زوجتان في بيت واحد وأولاد لا يدري شيئًا عنهم، وإنفاقه عليهم لا يكفي، وهو سيئ المعاملة مع الزوجات والأبناء، ولا يعدل، ويضرب زوجته الثانية باستمرار؛ لأنه ليس لها أهل يحمونها ويدافعون عنها، وجرَّها من شعرها عند بيت زوجته الموظفة لكي يجبرها على أن تتقبلها.

 

الآن.. أبي غاضب لأننا لم نرضَ بزوجته ولم نتقبل ابنته، وحتى عندما ندوس على مشاعرنا والعُقَد التي سببها فينا ونذهب إليه فلا يسلِّم علينا ويصمت، ولا يعاملنا إلا كمعاملة "الكلاب".

 

فمن هو العاقّ؟ هل هو الأب أم نحن الأبناء؟ أنا طبعًا غير محتاجة أن أصف أمي؛ لأن المرأة التي تحملت كل هذا أكيد- وبلا شك- إنسانه طيبة، صابرة، مضحية لأجلنا، فكيف لنا الاستمرار معه في بيئة الظلم والقهر والخيانة والتقصير؟ أنا لن أغيِّره، ولكن لن أرضى بأفعاله أيضًا.

 

وسؤالي: كيف لي أن لا أعقَّه على الأقل وقد انقطع كل تواصل بعد هذه التراكمات، إلا أني أخاف الله، فبالله عليكم اشفوا غليلي.

* يجيب عن الاستشارة: ميرفت محمد- الاستشاري الاجتماعي للموقع:

أرسلت لي ابنتي الكريمة بهذه الرسالة والتي ملخصها:

1- الإحساس بظلم الأب لأمها ولها وإخوتها.

2- سؤالها كيف تتعامل معه.

3- هل تكون عاقة له إذا لم تتواصل معه؟

 

فتعالَي معًا نضع يدنا على المشكلة

أولاً حاولي أن تعتبري نفسك خارجها قليلاً؛ حتى تستطيعي أن ترَي بصدق وتجرد لماذا يفعل هذا الزوج (الأب) هذه الأفعال، وتري حبيبتي أن هناك سوءَ فهمٍ، كلاهما للآخر، فالزواج المتكرر له أسباب حقيقية خفيَّة في كثير من الأحيان، وإعلانها يحرج أحد الطرفين أو كليهما، كما أن هجره وسفره وسوء معاملته ترجع لأسباب واضحة، وهذه الأسباب ما هي إلا رسائل.. رسائل زوجية متبادلة يريد والدك أن يقول لأمك: أستطيع الاستغناء عنك والبعد عن سلطتك وكبريائك وسطوة أهلك وتفضلكم عليَّ، بالزواج ممن هي أحسن منك مالاً وجاهًا وجمالاً وأصغر سنًّا، كما أستطيع هجرك بالسفر وتمزيق مشاعري تجاهك وتجاه أولادي فلذات كبدي، ولن أتركك وأبعد؛ بل سوف أعذبك بابتزاز أهلك، وباستخدام أولادنا للوصول لما أريد.

 

أما رسائل أمك لأبيك فتقول فيها: أنا أحسن منك وأعظم، فأنا الصابرة على المعاملة السيئة، أنا الشمعة المحترقة أربي أولادك وأنفق عليهم فأنا في غنى عنك، لي عائلة تحميني وتغنيني.

 

واعلمي حبيبتي أنه متى أرسلت المرأة هذه الرسالة لزوجها فهي تقضي على حياتهما الزوجية، وتقول له لم تعد مناسبًا لي، ولكنها ترسل رسالة المرأة المحتاجة إلى الزوج؛ يظهر ذلك في رجوعها لأبيك دون أخذ رأي والدها؛ الذي له فضل كبير عليها، بالرغم من سوء معاملته، فكلاهما أرسل نفس الرسائل: إنني أحتاج إليك إلا أني أستطيع العيش بعيدًا عنك.

 

إذًا ابنتي ليس هناك أزمة حقيقية بين والديك، كل ما في الأمر أنهما يحاولان مناقشة أمورهما بعيدًا عن العائلة التي تبدو مسيطرة وضاغطة عليهما بشكل واضح.

 

ودورك..

حاولي توضيح أن سبب مشاكلهما تدخل الأهل بصورة غير مناسبة، وعلى أمك الرجوع إلى أبيك؛ أميرها وحبيبها، وإشعاره أنها لا تستطيع الاستغناء عنه، وعندها ستجد أنه كذلك يرجع إلى أميرته وزوجته وحبيبته وأم أولاده وصديقة عمره؛ أمك، وسوف تُحَل مشكلاتهما بهدوء.

 

أما مشكلتك مع والدك فيمكن أن تذوب كما يذوب الجليد بأشعة الشمس الصافية، بالرجوع إلى ديننا سوف تجدين في القرآن الكريم وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحث على حسن معاملتهما وبرهما والنصح لهما وصحبتهما  بالمعروف حتى إن كانا كافرَين، وحتى لو أرادوا أن نكفر بالله فعلينا برهما وصحبتهما بالمعروف دون الشرك.. قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (15)﴾ (لقمان)، وقال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)﴾ (الإسراء).

 

عليك ابنتي التقبل غير المشروط لوالدك؛ لأنه أبوك، وفقط لا تنظري إلى الصورة (ظلم الأب) بل انظري إلى جوهر العلاقة بين والديك، وسوف تصلين بمفردك إلى النتيجة؛ فهدم البيت قرار ثنائي وليس فرديًّا، فكلاهما قرر البعد وهدم البيت، وكلاهما سوف يعيد بناءه بقرار ثنائي، وهو الرجوع (القرب).

 

ابنتي.. اغفري لأبيك سوء معاملته لكم.. ألا تحبين أن تُكتبي عند الله من المحسنين، البر أمر صعب، فمع ثقل الأمر يكون عظم الأجر، واعلمي حبيبتي أن أبشع إحساس لدى أي أب أن يرى ويشعر بكُره أولاده له، وأنت الآن لديك أولاد فتخيلي أن أحدهم يكرهك؛ فما سوف يكون شعورك؟! عيشي حياتك المقبلة في سعادة، ولا تُتعسي نفسك وأولادك بالماضي، اكسبي والدك وجد أولادك الآن وقبل فوات الأوان، حاولي جمع العائلة بالتقرب لوالدك، بالرغم من أنك قد تجدين منه صدودًا في أول الأمر، ولكن مع إصرارك على إرجاعه إليكم سوف يعود بكل حنان وعطف الأب، وسوف تسعدون جميعًا في ظل عائلة قد عانت طويلاً من الفرقة، ولكن من الآن سوف تنعم بالترابط والاستقرار والحب.

 

حبيبتي.. الدعاء والتقرب لله طوق النجاة من مداخل الشيطان الهدَّامة لبيوتنا، فهدم بيت مسلم أعظم إنجاز للشياطين، فلا نكن عونًا له، اللهم قنا شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، واهدنا سُبُلنا.

 

وإن شاء الله سوف تُحل الأزمة، وتسعدون جميعًا، عائلةً متماسكةً، هدفها رضا الله عز وجل، هدفها أن يعين كل فرد فيها الآخر على دخول الجنة.

 

إلى اللقاء لتخبريني أنك قد وُفِّقتِ للخير إن شاء الله.