بعد أن هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكوَّنت لبنات المجتمع الإسلامي الأول من المهاجرين والأنصار، وكانت لهم خصائص وصفات حكاها القرآن الكريم في سورة الحشر، في سياق الحديث عن الفيء وتوزيعه، فقال تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7) لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (9) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10)﴾ (الحشر).

 

أولاً: خصائص المهاجرين

1- التضحية بترك الديار والتخلي عن الأموال.

2- غايتهم من هذه التضحية نيل مرضاة الله ورضوانه.

3- النصرة لدين الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

 

ويصف قتادة المهاجرين فيقول: هؤلاء المهاجرون تركوا الديار والأموال والأهلين والعشائر، وخرجوا حبًّا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، واختاروا الإسلام على ما كان فيه من شدة، حتى لقد ذُكر لنا أن الرجل كان يُعصَب الحجرُ على بطنه ليقيم به صلبه من الجوع، وإن كان الرجل ليتخذ الحفر في الشتاء ما له دثار غيرها" (1).

 

تأمل هذه الصورة، وتخيَّل خيرة الأصحاب وخيرة القرون، وقد عصب على بطنه الحجر، وآوى إلى حفرة في شتاء الصحراء الشديد البرودة.

 

تخيَّل البطن الخاوي والجسد العاري في العراء وفي ليل الشتاء الطويل، لتدرك من خلال هذه الصورة الحية حقيقة ما كانت تنطوي عليه هذه الأجسام من قلوبٍ غمرها الإيمان، فبعث فيها الدفء والشبع والري، ونفوسٍ ذاقت طعم الإيمان وبرد اليقين، فأنستها ألم الجوع وحر الظمأ، وأرواحٍ أضحت تحلِّق في آفاق السماء الرحبة، وتسبح في أجواز الفضاء الواسعة؛ تنعم بموعود الله في جنانه لأوليائه من فواكه لا مقطوعة ولا ممنوعة، ولحم طير مما يشتهون، في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

 

ثانيًا: نماذج لتضحية المهاجرين

ونحاول أن نضع بين يدي القارئ صورًا حية لتضحيات المهاجرين:

1- هجرة أبي سلمة رضي الله عنه:

عن سلمة بن عبد الله بن أبي سلمة عن جدته أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحل لي بعيره، ثم حملني عليه، وحمل معي ابني سلمة بن أبي سلمة في حجري، ثم خرج بي يقود بي بعيره، فلما رأته رجال بني المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، قاموا إليه، فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتك هذه؟! علام نتركك تسير بها في البلاد؟ قالت: فنزعوا خطام البعير من يده، فأخذوني منه.

 

قالت: وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد، رهط أبي سلمة، فقالوا: لا والله، لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا.

 

قالت: فتجاذبوا ابني سلمة بينهم حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسني بنو المغيرة عندهم، وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة.

 

قالت: ففُرِّق بيني وبين زوجي وبين ابني، قالت: فكنت أخرج كل غداة، فأجلس بالأبطح، فما أزال أبكي حتى أمسي، سنةً أو قريبًا منها، حتى مرَّ بي رجلٌ من بني عمي، أحد بني المغيرة، فرأى ما بي، فرحمني، فقال لبني المغيرة: ألا تُخرجون هذه المسكينة، فرَّقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها!.

 

قالت: فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت، قالت: ورد بنو عبد الأسد إليّ عند ذلك ابني، فارتحلت بعيري ثم أخذت ابني فوضعته في حجري، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة، وما معي أحد من خلق الله، أتبلغ بمن لقيت حتى أقدم على زوجي، حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة ابن أبي طلحة، أخا بني عبد الدار، فقال لي: إلى أين يا بنت أمية؟ فقلت أريد زوجي بالمدينة، قال: أوما معك أحد؟ فقلت: لا والله، إلا الله وبني هذا، قال: والله ما لك من مترك، فأخذ بخطام البعير، فانطلق معي يهوي بي، فوالله.. ما صحبت رجلاً من العرب قط أرى أنه كان أكرم منه؛ كان إذا بلغ المنزل أناخ بي، ثم استأخر عني، حتى إذا نزلت استأخر ببعيري، فحط عنه، ثم قيَّده في الشجرة، ثم تنحَّى عني إلى شجرة، فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرواح، قام إلى بعيري فقدمه فرحله، ثم استأخر عني، وقال: اركبي، فإذا ركبت واستويت على بعيري أتى فأخذ بخطامه فقاده، حتى ينزل بي، حتى أقدمني المدينة، فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء، قال: زوجك في هذه القرية- وكان أبو سلمة بها نازلاً- فأدخليها على بركة الله، ثم انصرف راجعًا إلى مكة.

