تبدأ كل المقالات في ذلك الوقت العصيب بكلمات الأسى والنعي على حال الأمة، ولكن المجاهد إن فقد الأمل فقد سلاحه ووقود معركته، ومن ثم أحببتُ أن أشارك المسلمين أجمعين تلك المظاهر التي تؤذن بشروق فجر الأمة من جديد.
في الأيام الأولى لتلك المظاهرات اجتمعت عند النقابات أشكالٌ من التعاون والتعاضد مع أهل غزة تشرح الصدر، وتُرينا شيئًا عظيمًا من ثمرات عمل دعوي انتخب من تلك البلاد دُرَرَها وخيرها من كل الأعمار والمحافظات ومن كل فج عميق؛ جاءوا بلا تباطؤ ولا تقصير؛ آلاف تدمع قلوبهم قبل عيونهم، وترى فيهم العزم على المناصرة والنصر، ووالله.. لا تنهزم تلك الأمة من عدوها إلا إذا انهزمت من داخلها ومن نفوسها، ولا تنتصر إلا إذا رأينا في عيونهم ما رأيناه يومها من العزم الأكيد على الانتصار.
كان الناس ما بين ناظرٍ إلى المتحدثين وناظرٍ إلى الأمن، أما أنا فكنت مع الذين ينظرون إلى وجوه الناس؛ فِمن منطلقٍ بصوته مع الهتاف، ومِن باكٍ لقلة الحيلة، ومِن حاملٍ لافتةً رديئةَ الصنع عظيمة المحتوى؛ يبرأ بها، ومِن صاحب سن يمسك بعلمٍ صغيرٍ لا يليق بسنه، ولكنه يُزيِّن تواضعه وتجرده بألف تاج.
وبعد ذلك بيوم ذهبت أصلي العشاء في طريقي إلى منزلي بأحد المساجد الصغيرة، وإذا بإمام المسجد بعد الصلاة يؤكد للناس فداحة أن نشارك غيرنا في "الكريسماس"، وفي غزة القتل والتشريد، وبكلماته العذبة وهيئته المهيبة أيقظ في العوام الرقة نحو غزة وأهلها، ثم دعا وكان من القلوب التأمين، وبعد الصلاة تجمَّع عليه الناس عليه فقلت هذه ولادة متعثرة كنا نرجوها منذ أمد.
وبعد ذلك بيوم ذهبت إلى الحلاق إذ شَعِثَت رأسي، وهناك شاهد معي قناة (الجزيرة)، وتبادل معي الحوار حول تخاذل حكامنا، وما هو دور الفرد منا، وكلما دخل "زبون جديد" أسى على الوضع وقال "أما زالوا"، قلت لواحد ممن يضربون شعرهم "بالجيل": "إنهم سيظلون هكذا طالما نحن بهذا الضعف"، وقد اعتدنا ممن يستلهمون العذر منهم قولهم: "هما اللي باعوا أرضهم"، "هما اللي متفرقين وبيضربوا في بعض"، "وهما.. وهما، "أهم حاجة لا يوجد إحنا".
هذه المرة لم أجد منه سوى النظر بأسى وتأكيد القول أن الأمر "إحنا" وليس "هما".
وفي يوم الجمعة- وما أدراك ما يوم الجمعة؟!- ذهبنا إلى مسجد الفتح برمسيس، فإذا بنا نعلم بإغلاق المسجد واعتقال من يقترب، فنزلنا من المترو المحطة التالية، فما كان منا إلا أن نجد سيارات تشحن كل من يقترب من شارع رمسيس، فدرنا من نجيب الريحاني في طريق دائري، واجتمع الناس منا في الزوايا ليصلوا الجمعة.
وفي الزاوية التي صلينا بها خطب فينا شيخ بسيط؛ مقصد الخطبة كان الاستعداد للقبر بالتوبة، ومبنى الخطبة لم يسلم من اللحن اللغوي وضعف الأحاديث، ولكن العجيب في الأمر هو أن هذا الشيخ ربط بين ذنوبنا وما يحدث من إخواننا في غزة، وكيف أننا كبلتنا الذنوب عن نصرتهم حتى عدنا إلى ذلك الخور والضعف، فتعجبت: أنَّى لهذا بذلك المزج من طرفٍ خفي ومن تأثيرٍ عجيب رغم بساطته؟!، ثم صلَّى بنا وأبكانا، والعجيب أنه صلَّى صلاة الغائب على شهداء فلسطين وغزة، في جمع من التجار، وما أدراك ما التجار.
ثم ارتجل أحدنا الهتاف، وتجمعنا عليه، وفجأةً خرج الشباب من كل فتحة ومسجد ممن جاءوا للتظاهر، وتجمعوا واتجهوا إلى شارع الجمهورية من الخلف في الاتجاه إلى مسجد الفتح، ولكن الفتح تعثَّر علينا بقوات الأمن وجحافله التي سدت الطريق، ولكن ما راعني هو أن الناس في الشرفات كانت تهتف معنا أو تلتقط لنا بالمحمول الصور والفيديو، ويخافون أن يجتاحنا الأمن كخوف المتظاهر أو أكثر، واختلط في قلوبهم شعور المؤمن والأب والصديق والمصري الأصيل.
ولما بدأ الضرب الذي يجس النبض ما كان من الشباب إلا الثبات ورد المحاولة الالتفاف حولهم، واستمر الزئير.
ولكن لما جاء الاجتياح ودهستنا قواتهم بالعصي والهُرَّاوات والاعتقالات رأيت في طريقي من يأوي إلى أهل "دكان فيُؤوُوه، ومن يرد الناس عن شارع مغلق حتى لا يحاصَروا فيه، ولما رجعت إلى بيتي أخبرتني زوجتي أنها سمعت شيخًا يخطب الجمعة قرب المنزل يبكي حين دعائه لأهل غزة حتى خنقته العبرة مرات ومرات.
وعندما ذهبت إلى العصر تكلمت في المسجد، وقد عهدت من رجل كان يعمل في الضرائب أن يقوم في نصف كلمتي، وخاصةً إذا مسَّت أي شيء سوى ما فوق السماء وما تحت الأرض، ولكني وجدته اليوم يصغي ويستمع إلى نهاية الكلمة، حتى انتهت كلمتي ودعوت وهو وهم يؤمِّنون.
لقد كنت أظن أننا فقط الذين نبكي من أجل غزة والمسلمين، ولكن الشعب يبكي معنا من كل أطيافه، وهذه والله أمارات النصر القادم من عند الله.. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (الأنفال: 29).