- المستهلكون: الحكومة تشارك أصحاب الشركات والتجار في ذبحنا

- التجار: الحكومة تُصدِّر الإسمنت للصهاينة لتحميهم من التلوث!

- أبو عوض: تحالف الشركات الأجنبية مع بعض الوكلاء الكبار

- كسبة: منع الممارسات الاحتكارية هو السبيل للخروج من الأزمة

- د. يوسف: جشع التجار ومشروعات الحكومة تقلل المعروض المحلي

 

تحقيق- خالد عفيفي:

من جديد تطل أزمة الإسمنت علينا برأسها بعد أن وصل سعر الطن في معظم أنحاء الجمهورية إلى أكثر من 800 جنيه وسط توقعات الخبراء بارتفاع هذا المبلغ إلى 1000 جنيه، بالرغم من تأكيدات الحكومة على لسان وزير الصناعة والتجارة رشيد محمد رشيد على سعيها لحل الأزمة.

 

يتزامن مع تلك الأزمة مشكلة أخرى وهي إضراب نحو ٥٨ ألف سيارة مقطورة، بما يعادل ٧٠٪ من أسطول النقل في مصر؛ احتجاجًا على قانون إلغاء المقطورات؛ مما يرشح أسعار الإسمنت للصعود بقوة خلال الفترة المقبلة إذا استمرت أزمة سيارات النقل دون حل.

 

وتتوجه أصابع الاتهام في تلك الأزمة أولاً إلى الحكومة التي لم تتمكَّن حتى الآن من إصدار قانون يلزم التجار بهامش ربح محدد أو يلزم المصانع بضخ كميات معينة تشبع حاجات السوق والرقابة على أسعاره المتداولة، وما أعلنه وزير التجارة والصناعة مؤخرًا من محاولةِ تقليل التصدير أو رفع رسم الصادر.

 

وأرجع بعض الخبراء تلك الأزمة إلى سياسة الخصخصة المتبعة من قِبل الحكومة وعدم وجود رقابة على مصانع الإسمنت أو على تجار الجملة والتجزئة.

 

ولكن الموضوع في رأي البعض الآخر يرجع إلى جشع التجار في زيادة هامش ربحهم بصورةٍ مبالغ فيها، الأمر الذي يرفع الأسعار ، إضافةً إلى اتهاماتٍ أخرى موجهة هذه المرة إلى الشركات والمصانع التي تقوم بتصدير الإسمنت بكمياتٍ كبيرة جدًّا ودون وسطاء ومن خلال شركات تابعة لها؛ مما يجعلها تحتكر تصدير الإسمنت وتخفيض الكميات المخصصة للسوق وزيادة الكميات المصدرة والمخصصة لشركات المقاولات؛ وذلك على حساب حصص الوكلاء والتجار.

 

وقد أكد مسئول بإحدى شركات الإسمنت أن وقفَ التصدير لن يُؤثِّر على أسعار بيع الإسمنت محليًّا، كما هو متوقع، مشيرًا إلى أن الاستهلاك المحلى في يناير الماضي ارتفع بنحو ٢٣٪ عن الاستهلاك في يناير ٢٠٠٨م، مؤكدًا أن ما تم بيعه خلال يناير يزيد بنحو ١٠٪ على الطاقة الإنتاجية لشركات الإسمنت، موضحًا أن جميع الشركات استهلكت من أرصدة المخزون لديها.

 

الحكومة

من جانبها قررت وزارة التجارة والصناعة إصدار قرار يحدد هامش ربح وكلاء وتجار الإسمنت، للسيطرة على أسعاره، ووقف الارتفاعات غير المبررة التي شهدتها السوق في الأيام الماضية، وأكدت أن مباحث التموين والأجهزة الرقابية بالوزارة لا تستطيع فرض الرقابة على تجار الإسمنت حاليًّا، كما يحدث في الحديد، لعدم وجود نص قانوني أو قرار وزاري يسمح بذلك، إلا أن إصدار القرار الجديد سيُعطي مباحث التموين حق مراقبة الأسعار لوقف ارتفاعها المستمر.