 

قال: فكانت تقول: والله.. ما أعلم أهل بيت في الإسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة، وما رأيت قط أكرم من عثمان بن طلحة.

 

وكان عثمان يومئذٍ على كفره، وإنما أسلم في هدنة الحديبية، وهاجر قبل الفتح مع خالد بن الوليد.

 

وهجرة أبي سلمة رضي الله عنه هذه تكشف لنا عن إيمان صادق؛ حيث تنزع الزوجة والولد من يده، فيتركهما موكلاً أمرهما إلى الله عز وجل، ويمضي هو مهاجرًا إلى الله ورسوله؛ لأن الله ورسوله أحب إليه من زوجه وولده، ولو كان في الإيمان ضعف لآثر أن يبقى بجانب الزوجة وصحبة الولد على صحبة الرسول صلى الله عليه وسلم ونصرة دين الله.

 

ولو كان في إيمان الزوجة ضعف لارتدَّت على عقبيها حين ترى أن زوجها قد تركها وسط أهلها تعاني الآلام وحدها، ولكنها كانت على فقهٍ وفهمٍ لدينها جعلها تثبت عليه، وتعذر زوجها، ولا تيأس من رحمة الله بها، وتثق أنه سوف يكشف غمتها، ويجمع شملها مع زوجها وولدها بعد أن يخلصها من تسلط أهلها، وقد كان والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

 

2- هجرة صهيب الرومي رضي الله عنه:

عن أبي عثمان النهدي رضي الله عنه أنه قال: بلغني أن صهيبًا رضي الله عنه حين أراد الهجرة قال له كفار قريش: أتيتنا صعلوكًا حقيرًا، فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك، والله لا يكون ذلك؛ فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي؟ قالوا: نعم، قال: فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ربح صهيب.. ربح صهيب" (2).

 

وفي روايةٍ عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال: أقبل صهيب رضي الله عنه مهاجرًا نحو النبي صلى الله عليه وسلم، فأتبعه نفرٌ من قريش، فنزل عن راحلته، وانتثل ما في كنانته، ثم قال: يا معشر قريش.. قد علمتم أني من أرماكم رجلاً، وايم الله.. لا تصلون إليَّ حتى أرميَ بكل سهم في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي فيه شيء، ثم افعلوا ما شئتم، وإن شئتم دللتكم على مالي وقنيتي بمكة، وخليتم سبيلي، قالوا: نعم، فلما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ربح البيع.. ربح البيع"، ونزلت: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ﴾ (البقرة: من الآية 207) (3).

 

وفي روايةٍ أنه قال لهم: إن أعطيتكم أواقيَ من ذهب وتخلوا سبيلي، وتوفون لي، ففعلوا فتبعتهم إلى مكة، فقلت احفروا تحت أُسْكُفَّة الباب، فإن بها أواقي، واذهبوا إلى فلانة فخذوا الحلتين، وخرجت حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء قبل أن يتحول منها، فلما رآني قال: "يا أبا يحيى.. ربح البيع"، فقلت: يا رسول الله.. ما سبقني إليك أحد، وما أخبرك إلا جبرائيل عليه السلام (4).

 

وفي هجرة صهيب رضي الله عنه ترى التضحية بالمال في سبيل نصرة الإسلام، وأن ضياع المال وفقدانه في مثل ذلك ليست بخسارة، ولكنها ربح عظيم؛ ولذا نرى أن النبي صلى الله عليه وسلم بارك له صفقته وبشَّره بالربح، "ربح البيع أبا يحيى".

