- الدولة تخسر 20 مليونًا يوميًّا والمواطن يدفع رُبعَ راتبه
- الخبراء: 80% من المشكلة تتحمَّلها سياسات الحكومة
- النواب: قدَّمنا خطةً لمواجهة مافيا النقل ولكن دون جدوى
- المواطنون: نذوق المر من أجل الوصول إلى لقمة العيش
تحقيق- حسن محمود:
زادت الحركات الاحتجاجية على مدى الأيام الماضية بين قائدي وسائل النقل بمختلف أنواعها، سواء سائقو القطارات ومعاونوهم؛ للمطالبة بزيادة المرتبات والحوافز، أو سائقو الميكروباصات لطلب زيادة الأجرة أو للاحتجاج على الغرامات المرورية "المضروبة"، فضلاً عن جباية أمناء الشرطة التي باتت فرضًا عليهم؛ يدفعونها كل يوم، بالإضافة إلى استخدامهم في المأموريات الأمنية الخاصة بهم دون مقابل.
أصحاب المركبات الخاصة لم يسلموا هم أيضًا من قانون المرور الجديد، فباتوا تحت ضغط مالي كبير بعد ازدياد الغرامات عليهم، لا سيما مع بيروقراطية شرطة المرور في تعاملات التجديد وخلافه؛ ما دفعهم إلى الاستغناء عن سياراتهم في معظم الوقت واستخدام وسائل النقل العامة.
يحدث كل ذلك بينما الحكومة في وادٍ آخر؛ ترفض التعامل مع الأزمة بطريقة صحيحة؛ ما أسفر عن صورة مأساوية يتصدَّرها المواطنون الذين يتسوَّلون وسيلة مواصلات للوصول إلى أعمالهم في الصباح أو إلى منازلهم في المساء، ويرضون بأية أجرة ولو كبيرة من أجل إنهاء مصالحهم وللحفاظ على مواعيدهم.
محاولات الإضراب عن العمل انتشرت مؤخرًا في محافظات القاهرة الكبرى بين سائقي الميكروباص احتجاجًا على تسجيل غرامات فورية على عددٍ منهم؛ تراوحت قيمتها بين 700 و1200 جنيه حال وقوفهم لتنزيل الركاب؛ بدعوى الوقوف في مواقف عشوائية، والقبض على 288 سائقًا لم يتمكَّنوا من سداد الغرامات وسحب رخص القيادة وحبسهم.
كما واجهت قوات الأمن الإضرابات بالقبض على العشرات من السائقين بتهمة التجمهر، بينما المواطنون فشلوا في الوصول إلى حل ووقفوا في حالة يُرثَى لها.
جدَّدت الإضرابات ما شهدته العديد من المدن المصرية قبل أشهر من اضطراب حركة النقل الجماعي؛ بسبب إضراب المئات من سائقي سيارات الأجرة؛ احتجاجًا على قرار الحكومة رفعَ سعر وقود السولار الذي تعمل به أغلب سيارات الأجرة في مصر وللمطالبة برفع تعريفة الركوب كشرطٍ للعودة إلى العمل.
وكذلك وما حدث من فوضى وارتباك شديدين في شوارع القاهرة وعددٍ من المحافظات عقب تطبيق قانون المرور الجديد الذي دفع بعددٍ كبيرٍ من السائقين إلى الإضراب عن العمل خشية الغرامات المُغلَّظة في قانون المرور الجديد، واضطر آلاف المسافرين إلى القبول بالزيادات في تعريفات الركوب التي رفعها معظم السائقين من تلقاء أنفسهم دون انتظار صدور التعريفات الجديدة من المحافظات وإقراراها من المجالس المحلية، كما ينص القانون.
ويجد المواطنون في مواقف المحافظات مثالاً بارزًا لطحن المواطن وابتززه وسط غياب المتابعة الأمنية، واشتد الأمر صعوبةً مع إضراب بعض السائقين مؤخرًا أيضًا للمطالبة بحقوقهم المشروعة.
وبالطبع فإن الأزمة ليست جديدةً، ولكن استمرارها يدفع إلى التساؤل من جديد عن آليات عملية لإنقاذ المواطن المصري المطحون، سواء الراكب أو السائق، وتطرح الأسئلة نفسها بقوة: هل أزمة المواصلات في مصر قضاءٌ وقدرٌ؟! وهل بات حلها من رابع المستحيلات؟! وكيف نواجه مثل هذا التجميد والواقع اليومي لطحن المواطن المصري؟!
دواء مر
معاناة بسبب أزمة المواصلات!!