 

(إخوان أون لاين) فتح هذا الملف وتجوَّل مع أطراف القضية حول أسباب الأزمة وسبل الخروج منها.

 

نار الحكومة!

بدايةً لم تكن الأزمة أشد وطأةً على أحد مثلما كانت على المستهلكين، وخاصةً الشباب منهم؛ حيث يتهم عمر جمال (مهندس) الحكومةَ بأنها السبب وراء ذلك وتريد أن تسرق الأمل من الشباب في حياةٍ كريمة قائلاً: "أنا شاب في مقتبل العمر كيف أستطيع أن أشتري شقةً في ظل ارتفاع أسعار الإسمنت أو كيف أبني شقة؟!!".

 

وطالب عمر الحكومة أن تُسيطر على الموقف وتمارس سيادتها وتراقب الأسواق، مشددًا على أنه ليس من المعقول أن يرتفع الحديد ثم ينخفض ويرتفع مرةً أخرى، ثم يرتفع الإسمنت بصورةٍ عشوائيةٍ، متسائلاً: "أين الحكومة من كل ذلك؟".

 

وأكد حامد الجمال (موظف بالشهر العقاري) أن ما يحدث من ارتفاع أسعار الإسمنت سيجعله يرجأ النظر في بناء بيتٍ له ولأولاده، مشيرًا إلى أنه أرجأ هذا الأمر من قبل عندما ارتفعت أسعار الحديد والتي وصلت إلى حدٍّ لم يكن يطيقه.

 

وتساءل كيف يمكنه بناء بيت الآن، فبمجرد أن انخفض سعر الحديد وثبت سعره حتى ارتفع سعر الإسمنت، فما الذي سيرتفع بعد ذلك عندما ينخفض سعر الإسمنت؟!.

 

ويقول أسامة حسن (طالب): "تواجهنا محنة الإسمنت مثل سابقاتها في الحديد ونوبة الاحتكار الملتهبة لقصم ظهر المواطن التي بدأت بارتفاع سعره بالتدريج، وقال: إن النظامَ والمحتكرين ضيعوا حق المواطن بالقهر والظلم والفساد.

 

وأكد أسامة أن المواطن في أزمة تحتاج لإيقاف هذه التوجهات الموحشة التي تهدف لجعل السوق المصري في يد عصبه تتحد نحو إماتة المستهلك وانتحاره يقودها في هذا مسئولون يحتلون مناصب القمة في النظام.

 

رشاوى على الطريق

يبدو أن التجار لهم نفس الرأي في أسباب الأزمة؛ حيث حمَّلوا الحكومةَ المسئوليةَ الكاملة عن طريق عدم رقابتها على الأسعار في الشركات المنتجة، بل وصل الأمر إلى أبعد من ذلك حيث قالت الحاجة أم أحمد (تاجرة): "الحكومة بتصدر الإسمنت لليهود الذين لا ينتجون الإسمنت عشان ميحصلش عندهم تلوث ونغور احنا في ستين داهية وتستريح منا الحكومة".

 

وتضيف أم أحمد: "السويس والقومية وطرة وكل المصانع متباعة للأجانب يعملوا اللي عاوزينه والخصخصة دي هتودي البلد لطريق مظلم، وربنا يرحمنا".

 

وتقول: "إحنا التجار لا نريد أن نكسب أموالاً من الهواء، فنحن لا نرفع الأسعار إلا عندما ترفعها الشركات".

 

وبلهجة يملؤها التعجب والسخرية واليأس في آنٍ واحدٍ يقول أبو سيد أحد التجار: "محدش فاهم حاجة، مفيش ولا حبة إسمنت في السوق مع إن المصانع دايرة ومش عارفين إيه اللي بيحصل في البلد!!".

