- د. نادية مصطفى: الدور التركي الجديد في المنطقة مثيرٌ للانتباه

- عبد الحليم قنديل: الانتصار أعاد تألق القضية الفلسطينية على الساحة

- د. أحمد ثابت: الدور القطري أظهر ذكاءً ومرونةً في التعامل مع الأزمة

- د. محمد عبد السلام: معركة الإعمار مرهونة بالمصالحة الفلسطينية

 

تحقيق- خالد عفيفي:

ما إن خفت أصوات المدافع وكتب التاريخُ نصرًا جديدًا للمقاومة خطَّه أبناء غزة الصامدون وكوادر الفصائل المجاهدون، حتى استعرت حرب جديدة بقيادة أقلام العملاء ووكلاء نشر ثقافة الهزيمة للطعن في نصر غزة أو لنسبة ما تحقَّق لقيادات أنظمة الخزي والعار بالمنطقة العربية.

 

مشادَّات كلامية وتجاذبات هدفها سلب الملايين والمليارات المُقدَّمة لإعادة إعمار غزة؛ أغرب ما فيها هو موقف السلطة الفلسطينية وطلبها الحصول على الأموال للإشراف على الإعمار، رغم أن رئيسها انتهت ولايته في التاسع من يناير الجاري، ولم تَعُد لديه شرعية الوجود حتى في منصبه، فضلاً عن فقده أية شرعية شعبية بمواقفه الأخيرة ضد غزة في حربها التي انقضت منذ أيام.

 

وعلى جانبٍ آخر تدور حرب سياسية هدفها سلب حقوق حماس والمقاومة التي تحقَّقت بفضل النصر؛ وذلك بتكريس تحالف غربي وعربي ضد الفصائل لمحاصرة القطاع برًّا وبحرًا لمنع دخول الأسلحة إليه، في سبيل إضعافِ قوى المجاهدين قبل جولة جديدة يُعِد لها جيش الاحتلال الصهيوني من الآن.

 

المعطيات اختلفت كثيرًا بعد نصر غزة العسكري، والذي كان مفاجئًا لدوائر عديدة؛ ما سيعيد حسابات أنظمة عديدة ألقت بثقلها كله في الجانب الخاسر، ويرفع أنصبة دول أخرى راهنت على المقاومة ونجحت معها، والصورة في مجملها تؤكد أن ثمةَ تغيرات كبيرة ستلحق بخريطة المشرق الإسلامي مع بدايات عام 2009م، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي.

 

مكاسب المقاومة

 الصورة غير متاحة

باراك أوباما

تؤكد الدكتورة نادية مصطفى أستاذة العلاقات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية أن خريطة المنطقة معقدة من حيث نمط التحالفات العربية الجديدة والدور الإيراني بالمنطقة في ظل إدارة أوباما الجديدة.

 

وتشير إلى أن حركة حماس كانت مستعدة قبل العدوان لتلقِّي ضربة عسكرية قوية وتحملها، وهدفت من خلال تصديها العدوان إلى إعادة طرح النظر في شرعيتها على الساحة السياسية الدولية، وكان لهذا الهدف أكثر من مؤشر؛ أولها المبادرة التركية التي دعت إلى الاعتراف بشرعية حركة حماس ودعمها حضور مشعل قمة الدوحة.

 

وتضيف أن المساندة والتضامن الشعبيين مع فصائل المقاومة التي تقودها حماس أعطى زخمًا على الساحة الدولية مفاده أن حركات المقاومة لها قضية عادلة تدافع عنها أمام العنصرية الصهيونية، وبالتالي بدأ الحديث عن وضع حماس بعد انتهاء العدوان.

 

وأوضحت أستاذة العلاقات الدولية أن نتائج هذا الوضع الجديد طرح عملية إعادة إعمار غزة على أنها قضية سياسية لا إنسانية؛ نجد فيها فريقين متحالفين أحدهما تحالف دولي مع أبو مازن بدعم أوروبي وعربي، والفريق الآخر يحاول الوصول إلى حلٍّ وسط، مثل تشكيل لجنة عربية لإعادة الإعمار.

