- د. نادر فرجاني: تغيير النظام هو المدخل الطبيعي لحل مشاكل مصر
- د. صلاح الدسوقي: غياب النظم الحديثة في الإدارة سبب مباشر للفشل
- د. محمد المحمدي: القضية ترتبط بشكلٍ وثيقٍ بحرية الانتخابات
- د. أكرم حبيب: هناك ارتباط بين الديمقراطية والمنهجية العلمية
تحقيق- حسن محمود:
فجَّر إضرابَا سائقي النقل الثقيل "المقطورات" والصيادلة وتفاصيل تعامل الحكومة معهما إشكالية إدارة الأزمة مجددًا في مصر، فأي كيانات نقابية في العالم أو تكتلات وروابط تربطها حاجات مشتركة لها مطالب مشروعة من دولتها تسعى بها لتحسين مصالح أعضائها والدفاع عن حقوقهم ومواجهة اعتداءات الدولة ضدهم، وفي المقابل من المفترض وفق المناهج العلمية أن تتحرى الدولة أفضل أسلوب لتحقيق مطالب أعضاء هذه النقابات وعدم الدخول في صدامٍ شرسٍ معها أو النزول بقدرها إلى أفعال الصبيان وتحدي أي مطالب تأتي إليها وحرقها بنيران التهديدات الأمنية أو الإدارية.
![]() |
|
وقوف الصيادلة موقفًا واحدًا أجبر المالية على قبول مطالبهم |
ولكن في مصر الحكومة لديها الوزير يرفع مبدأ "لا أحد يستطيع أن يلوي ذراعي"، والمسئول يفضل "التحدي" على التفاوض، و"الطناش" على "النقاش"؛ مما يدفع إلى تراكم المشاكل وانفجارها في لحظةٍ واحدة ودخولها في نفق الأزمات الأسود، وهو ما حدث بشكلٍ مثيرٍ للدهشة منذ أزمة إضراب موظفي الضرائب العقارية في عام 2007م مرورًا باعتراف الحكومة المتأخر بتأثُّر مصر بالأزمة المالية العالمية انتهاءً بإضرابي الصيادلة وسائقي المقطورات والنقل الثقيل خلال هذه الأيام.
هذه الإشكالية دفعت إلى التساؤل: لماذا تتعامل الحكومة مع الأزمات بهذا الشكل التقليدي كل مرة؟ وهل نحن بحاجةٍ إلى حكومة تجيد التعامل مع علم إدارة الأزمات والتنبؤ بها قبل وقوعها؟، وما الطريقة المثلى للتعامل مع مثل هذه الأزمات؟.
الخبراء أرجعوا استمرار الأزمة الحادثة إلى غياب نظم الإدارة الحديثة وغياب أهل الخبرة والتدريب الفعَّال للقيادات الممارسة على التخطيط والتنظيم واتخاذ القرارات هو الذي أدَّى إلى حالةِ القصور الذي يُعاني منها النظام الحاكم، مشيرين إلى أن ما يقال حول الحكومة من كونها تمتلك إمكانات لإدارة الأزمات والمشاكل هو دعاية حكومية وهمية ولم تتخطَّ مرحلة الكلام.
افتقاد المناخ السليم
في البداية يؤكد د. صلاح الدسوقي أستاذ الإدارة بجامعة عين شمس أن مصر تعيش أزمةً في البيئة العامة للإدارة، والتي تشمل مجموع القرارات والقوانين والتشريعات، والتي لم تشهد تطويرًا يواكب احتياجات الإدارة المصرية؛ مما أدى إلى حدوث الأزمات تلو الأزمات دون وجود مناخ إداري سليم بتلافي هذه الأزمات.
ويشير إلى أن عاملَ الفرد داخل البيئة الإدارية عامل مهم، ولكنه في مصر مدمر الروح المعنوية بسبب الفارق بين معدل الأسعار وزيادة الأجور، بالإضافةِ إلى انعدام الفرص واختيار القيادات حسب ولائها وليس حسب درجة كفاءتها.
ويضيف أن غياب المنظومة الإدارية، والتي تهتم بالنظم الحديثة في الإدارة مثل الحوافز وتقييم الأداء وتنمية الموارد البشرية، هو السبب الرئيسي في مشاكلنا التي أورثت الجهاز الحكومي التخلف.
ويشدد على أن غياب التدريب الفعَّال للقيادات الممارسة على التخطيط والتنظيم واتخاذ القرارات أدَّى إلى حالة القصور التي يعاني منها النظام الحاكم، مشيرًا إلى أن ما يُقال من أن الحكومة تمتلك إمكانات لإدارة الأزمات والمشاكل هو دعاية حكومية وهمية وترديد لكلام الكتب ولم يتخطَّ مرحلة الكلام، بل هو- أصلاً- غير موجود.
وحذَّر من تفاقم الوضع المصري بصورةٍ كبيرةٍ إذا استمرَّ الوضع على ما هو عليه ولم تجدد التشريعات التي تحكم الإدارة والأخذ بمنظومة الإدارة الحديثة التي تعتمد على الكفاءات والخبرات.