محمد سليمان.. مثل آلاف المواطنين، يرى أن رحلته إلى العمل ذهابًا وإيابًا أشبه بدواءٍ مرٍّ يتجرعه كل يوم رغمًا عنه، ويصفها بأنه شرٌّ لا بد منه؛ فلا ينفع أن يتوقف عن العمل، "طب حنعيش إزاي؟!"، هكذا علَّق، مؤكدًا أنه لا يعتبرها قضاءً وقدرًا بقدر ما يعتقد أنه واجب يومي مُرٌّ من أجل لقمة "العيش".
ويقول إن كوبري أكتوبر يسبِّب له أزماتٍ كثيرةً في عمله بسبب تعطُّل المرور عليه، ويتذكَّر أن من أسوأ المواقف التي تعرَّض لها عندما أغلقت "تشريفة" كوبري أكتوبر ساعة تقريبًا، فلم يستطع الوفاء بمواعيده ولا إنجاز عمله.
حسن الحنش مهندس يعمل في إحدى شركات الحاسب الآلي، وتوفر له الشركة أتوبيسًا في الذهاب والإياب، ولكن أيضًا له تجارب مؤلمة مع المواصلات؛ يقول: "أنا لا أركب مواصلات كتير، ولكن لي تجربة مؤلمة لا أنساها أحسست بها بمعاناة الناس في الشوارع التي أنظر إليها من شباك الأتوبيس في الذهاب أو الإياب، خاصةً في ساعات الذروة"؛ وذلك عندما أُجبر مؤخرًا على أن يسير من ميدان "باب اللوق" إلى ميدان رمسيس، ولم يستطع ركوب أية مواصلات؛ لأن الطريق "كله كان واقفًا".
إضرار بالغ
رجب عبد الوهاب من أحد أقاليم مصر جاء إلى القاهرة ليكمل دراساته العليا بدار العلوم؛ يطرح نموذجًا لمعاناة أخرى مع المواصلات فيقول: "أعاني كل يوم من الموصلات، سواء كانت داخل القاهرة أو خارجها؛ ففي داخل القاهرة- بالإضافة إلى ازدحام الشوارع- نجد أن أغلب السائقين يستغلون الازدحام الشديد وكثرة الركاب في "تقطيع" المسافة التي يجب أن يقطعها؛ مما يجعله يأخذ أجرة كاملة على نصف هذه المسافة، وفي الوقت نفسه يضطر معه المواطن إلى دفع أضعاف ما يجب أن يدفع، وتضييع وقت أكثر مما يجب أن يأخذه مشواره، وهو ما يؤدي إلى أضرار اقتصادية بالغة بالأسر المصرية".
ويضيف: "أما خارج القاهرة فنجد عدم إحكام الرقابة على المواقف؛ مما يتيح للسائقين استغلال الركاب؛ فقد تجد بعضهم ليس معه رخصة، ومن ثم لا يدخل المواقف الرسمية، وكل هذا يؤدي إلى أضرار بالغة؛ فهو يؤدي إلى ازدحام الشوارع من جهة، ويسهم في إبراز المظهر غير الحضاري للشوارع المصرية من جهةٍ أخرى، بالإضافة إلى استغلال الركاب وجعلهم يدفعون أجرةً فوق المتعارف عليها في ظل غياب الرقابة.
الهمّ واحد
المحمدي عبد المقصود

الأمر لا يخص المواطنين فقط؛ فالنائب المحمدي عبد المقصود عضو لجنة الإدارة المحلية بمجلس الشعب يوضح أنه كثيرًا ما يذهب إلى المجلس من حلوان إلى وسط البلد عن طريق الميكروباص، فيشاهد ازدحامًا شديدًا على الركوب، ويفشل أحيانًا في استقلال الميكروباص إلا بعد عدة محاولات.
ويوضح أن المشكلة تتحمَّلها وزارة النقل والإدارة المحلية في المحافظات والقاهرة الكبرى على وجه التحديد، ويدفع الأزمة إلى التفاقم، مشيرًا إلى أن الفكرة مستمرة بسبب فشل الحكومة في تنظيم العمل بين هيئاتها المختلفة، ويقول: "وهذا يسبِّب مشاداتٍ كثيرًا ما أسمعها وأتدخل لفضِّها حول الأجرة بسبب عدم وجود تعريفة محددة".
ويلفت الانتباه إلى أنه رغم أن هناك دعمًا لشركات النقل الحكومية إلا أنها تخسر بسبب سوء الإدارة الموجودة وبسبب سدادها المديونية التي تتراكم عليها، وبالتالي فالخدمة وتطويرها "محلك سر"، مع عدم شراء قطاع غيار جديدة وتطوير الهياكل المالية للعاملين فيها.