 

3- هجرة عبد الله بن جحش:

لقد احتمل عبد الله بن جحش رضي الله عنه أهله وأخيه عبد أبي أحمد، وكان رجلاً ضرير البصر، وكان يطوف مكة أعلاها وأسفلها بغير قائد، وكان شاعرًا، فغلقت دار بني جحش هجرةً، فمر بها عتبة بن ربيعة والعباس بن عبد المطلب، وأبو جهل بن هشام، وهم مصعدون إلى أعلى مكة، فنظر إليها عتبة تخفق أبوابها يبابًا ليس بها ساكن، فلما رآها كذلك تنفس الصعداء، وقال:

وكل دار وإن طالت سلامتها   يومًا ستدركها النّكباء والحُوبُ

ثم قال عتبة: أصبحت دار بني جحش خلاء من أهلها، فقال أبو جهل: وما تبكي عليه من فل بن فل (5).

ثم قال- يعني للعباس-: هذا من عمل ابن أخيك، هذا فرَّق جماعتنا، وشتَّت أمرنا، وقطع بيننا.

 

قال أبو أحمد في هجرتهم إلى المدينة:

ولما رأتني أم أحمد غاديا         بذمّةِ من أخشى بغيبٍ وأرهب

تقول فإما كنت لا بد فاعلاً  فيمّم (6) بنا البلدان وَلْنَنْأَ (7) يثرب

فقلت لها ما يثرب بمظَنّةٍ         وما يشأِ الرحمن فالعبد يركب

إلى الله وجهي والرسولِ ومن يُقِمْ              إلى الله يومًا وجهه لا يُخيّب

فكم قد تركنا من حميم مُناصحٍ (8)   وناصحةٍ تبكي بدمعٍ وتندب

ترى أن وِترًا نائيًا عن بلادن       ونحن نرى أن الرغائب نطلب

دعوتُ بني غُنْم لحقن دمائهم    وللحق لما لاح للناس مُلحِب (9)

أجابوا بحمد الله لما دعاهم     إلى الحق داعٍ والنجاحِ فأوعبوا

وكنا وأصحابًا لنا فارقوا الهدى       أعانوا علينا بالسلاح وأجلبوا

كفوجين إما منهما فمُوفَّق      على الحق مهدي وفوج معذب

طَغَوا وتمنَّوا كذبة وأزلّهم                 عن الحق إبليس فخابوا وخيبوا

ورعنا إلى قول النبي محمد       فطاب ولاة الحق منا وطيبوا

نَمِتّ بأرحام إليهم قرب              ولا قرب بالأرحام إذ لا تقرب

فأي ابن أخت بعدنا يأمنكم            وأية صهر بعد صهري يرقب

ستعلم يومًا أينا إذ تزايلوا (10)       وزيل أمر الناس للحق أصوب (11)

 

ولما خرج بنو جحش بن رئاب من دارهم عدا عليها أبو سفيان بن حرب، فباعها من عمرو بن علقمة، أخي بني عامر بن لؤي؛ فلما بلغ بني جحش ما صنع أبو سفيان بدارهم، ذكر ذلك عبد الله بن جحش لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله: "ألا ترضى يا عبد الله أن يعطيك الله بها دارًا خيرًا منها في الجنة؟!" قال: بلى، قال: "فذلك لك"، فلما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، كلمه أبو أحمد في دارهم، فأبطأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الناس لأبي أحمد: يا أبا أحمد.. إن رسول الله يكره أن ترجعوا في شيء من أموالكم أصيب منكم في الله عز وجل، فأمسك عن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لأبي سفيان:

أبلغ أبا سفيان عن              أمر عواقبه ندامة

دار ابن عمك بعتها        تقضي بها عنك الغرامة

وحليفكم بالله رب            الناس مجتهد القسامة

اذهب بها اذهب بها         طوقتها طوق الحمامة

 

وفي هجرة عبد الله رضي الله عنه وأهله نرى التضحية بالديار والأوطان نصرةً لله ورسوله.

