قديمًا قال الشاعر العربي:

ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم *** بهنّ فلول من قراع الكتائب

وقد صنف البلاغيون هذا البيت تحت باب "تأكيد المدح بما يشبه الذم"، وفي التراث المصري الشعبي يعبرون عن مثل هذا الموقف بقولهم: "ملقاش في الورد عيب فقال له يا أحمر الخدين".

 

قفز إلى ذهني هذا الباب من أبواب البلاغة وأنا أقرأ مقال أ. سليم عزوز بتاريخ 1/2/2009 الذي عنونه بـ"أمن الإخوان المركزي"، تحدث فيه عما يراه عيوبًا في الإخوان أثناء مظاهرات دعم غزة، تتمثل في شدة نظامهم والتزامهم بأوامر مسئول المسيرة.

 

والحقيقة أنني ممن يعجبون بكتابة عزوز؛ لرشاقة قلمه، وخفة ظله، وجدية القضايا التي يتناولها، لكن في مقاله الأخير وجدت قلمًا وظلاًّ واهتمامًا يختلف تمامًا عما نعرفه عن عزوز؛ فلجأ إلى استخدام ألفاظ وعبارات لا تليق بمثقف ينقد جماعة كالإخوان، وجاءت فكرته قلقة ومتناقضة في كثير منها؛ فمرة يحاول تصوير الإخوان على أنهم قلة وفي موضع آخر يقول "ألهكم التكاثر يا معشر الإخوان؟!".

 

المهم أن أكثر ما أعجبني في المقال وشد انتباهي هو تعليقات القراء عليه؛ حيث أثبتت مدى وعي القارئ ويقظة الوعي العام بحيث لم ينخدع ببعض الكلمات والعبارات البراقة في ظاهرها لكنها خاوية المضمون والمحتوى. وأكاد أجزم أنني لم أجد إجماعًا من القراء على نقد موضوع كما وجدته في هذا الموضوع؛ حتى إنني أشفقت على الكاتب وتخيلته بعد قراءة هذه التعليقات وقد انقلب سحره عليه، وبالغ في مدح الإخوان من حيث أراد ذمهم والقدح فيهم، وفي الوقت نفسه أساء لأقربائه من اليساريين ونفَّر منهم من حيث أراد استعطاف الرأي العام معهم واستجلاب الدعم المعنوي لهم.

 

الكثير من هذه التعليقات جاءت واعية ناقدة ثاقبة عاقلة، والقلة اتهمت الكاتب بسوء النية أو وجود عداوات شخصية مع الإخوان أو أنه نقد من أجل النقد، وأنا وإن كنت أجد لهم عذرًا في ذلك لكني ضد الحكم على النيات فلنترك النيات لمن يطلع على السرائر سبحانه وتعالى ويحاسب عليها وحده.

 

وسأحاول فيما يلي سرد بعض الملاحظات على المقال العزوزي ملخصًا في معظمها تعليقات السادة القراء:

1- يعيب عزوز على الإخوان شدة انضباطهم بتعليمات قائد المسيرة ويراهم في ذلك مثل القطيع (وكلنا يعرف للأسف علام يطلق لفظ القطيع)، والحقيقة التي ذهب إليها معظم القراء أن هذه ميزة يتميز بها الإخوان عن غيرهم من التنظيمات والهيئات الأخرى. فالانضباط في موقف تلتهب فيه المشاعر وتتداخل فيه الانتماءات والتيارات ضرورة لا بد منها.

 

2- يقول الكاتب "راعني أن هناك من يقود الجمع، وعلى طريقة قائد الفرقة الموسيقية، يهتف أحد فيشير الفتى بما معناه اهتفوا خلفه، فيكون الرد كالرعد، ويشير بتركه، فيكون الهاتف كمن يهتف في صحراء نجد، أو يؤذن في مالطا"، وهنا أقول له: هذا القائد الذي يأتمر به المتظاهرون من الإخوان لم ينزل عليهم من السماء ليقودهم ولكنه ربما يكون مكلفًا بذلك من أحد المكاتب الإدارية للإخوان وهذه المكاتب جاءت عن طريق انتخابات حرة داخل الإخوان، إذن فهذا المسئول يمثل كافة الإخوان المتظاهرين لأنه نتيجة اختيارهم وإن كان ذلك بصورة غير مباشرة هنا؛ فلا ضير أن يتحركوا وفق تعليماته تحقيقًا للنظام والانضباط العام.