 

 الصورة غير متاحة

سائقو الشاحنات يحتجون على قرار وزير الداخلية

واستبعد أن يكون إضراب سائقي الشاحنات هو السبب في الأزمة؛ حيث أكدوا أن السائق لو احتاج زيادة في أسعار النقلة ستكون الزيادة من 20 إلى 30 جنيهًا في الطن، وهو ما لا يساوي شيئًا  في سعر الطن الذي وصل إلى 800 جنيه، مؤكدًا أن سائق الشاحنة يطلب أجورًا مبالغًا فيها؛ نظرًا "لأنه يدفع نصف تلك الأجرة رشاوى للحكومة وأمناء الشرطة الذين لا همَّ لهم سوى سرقة الأموال منهم وينتشرون في الشوارع بصورةٍ مخيفة".

 

عوامل متعددة

من جانبه اتهم عز الدين أبو عوض رئيس الجمعية المركزية لتجار الإسمنت الحكومةَ بأنها المتسببة في الأزمة لعدم قدرتها على وضع ضوابط على الشركات، وخاصةً المباعة للأجانب، وهي (العامرية) و(أسيوط) و(قنا للإسمنت)؛ الأمر الذي فاقم الأزمة في محافظات الصعيد.

 

وأشار أبو عوض إلى أن أسباب الأزمة تتلخص في نقص المعروض من الإسمنت وانخفاض حجم إنتاج بعض الشركات بنسبة 50%، بالإضافةِ إلى احتكار مجموعة من الوكلاء بالتعاون مع الشركات لعمليات توريد الإسمنت إلى جانب أزمة إضراب سائقي الشاحنات.

 

وأكد أن هناك بوادرَ لحل الأزمة، فقد وصل السعر إلى 600 جنيه في الصعيد، وهو آخذٌ في الانخفاض وفي محافظات القاهرة الكبرى والوجه البحري، وتوقَّع عز الدين أن تحل الأزمة قريبًا مع زيادة الكميات المعروضة وانخفاض الأسعار.

 

الاحتكار هو السر

 الصورة غير متاحة

محمد كسبة

من جانبه أكد النائب محمد كسبة عضو لجنة الإسكان أن أزمة الإسمنت ليست جديدة وإنما بدأت منذ بدء الدولة في سياسة الخصخصة وبيع الشركات المملوكة للدولة والتي تخدم الاقتصاد الوطني؛ مما جعل فئة محدودة تستحوذ عليها وتحتكر سلعة إستراتيجية مثل الإسمنت، بعيدًا عن سيطرة الحكومة.

 

وأشار كسبة إلى أن قانون الممارسات الاحتكارية بصورته الحالية التي تكتفي بغرامة ضئيلة لم يكن هو القانون المعد للتصديق عليه، قائلاً: "تشاورنا مع وزير الصناعة العام الماضي قبل إقرار القانون وأبلغناه رأينا في صيغته ووافق عليها بأن تشمل العقوبة الحبس بالإضافة إلى 10% غرامة من إجمالي الإنتاج في العام ووافق نواب الوطني قبل المستقلين، ولكن في جلسة التصويت ادعى رئيس مجلس الشعب أنه "غمى عليه"، وأعاد القانون للجنة الصناعة مرةً أخرى؛ حيث تمكن أتباع أحمد عز من إقرار القانون على صورته الحالية، والتي أنقذته من عقوبة كبيرة".

 

واستبعد أن يكون إضراب سائقي الشاحنات سببًا رئيسيًّا في ارتفاع أسعار الإسمنت؛ لأنها كانت مرتفعة قبل ذلك بمدة كبيرة، مشيرًا إلى أن الإضراب يمكن أن يكون قد أثر ولكن بصورة طفيفة.

 

وطالب كسبة الحكومة باتخاذ مجموعة من الإجراءات، والتي من شأنها حل الأزمة وأولها فتح باب الاستيراد تأسيًا بالحديد الذي استقرت أسعاره بعد خطوة مماثلة، ولكن مع عدم التساهل في المواصفات الفنية للإسمنت المستورد، بالإضافةِ إلى رفع رسم الصادر ووضع قيود على عمليات التصدير.

 

وشدد على أن الدولة هي الخاسر الأكبر من ارتفاع الأسعار؛ لأن مشروعاتها الاستثمارية ضخمة وتكلفتها عاليبة جدًّا، وزيادة أسعار مواد البناء تؤدي إلى ارتفاع أسعار الشقق السكنية وتكلفة مشروعات البنية التحتية والمرافق والخدمات.