ولم يكن بنو جحش وحدهم هم الذين أغلقت دورهم، ولكن ذكر ابن إسحاق آخرين فقال: ولم يوعب أهل هجرة من مكة بأهليهم وأموالهم إلى الله تبارك وتعالى، وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أهل دور مسمَّون بنو مظعون من بني جمح، وبنو جحش بن رئاب، حلفاء بني أمية، وبنو البكير من بني سعد بن ليث؛ فإن دورهم غلقت بمكة هجرة، ليس فيها ساكن (12).

 

يا له من دين لو أن له رجالاً تحلوا بصفات المهاجرين فأصبحوا لا يبخلون بمال، ولا يخلدون إلى الأرض والطين، ولا يركنون إلى زوجاتهم وأولادهم وعشائرهم، وإنما يجاهدون في سبيل نصرة الإسلام، وإعادة مجده، ونشر عدله، وتعميم رحمته على العالمين، ولا يخشون في سبيل ذلك أحدًا، ولا يخافون في الله لومة لائم!.

 

ثالثًا: خصائص الأنصار

1- حب المهاجرين.

2- طهارة صدروهم، ونقاء سريرتهم: وعدم الوجد على ما يقدم للمهاجرين من عطاء.

3- الإيثار: والإيثار هو تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنيوية، ورغبةً في الحظوظ الدينية؛ وذلك ينشأ عن قوة اليقين، وتوكيد المحبة، والصبر على المشقة (13).

4- مدح الرسول صلى الله عليه وسلم للأنصار:

عن أبي التياح قال: سمعت أنسًا يقول: "قالت الأنصار يوم فتح مكة- وأعطى قريشًا-: والله.. إن هذا هو العجب، إن سيوفنا تقطر من دماء قريش، وغنائمنا ترد عليهم، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فدعا الأنصار، قال: فقال: "ما الذي بلغني عنكم؟"- وكانوا لا يكذبون- فقالوا: هو الذي بلغك. قال: "أولا ترضون أن يرجع الناس بالغنائم إلى بيوتهم وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيوتكم؟! لو سَلَكَتِ الأنصارُ واديًا أو شعبًا لسلكت وادي الأنصار أو شِعبَتهم" (14).

 

وعن البراء قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، أو قال: قال النبي: "الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق؛ فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله" (15).

 

وعن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "آية الإيمان حب الأنصار، وآية المنافق بغض الأنصار" (16).

 

يقول أبو قيس بن صرمة بن أبي أنس يذكر ما أكرمهم الله به من الإسلام وما خصَّهم به من رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ثوى (17) في قريش بضع عشرة حجة       يذكر لو يلقى صديقًا مواتيًا

ويعرض في أهل المواسم نفسه           فلم ير مَن يؤوي ولم ير داعيًا

فلما أتانا واطمأنت به النوى           وأصبح مسرورًا بطيبة راضيًا

وألفى صديقًا واطمأنت به النوى               وكان له عونًا من الله باديًا

يقص لنا ما قال نوح لقومه                وما قال موسى إذ أجاب المناديا

فأصبح لا يخشى من الناس واحدًا        قريبًا ولا يخشى من الناس نائيًا

بذلنا له الأموال من جل مالنا     وأنفسنا عند الوغى (18) والتآسيا

نعادي الذي عادى من الناس كلهم       جميعًا ولو كان الحبيب المواسيا

ونعلم أن الله لا شيء غيره                    وأن كتاب الله أصبح هاديًا

أقول إذا صليت في كل بيعة                حنانيك لا تُظْهِر علينا الأعاديا

أقول إذا جاوزت أرضًا مخيفةً                تباركت اسم الله أنت المواليا

فطأ (19) مُعرِضًا أن الحتوف (20)     كثيرة وإنك لا تُبقي لنفسك باقيًا

فوالله ما يدري الفتى كيف سعيه        إذا هو لم يجعل له الله واقيًا

ولا تحفل النخل المعيمة ربها         إذا أصبحت ريًّا وأصبح ناويًا (21)

 

5 - نماذج من إيثار الأنصار:

وفي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ﴾ قال قتادة: هم هذا الحي من الأنصار؛ أسلموا في ديارهم، وابتنوا المساجد قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين، وأحسن الله عليهم الثناء في ذلك (22).