 

وتشير إلى العديد من الأحداث التي من شأنها التأثير في أوضاع المنطقة فيما بعد، ومنها مذكرة تفاهم ليفني- رايس لمنع تهريب السلاح إلى غزة؛ ما يدل على عدم تحقيق العدوان الصهيوني أهدافَه، بالإضافةِ إلى قمة الدوحة التي قررت أن الجامعة العربية هي مَن ترعى المصالحة، وتغاضت عن المبادرة المصرية وسط رفض حماس استئثار الوساطة المصرية بمفردها وطلب وساطة سورية أو تركية.

 

وعن أحد ثمار المقاومة بعد العدوان قالت: "إن حماس أصبحت الآن محورًا للحديث عن مستقبل جهود التسوية وإعادة إعمار غزة؛ مما يُقدِّم دلائل قوية على أن انتصار المقاومة زحزح الساحة السياسية قليلاً".

 

الأتراك.. إلى أين؟

 الصورة غير متاحة

أردوغان أثناء انسحابه من منتدى دافوس

وتوقفت د. نادية كثيرًا أمام مغزى الدور التركي في القضية من جهتين؛ الأولى أن المبادرة التركية تأتي من حليفٍ قوي للكيان الصهيوني، على الرغم من الإدانة الصريحة والقوية من جانب أردوغان على نحو لم يرد من أية دولة عربية؛ لا في المضمون ولا في اللهجة، كما أن التصريحات تأتي في وقتٍ تحافظ فيه تركيا على علاقات قوية مع أمريكا (راعية الصهاينة)، والدليل أنها عقدت اتفاقًا مع الأكراد وأمريكا كسلطة احتلال لتنظيم وضع حزب العمال الكردستاني.

 

وترى أن الدور التركي حمل أبعادًا حضاريةً وتاريخيةً تستدعي إلى الذهن كيف تعود تركيا إلى المنطقة بدورٍ جديدٍ من خلال تحركات معينة؛ لذا حققت نفوذًا عظيمًا لدى الرأي العام العربي.

 

ووصفت د. نادية هذا الدور بأنه تدريجي؛ يبدأ بالمشاركة في الدور المصري التقليدي في جهود التسوية، متوقعةً أن تلعب تركيا مع حماس نفس الدور الذي لعبه الاتحاد الأوروبي مع منظمة التحرير الفلسطينية لتحقيق قدرٍ من فرص "التوازن" في مواقفها، وصولاً إلى اتفاقي مدريد وأوسلو.

 

وتضيف أن موقف أردوغان في منتدى دافوس يُمثِّل استمرارًا للنهج التركي في التعامل مع القضية الفلسطينية، ومن جهةٍ أخرى أشادت حماس بذلك؛ مما يعني أن تركيا أصبحت تحوز ثقة حماس في وقتٍ تحتاج الحركة بشدةٍ إلى حلفاء جدد يساندون موقفها، متسائلةً : "إلى أي حد ستدخل تركيا بثقلها لإضفاء مزيدٍ من "الاعتدال" على حماس تجاه التفاوض مع الكيان الصهيوني؟! أم أن هذا الاتجاه خط أحمر عند حماس ولا يجوز الاقتراب منه؟!".

 

المعجزة التركية

 الصورة غير متاحة

عبد الحليم قنديل

ويشير عبد الحليم قنديل رئيس تحرير (صوت الأمة) إلى أن معركة غزة أثمرت نوعين من النتائج على الساحة الإقليمية والدولية؛ أولهما ميداني؛ حيث لم يحقق الكيان الصهيوني أهدافه من العدوان بالرغم من استخدام قوة نيران تعادل القوة التدميرية للقنبلة النووية.