ويحذِّر من السكوت الحكومي عما وصفه بمافيا "السرفيس"، مؤكدًا أنها شكَّلت مافيا حقيقة خطيرة لا تخضع لأية مساءلة بسبب الفساد المنتشر في إدارتها، وكل ما يحدث معها إطار شكلي من تحصيل رسوم وإدارة تراخيص يتصارع عليها المحافظون؛ لأنها تدر دخلاً على محافظاتهم.
ويوضح أن لجنة الإدارة المحلية أصدرت 16 توصية لعلاج أزمة المواصلات في مصر وتخفيف الآلام المواطنين، ولكنها لم تَرَ النور بسبب بيروقراطية الحكومة، مشيرًا إلى أن المواطن سيظل مطحونًا طالما بقي الجمود هو سيد الموقف في مصر، وطالما لم يحدث تغيير يصب في صالح الحاجات الأساسية للمواطن.
سرطان مُسْتَشْرٍ
اللواء عبد المنعم جابر ضابط مرور سابق ومستشار وزير النقل، قضى 40 سنة من حياته بين السائقين ومعاناة المواطنين؛ يقول: "أنا منذ 40 سنة بين الناس؛ أشاهد معاناتهم على أرض الواقع"، ويرى أن الأزمة ستستمر بسبب السياسات الحكومية السيئة.
له ابنة وأحفاد في محافظة 6 أكتوبر؛ يضطرون أحيانًا إلى ركوب ميكروباصات لزيارته في حي مصر الجديدة، فيحكون له الصعوبات التي يشاهدونها في الطريق وقسوة السائقين.
ويؤكد أن المواصلات في مصر باتت كمرض السرطان، وتحتاج قرارات غير تقليدية، وشجاعةً لبتر التشوُّه الموجود، وقال إنه من المعروف عالميًّا أن المدن الكبرى تعطي أولوياتٍ النقلَ الجماعيَّ، سواء فوق الأرض أو تحتها، والتي تسير بانتظام وسرعة وأمن، وتَحُد من السيارات الخاصة.
ويشير إلى أن مصر تخالف هذا العرف تمامًا، حتى إن الميادين الكبرى في القاهرة مع كل صباح؛ يوجد في الميدان الواحد أكثر من 100 سيارة خاصة؛ يجلس في كل سيارة فرد واحد، رغم أن تفكيك هذا التضخم سيحل الأزمة.
وطالب الحكومة بتغيير سياساتها والعمل على استخدام الطرق العلمية في مواجهة الأزمة ورفع المعاناة عن كاهل المواطن، مشيرًا إلى أن استمرار الوضع يعني شيئًا واحدًا: أننا "نخنق أنفسنا بأنفسنا"، على حد تعبيره.
فشل حكومي
وعلى المستوى الأكاديمي يرى د. سعد الدين عشماوي أستاذ تنظيم النقل أن المشكلة لا ترجع إلى قصور الإمكانات؛ فالحكومة ليس لديها تصور عن الاستخدام الرشيد للإمكانات المتاحة في هيئة النقل وأولوياتها في تطوير المنظومة، ولكن كلها تذهب من فشلٍ إلى فشلٍ؛ بسبب اعتمادها على حلول وقتية تعقِّد المشكلة.
ويشدد على أن 80% من السياسات الحكومية الخاطئة هي سبب المشكلة الحاليَّة للمواطن مع المواصلات في مصر، مشيرًا إلى أن الحل الإستراتيجي لمشكلة النقل والمرور في مصر يكمن في الاستغلال الأمثل للإمكانات المتاحة.
تكلفة باهظة
![]() |
|
جهاد صبحي |
ويوضح أنه إذا قمنا بعملية حسابية بسيطة يمكن أن نقول إن الدولة تخسر يوميًّا ما يفوق 20 مليون جنيه نتيجة عدم حضور الموظفين في أوقاتهم ونتيجة زيادة استهلاك السيارات والبنزين، كما يتكبَّد المواطن من 25% إلى 35% من راتبه لإنفاقه على المواصلات من سكنه إلى عمله، حتى إنه يضطر إلى انتظار وسيلة المواصلات لعدم امتلاكه تكلفة أخرى لمواصلات أخرى غير أتوبيس النقل العام، فضلاً عن ابتزاز السائقين إياه نتيجة غياب الرقابة الحكومية على السائقين.