 

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "قالت الأنصار: يا رسول الله.. اقسم بيننا وبينهم النخل، قال: "لا"، قال: "يكفوننا المئونة ويشركوننا في الثمر"، قالوا: سمعنا وأطعنا" (23).

 

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله.. أصابني الجهد"، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا رجل يضيفه الليلة يرحمه الله؟!"، فقام رجل من الأنصار، فقال: أنا يا رسول الله، فذهب إلى أهله فقال لامرأته: ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تدخريه شيئًا، فقالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية، قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم، وتعالي فأطفئي السراج، ونطوي بطوننا الليلة، ففعلت، ثم غدا الرجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "لقد عجب الله عز وجل- أو ضحك- من فلان وفلانة"، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (24).

 

وعن أبي المتوكل الناجي أن رجلاً من المسلمين مكث صائمًا ثلاثة أيام؛ يمسي فلا يجد ما يفطر عليه، فيصبح صائمًا، حتى فطن له رجلٌ من الأنصار يقال له ثابت بن قيس، فقال لأهله: إني سأجيء الليلة بضيفٍ لي، فإذا وضعتم طعامكم، فليقم بعضكم إلى السراج كأنه يصلحه، فليطفئه، ثم اضربوا بأيديكم إلى الطعام كأنكم تأكلون، فلا تأكلوا حتى يشبع ضيفنا، فلما أمسى ذهب به، فوضعوا طعامهم، فقامت امرأته إلى السراج، كأنها تصلحه فأطفأته، ثم جعلوا يضربون أيديهم في الطعام، كأنهم يأكلون ولا يأكلون، حتى شبع ضيفهم، وإنما كان طعامهم ذلك خبزة هي قوتهم، فلما أصبح ثابت غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا ثابت.. لقد عجب الله البارحة منكم ومن ضيفكم"، فنزلت فيه هذه الآية: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (25).

 

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أُهدي لرجلٍ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس شاة فقال: إن أخي فلانًا وعياله أحوج إلى هذا منا، فبعث به إليهم، فلم يزل يبعث به واحدًا إلى آخر حتى تداولها سبعة أبيات حتى رجعت إلى الأول، فنزلت: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (26).

 

إن الإيثار منزلة عالية ومكانة سامية، ولعله لم يتحقَّق في جماعة كما تحقَّق في الأنصار رضوان الله عليهم وما دفعهم إلى ذلك إلا حبهم العميق لإخوانهم المهاجرين، هذا الحب الذي جعلهم يرقبون قدوم المهاجر، ويختصمون فيما بينهم، ولا يحسم النزاع إلا القرعة، وما نزل مهاجر على أنصاري إلا بقرعة، وكان يخيره بأن ينزل في أحب الأماكن من داره، ويخيره بأن يأخذ من ماله ما يشاء، ومع هذا الحب والإيثار كان المهاجر ذا عفة، حتى إنه ليقول للأنصاري: "بارك الله لك في مالك، ولكن دلني على السوق".

 

ومن طرائف ما يروى في درجة الإيثار ما يحكيه الإمام القرطبي: عن أبي الحسن الأنطاكي: أنه اجتمع عنده نيَّف وثلاثون رجلاً بقرية من قرى الري، ومعهم أرغفة معدودة، لا تُشبع جميعهم، فكسروا الرغفان، وأطفئوا السراج، وجلسوا للطعام، فلما رفع فإذا الطعام بحاله لم يأكل من أحدٍ شيئًا، إيثارًا لصاحبه على نفسه (27).

 

6- اتقاء الشح:

وقوله: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾.. عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رجلاً قال له إني أخاف أن أكون قد هلكت، قال: وما ذاك؟ قال إني سمعت الله يقول: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾، وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج مني شيء، فقال له ابن مسعود رضي الله عنه: "ليس ذاك بالشح، ولكنه البخل، ولا خير في البخل، وإن الشح الذي ذكره الله في القرآن، أن تأكل مال أخيك ظلمًا" (28).