 

3- بالنسبة للهتافات وتعاطي جموع المتظاهرين مع هتاف المسئول عن المسيرة وعدم تعاطيهم مع غيره أيضًا هذه ميزة هامة جدًّا في هذا السياق؛ فالمعروف أن هناك لجنة أو جهة معينة منظمة لهذا العمل وهي المسئولة عنه ولذلك فلا بد من تنسيق أي نشاط عام معها خلال هذا العمل؛ حتى لا تحدث فوضى أو تحدث بعض الأعمال المخلة قانونًا وعرفًا، وحتى لا يورط أحد القائمين على العمل بما يضعهم تحت طائلة القانون "المتربص"، والجميع يعرف من الذي يدفع الفاتورة في النهاية!!!.

 

4- استكمالاً للنقطة السابقة فإن العوار الذي ظهر عندما حاول بعض اليساريين والناصريين الهتاف ولم يجدوا من يؤيدهم لا يؤاخذ عليه الإخوان بل يؤاخذ عليه هؤلاء المنشقون عن هذا العمل المشترك دون تنسيق مع القائمين عليه، ودون ضمان وجود مؤيدين يغطون ظهورهم.

 

5- تحدث الكاتب عن حادثة سحب جنود الأمن المركزي لبعض اليساريين وأن مسئول الإخوان تركهم ولم يتدخل لمنعهم، وهذا الكلام يدل على أن اليساريين مضطهدون ومعتقلون وأن الإخوان منعمون بالحرية والحركة، وأريد من الكاتب العزيز أن يذكر بعض أسماء هؤلاء اليساريين المعتقلين مقابل مئات الإخوان "المرفهين" بنعيم أمن الدولة.

 

6- يتحدث الكاتب وكأن على أفراد الإخوان شارات تميزهم يعرفهم بها المسئول أو أنه سهر الليل ليحفظ صور المتظاهرين من الإخوان حتى يستطيع تمييزهم عن غير الإخوان فيدافع عن هؤلاء ويترك هؤلاء!!!.

 

7- بالنسبة لحديث الكاتب عن حجم الإخوان، حاول اللف والدوران ليصل إلى أن الإخوان ليسوا بالحجم الذي يصورونه وأنهم أقل من ذلك كثيرًا، وحاول الالتفاف على ذلك بأن معظم الموجودين متعاطفون معهم وليسوا منتمين لهم (!!) وربما ينتبه الإخوان لذلك فيما بعد فيستحدثون مستوى تنظيميًّا لديهم يطلقون عليه "المتعاطفون". ولا أدري على أي أساس فرق الكاتب بين المنتمين والمتعاطفين؟!! ولماذا لم يوجد منتمون أو متعاطفون مع غيرهم من التيارات والأحزاب الأخرى التي تُفتح أمامها الأبواب المؤصدة في وجه الإخوان؟!!.

 

8- إذا اعتبرنا أن معظم من كانوا موجودين هم متعاطفون مع الإخوان فهذه نقطة تحسب لهم وليس عليهم؛ فهذا يعني انفتاح الإخوان على الجميع ومقدرتهم على تفعيل غيرهم لنصرة قضايا الأمة، وهذا دور محوري لجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني.

 

9- حول النقطة السابقة أيضًا يقول الكاتب نصًّا: "فكثيرا ما أعجبتهم كثرتهم، فيتم بعثرتها في غمضة عين؛ فالقطعان حتى مع كثرة عددها لا قيمة لها إذا دقت ساعة العمل الجاد، والذين درجوا على السمع والطاعة لم يصنعوا مجدًا، ولن يمثلوا عزوة للتفاخر". ورغم تحفظي على تدني أسلوب الكاتب بما يليق بمثله؛ فإنني أذكره بأن حماس التي خرج ليدافع عنها هي من رحم هذه "القطعان" كما يراهم!! وأي عمل جاد أفضل من الجهاد عن مقدسات الأمة والهبة لنصرة المجاهدين؟!! وأن السمع والطاعة هي أول عوامل نجاح أي تنظيم، وإلا سيكون فوضى كما هو حال كثير من مؤسساتنا الرسمية في الوطن العربي؛ فلا ضير في الطاعة ما دامت مسبوقة بالسمع.

 

10- أخيرًا يختم الكاتب مقاله قائلاً: "لقد كنت حريصًا على أن ينشر هذا المقال بعد أن ألقت الحرب أوزارها لذا وجب التنويه". وأذكره أيضًا بأن الحرب ما زالت مستعرةً بل تزداد ضراوتها من قبل الأنظمة السياسية التي تحاول أنت استصدار رخصة لحزبك الذي تقدمت به، كما أشار في التعليقات الكاتب المعروف قطب العربي.

 

وفي النهاية كنت أتمنى منك يا أستاذ عزوز أن توفر قلمك لغير هذا الموضوع وأن تحدد جيدًا الجهة التي تستحق هذا الأسلوب اللاذع من النقد والتجريح الذي فقد بوصلته فجاء شائهًا شائنًا معيبًا.