الجهل والفساد
ويرجع د. محمد المحمدي أستاذ إدارة الأعمال بجامعة القاهرة سبب الفشل الحكومي في إدارة المشاكل اليومية والأزمات والحوادث الكبيرة إلى الجهل والفساد؛ لأنها لا تريد أن تأخذ بأسس علم الإدارة في تسيير أمورها والفساد المنتشر في مصر يتلاءم مع ذلك، ويريد أن يستمر الجهل ليستمر الفساد، ويستطيع الفاسدون أن يحصلوا على ما يريدون في ظلِّ سيطرةِ الجهل.
ويؤكد أنه لا بد من وجود قدوة صحيحة صادقة وذات علم في الحكومة حتى يحترم أهل التخصص والنزاهة والشفافية، ويشهد المصريون تغيرًا في التعامل مع مشاكلهم وأزماتهم، مشيرًا إلى أن تركيا كانت نموذجًا للفساد والأزمات والمشاكل التي تتراكم دون حل، ولكنها عندما وُجدت قدوة منضبطة بدأت من بلديات إستانبول وانتشرت بعدها في جميع البلديات تغيَّرت الحياة في تركيا، ووصلت إلى المرتبة السابعة عشرة على مستويات الاقتصاديات في العالم.
ويطالب المحمدي الحكومة بالتراجع العاجل عن الإصرار على اختيار الرجل غير المناسب للمكان غير المناسب، وتبديل الوضع ليحترم أهل علم إدارة الأزمات، ويتم إدارة الأزمة المشاكل والأزمات قبل حدوثها، موضحًا أن الحكومةَ لا تريد أن تستوعب أن إدارة الأزمة تعني منعها قبل حدوثها.
وتساءل: ما معنى أن تلدغ الحكومة من نفس المشكلة أكثر من مرةً ولا يردعها رادع أن تُراجعَ سياساتها وتستفيد من أخطائها عن طريق الإدارة الحديثة للأزمة مع أنه من المفترض ألا يُلدغ المؤمن من نفس الجحر مرتين؟!.
ويؤكد المحمدي أن القضية هي قضية إرادة وإدارة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالانتخابات الحرة حتى لا يمنع نواب الحكومة إحالة الفساد الذي كشفه الجهاز المركزي للمحاسبات التحقيق فيه مجددًا.
تغيير النظام
![]() |
|
د. نادر الفرجاني |
ويشدد د. نادر الفرجاني المحرر الرئيس لتقرير التنمية البشرية في العالم العربي ومدير مركز المشكاة للدراسات على أن مصرَ تحتاج إلى نظام يُعبِّر عن الشعب ومصالحه، ويلبي همومه، وساعتها فقط ستجد مصر مَن يتجه إلى إدارة الأزمة بالعلم وسبل المواجهة الصحيحة، موضحًا أن استمرار النظام الحاكم في مكانه دون تدوال سلمي للحكم يعني استمرار نفس المأزق دون حل، لاستمرار نفس الأساليب الحاكمة.
تعامل بالقطعة!!
ويوضح الباحث السياسي د. أكرم حبيب أن مشكلة مصر مستعصية لغياب المنهج العلمي في حل مشكلة الإدارة خاصةً إدارة الأزمات، بالإضافةِ إلى الفساد الإداري الذي وصل إلى حدٍّ كبير في جميع أنحاء البلد.
![]() |
|
د. أكرم حبيب |
ويؤكد أن معنى أن بلدًا تمتلك مرضَين بخطورة غياب المنهج العلمي والفساد الإداري أن البلد في خطر بسبب غياب الرؤية الإستراتيجية للبلد والتعامل بالقطعة مع كلِّ المشاكل.
ويؤكد أن هذين المرضين موجودان منذ 56 سنةً أي منذ شهر يوليو 1952م؛ حيث بدأت الأنظمة الحاكمة في البعد عن كل ما هو منهج علمي، وصار أهل الثقة أفضل تمامًا من أهل الخبرة، وانعدمت الإستراتيجيات، وأصبحنا نتحدث يوميًّا في جزيئات عقب حدوث مشكلة ما مع المفترض أن نتوقف جميعًا مع الكليات كي نحل مشاكلنا بصورةٍ منهجيةٍ وعلمية.
ويشدد على أن هناك ارتباطًا بين الديمقراطية والحرية في إبداء الرأي والمنهجية العلمية التي تقضي على أزماتنا ومشاكلنا، مشيرًا إلى أن أي جهودٍ للحل العلمي متوقفة طالما لم يتم إرساء قيم الديمقراطية والحرية كحلٍّ جذري.
ويضيف أنه إذا لم يكن هناك إدارة مجتمعية وحركة شعبية لانتزاع حريتها، فالمشاكل مستمرة ولن يحدث تغييرًا؛ لأن الدولة لا تريد التغيير، والبقاء مصلحة إستراتيجية لها، مشيرًا إلى أن هناك اختلافًا كبيرًا بين مبادرات فردية حسنة النية لمسئولين في الدولة ما زال بهم خير وخبرة وبين أي نظرة علمية شمولية تستطيع الحل.