 

وفي رواية عن ابن عمر رضي الله عنهما أن الشح أن تطمح عين الرجل إلى ما ليس له (29).

 

وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه كان يطوف بالبيت يقول: "اللهم قني شح نفسي" لا يزيد على ذلك، فقيل له فقال: "إذا وقيت شح نفسي لا أسرق ولا أزني ولم أفعل شيئًا" (30).

 

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح؛ فإن الشح أهلك مَن كان قبلكم؛ حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم" (31).

 

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والشح والبخل؛ فإنه دعا من قبلكم إلى أن يقطعوا أرحامهم فقطعوها، ودعاهم إلى أن يستحلوا محارمهم فاستحلوها، ودعاهم إلى أن يسفكوا دماءهم فسفكوها" (32).

 

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ثلاث من كُنَّ فيه فقد برئ من الشح: مَن أدى زكاة ماله، وقرى الضيف، وأعطى في النوائب" (33).

 

7- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا﴾: عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: الناس على ثلاثة منازل، قد مضت منزلتان، وبقيت منزلة، فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت، ثم قرأ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ الآية، ثم قال: هؤلاء المهاجرون، وهذه منزلة وقد مضت، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الآية، ثم قال: هؤلاء الأنصار، وهذه منزلة وقد مضت، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا﴾ الآية؛ فقد مضت هاتان المنزلتان وبقيت هذه المنزلة، فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا بهذه المنزلة (34).

 

8- المسلم لا يجرح السابقين:

وعن عائشة قالت: أُمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسبوهم ثم قرأت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية (35).

 

وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رجلاً وهو يتناول بعض المهاجرين، فقرأ عليه: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ الآية، ثم قال: هؤلاء المهاجرون، فمنهم أنت؟ قال: لا، ثم قرأ عليه: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ﴾ الآية ثم قال: هؤلاء الأنصار، أفأنت منهم؟ قال لا، ثم قرأ عليه: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية ثم قال: أفمن هؤلاء أنت؟ قال: أرجو، قال: لا ليس من هؤلاء من يسب هؤلاء (36).

 

ومن وجه آخر عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه بلغه أن رجلاً نال من عثمان، فدعاه فأقعده بين يديه، فقرأ عليه: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ الآية قال: من هؤلاء أنت؟ قال: لا. ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ﴾ الآية قال: من هؤلاء أنت؟ قال: لا. ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية قال: من هؤلاء أنت؟ قال: أرجو أن أكون منهم. قال: لا والله ما يكون منهم مَن يتناولهم وكان في قلبه الغل عليهم (37).

 

9 - الصحابة عدول لا يُجرَّحون:

ألا يقف الذين يحاولون النيل من الصحابة، والتجريح باسم قراءة التاريخ ونقده، على هذه الآيات، وتلك الآثار التي تجعل المسلم يمسك اللسان والقلم عن النيل من أي مؤمن ومسلم، فضلاً عن الصحابة الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه بنص القرآن وبشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم بأنهم خير القرون.

 

ورحم الله علماء الجرح والتعديل لرواة الحديث؛ حيث يمحصون رجال السند، حتى إذا وصلوا إلى الصحابي الراوي للحديث أمسكوا؛ لأنهم يعلمون بأنهم عدول ثقات بشهادة القرآن العظيم، وشهادة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.

 

8 - قوله تعالى: ﴿ربنا لا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا﴾:

عن أنس رضي الله عنه قال: "بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يطلع الآن رجل من أهل الجنة"، فأطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته ماء وضوئه، معلق نعليه في يده الشمال، فلما كان من الغد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يطلع عليكم الآن رجلٌ من أهل الجنة"، فأطلع ذلك الرجل، على مثل مرتبته الأولى، فلما كان من الغد قال رسول الله، مثل ذلك، فأطلع ذلك الرجل، فلما قام الرجل أتبعه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما فقال: إني لاحيت أبي فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثًا، فإن رأيت أن تئويَني إليك حتى تحل يميني فعلت، قال: نعم.