 

وأكد كسبة أنه سيقوم بتقديم طلبات إحاطة وبيانات عاجلة، وسوف يُقدِّم خلالها الاقتراحات السابقة التي يمكن أن تستغلها الحكومة لحل الأزمة، مطالبًا الدولة بإنشاء مصنعين كبيرين للحديد والإسمنت على مستوى عال حتى تمنع من تحكُّم فئة قليلة في مفاصل الاقتصاد الوطني لمصر.

 

مسئولية مشتركة

يرى الدكتور محمد يوسف رئيس هيئة التمويل العقاري أن سبب أزمة الإسمنت يتمثل في أن تجار التجزئة يحصلون على ما لا يقل عن 120 جنيهًا كهامش ربح بحد أدنى على الطن الواحد؛ مما يزيد من أسعاره، بالإضافة إلى عمليات التصدير التي تقلل إلى حد ما من حجم المتاح من السلعة في الأسواق.

 

وأضاف د. يوسف أن السعر المعروض للإسمنت كسلعة إستراتيجية لا يتناسب مع التكلفة التى لا تزيد عن 130 جنيهًا للطن كحد أقصى، ولكن الذي يجعل الأسعار مبالغًا فيها هو التكلفة المستترة المتمثلة في تكلفة القروض بحيث أن معظم الشركات تقترض من البنوك فتعمل على سداد فوائد القروض وتحملها على السعر النهائي للسلعة.

 

كما أشار د. يوسف إلى أن المشروعات الاستثمارية الضخمة للحكومة هي التي تؤدي إلى ارتفاع الطلب على السلعة، مؤكدًا أنه لو لم يتم التوصل إلى سعر مناسب لن يكون هناك حل سوى منع التصدير لزيادة كمية المعروض من السلعة في الأسواق المحلية، في إشارةٍ واضحةٍ إلى القرار المتوقع من وزير التجارة والصناعة بمنع التصدير أو بوضع قانون يفرض الرقابة على أسعار الإسمنت.

 

غلطة الحكومة

 الصورة غير متاحة

أسعار الإسمنت شهدت ارتفاعًا كبيرًا في الأسواق المصرية

ويرى الدكتور محمود عبد الحي أستاذ الاقتصاد بالمعهد القومي للتخطيط أن الحكومةَ ارتكبت أكبر غلطة عندما قررت بيع الشركات للقطاع الخاص، وخاصةً للأجانب، مشددًا على ضرورة أن تتخذ الحكومة إجراءات حاسمة وجريئة لإنهاء الأزمة باعتبارها المسئول الأول عن نشوبها.

 

وأكد أن ارتفاع أسعار الإسمنت يعني ارتفاع أسعار المساكن والمساهمة في إطلاق التضخم وزيادة المضاربات والتحايل من مواطنين لمحاولة زيادة دخولهم بطرقٍ غير مشروعة.

 

وأشار د. عبد الحي إلى العديد من الإجراءات التي تستطيع الحكومة اتخاذها مثل عمل شرائح ضريبية متصاعدة على أساس هامش الربح الذي يحققه المنتج ودعم بناء مساكن شعبية ومتوسطة لمحدودي الدخل من حصيلة تلك الضرائب.

 

وأوضح أن الحكومة يمكنها أن تبني المزيدَ من مصانع الإسمنت لزيادة كمية المعروض من السلعة في السوق المحلي، بالإضافةِ إلى ضرورة تحديد هامش ربح معين للشركات المنتجة ومعاقبتها إذا تعدَّت هذا الهامش، مؤكدًا أن قرار وقف التصدير لن يكون فعَّالاً لأن المنتج سيخفض الإنتاج في حال أوقفت الحكومة التصدير أو قللته.

 

وطالب بالاستفادة القصوى من تلك الصناعة الملوثة التي يجب أن يدفع رجال الأعمال والمستثمرون ثمنها.