 

قال أنس: فكان عبد الله بن عمرو يُحدِّث أنه بات معه ليلة فلم يره يقوم من الليل شيئًا غير أنه كان إذا تقلب على فراشه ذكر الله وكبَّر، حتى يقوم لصلاة الفجر فيسبغ الوضوء، "غير أني لا أسمعه يقول إلا خيرًا، فلما مضت الليالي الثلاث وكدت أحتقر عمله قلت: يا عبد الله.. إنه لم يكن بيني وبين والدي غضب ولا هجرة، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لك ثلاث مرات في ثلاث مجالس: "يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة"، فأطلعت أنت تلك المرات الثلاث، فأردت أن آوي إليك فأنظر ما عملك، فإذا ما هو إلا ما رأيت، فانصرفت عنه فلما وليت دعاني فقال: ما هو إلا ما قد رأيت، غير أني لا أجد في نفسي غلاًّ لأحد من المسلمين، ولا أحسده على خيرٍ أعطاه الله إياه"، فقال له عبد الله بن عمرو: "هذه التي بلغت بك، وهي التي لا نطيق" (38).

 

وفي روايةٍ عن عبد العزيز بن أبي رواد رضي الله عنه قال: "بلغنا أن رجلاً صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما انصرف قال النبي: "هذا الرجل من أهل الجنة"، قال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: فأتيته فقلت: يا عماه.. الضيافة، قال: نعم، فإذا له خيمة وشاة ونخل، فلما أمسى خرج من خيمته فاحتلب العنز، واجتبى لي رطبًا ثم وضعه، فأكلت معه فبات نائمًا وبت قائمًا، وأصبح مفطرًا وأصبحت صائمًا، ففعل ذلك ثلاث ليالٍ، فقلت له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيك: إنك من أهل الجنة، فأخبرني ما عملك؟ قال: فائت الذي أخبرك حتى يخبرك بعملي، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ائته فمُرْهُ أن يخبرك".

 

فقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تخبرني، قال: أما الآن فنعم، فقال: لو كانت الدنيا لي فأخذت مني لم أحزن عليها، ولو أعطيتها لم أفرح بها وأبيت، وليس في قلبي غل على أحد.

 

قال عبد الله: "لكني والله أقوم الليل وأصوم النهار، ولو وهبت لي شاة لفرحت بها، ولو ذهبت لحزنت عليها، والله لقد فضَّلك الله علينا فضلاً بيَّنا" (39).

----------

* مراجع وحواشٍ:

1- الدر المنثور 6/288.

2- سيرة ابن هشام 2/87.

3- الدر المنثور 1/430.

4- البداية والنهاية 3/172.

5- الفل: الواحد.

6- يمِّم: توجه.

7- ننأى: نبعد.

8- الحميم المناصح: الصديق الوفي.

9- ملحِب: واضح.

10- تزايلوا: تصارعوا.

11- البداية والنهاية 3/168.

12- سيرة ابن هشام 2/104.

13- تفسير القرطبي 18/18.

14- فتح الباري 7/110/3778.

15- السابق 7/113/3783.

16- السابق 7/113/3784.

17- ثوى: أقام.

18- الوغى: الحرب الشديدة.

19- طأ: دس- ادعس.

20- الحتوف: المنايا.

21- البداية والنهاية 3/202.

22- الدر المنثور 6/288.

23- فتح الباري 7/113/3782.

24- السابق 8/631/4889.

25- الدر المنثور 6/289.

26- السابق 6/289.

27- تفسير القرطبي 18/20.

28- الدر المنثور 6/289.

29- مرجع سابق.

30- مرجع سابق.

31- أحمد ومسلم.

32- الدر المنثور 6/290.

33- السابق 6/290.

34- السابق 6/293.

35- الدر المنثور 6/293.

36- السابق 6/293.

37- السابق 6/294.

38- المرجع السابق.

39- المرجع السابق.