 

ويضيف أن النتائج السياسية كانت كلها في إطار تغيير معادلات إقليمية تدريجيًّا في الأوضاع الدولية، وأولى تلك النتائج ما سمَّاه قنديل "المعجزة التركية"؛ حيث يقول إن بركة دم الشهيد الفلسطيني انتزعت تركيا إلى جذورها الإسلامية بعد أكثر من 80 عامًا في الانخلاع عن العالم الإسلامي وقضاياه، وعادت تركيا بعد ذلك حكومةً فيما أظهره رئيس وزرائها أردوغان من مواقف شديدة الوضوح ضد الكيان في دافوس، ودعوته إلى طرد الكيان من الأمم المتحدة.

 

ويقول: "خرجت من العاصمة التركية أقوى المظاهرات الداعمة للمقاومة والمنددة بالعدوان؛ مما ساهم في زيادة جرأة الحكومة التركية في اتخاذ مواقف مضادة، رغم عضويتها في حلف الأطلسي، ورغم وجود اتفاقات مُوقَّعة بينها وبين الكيان الصهيوني".

 

ولخَّص قنديل قراءته للدور التركي بقوله: "إن تحولاً دراميًّا حدث في المزاج التركي إزاء قضايا المنطقة والقضية الفلسطينية، بدت معه نقطة ناطقة وإيجابية باطراد، ولو أن الوضع يحتاج إلى مزيدٍ من التطور بقطع العلاقات مع الكيان".

 

وحول ثانية تلك النتائج يقول قنديل: "إن القضية الفلسطينية استعادت تألقها من جديد؛ فهي لم تكن على قدرٍ أكبر من الوضوح وإمكانية أقوى على استقطاب قوى حولها من اليوم؛ حيث إن اليقظةَ الجزئيةَ في الشارعين العربي والعالمي من علامات استعادة القضية بروزها على الساحة كقضية شعب وطني مقاوم، بالإضافةِ إلى أنها تحوُّل مهم يُشكِّل عنصرَ ضغط قويًّا على الأنظمة والحكومات العربية".

 

وعلى النطاق الدولي والتحولات القائمة بعد انتصار غزة، يشير قنديل إلى ظاهرة الحركات الأوروبية الداعمة للقضية الفلسطينية التي بادرت إلى رفع دعاوى متعلقة بمحاكمة قادة الكيان الصهيوني بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة.

 

وشدد قنديل على أن النظم العربية امتازت بالابتعاد الشديد عن شعوبها بصفتها قيادات غير منتخبة، وأنها بحكم تكوينها منفصلة عن الشعور الشعبي، وبلهجة تهكمية ساخرة أكد أن الإيهام بوجود خلافات بين الأنظمة العربية من ألعاب المسرح لا من ألعاب السياسة.

 

تغيير الأدوار

 الصورة غير متاحة

د. أحمد ثابت

ويقول الدكتور أحمد ثابت أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة: "إن العدوان على غزة وما صاحبه من أحداث تسبَّب في تغييرٍ كبيرٍ في الأدوار الإقليمية خارج الكتلتين المعروفتين: كتلة المقاومة ورفض التسوية على الطريقة الأمريكية، وكتلة ما يُعرف بالاعتدال العربي والتفاوض".

 

ويشير إلى صعود دور تركيا في المنطقة الذي وصل إلى حدِّ ما حدث من صدامٍ في دافوس، واقتراح أردوغان رئيس وزرائها فصلَ الكيان الصهيوني من عضوية الأمم المتحدة، واصفًا فصائل المقاومة بالذكاء الشديد من خلال عدم التفاتها إلى المهاترات التي أساءت إليها واتهمتها بالعمالة لإيران.

 

وأضاف د. ثابت أن المنطقة شهدت حضور دول إسلامية أخرى على الساحة، مثل إندونيسيا وإيران، من خلال حضورهما قمة الدوحة الطارئة بشأن غزة، مؤكدًا أن التركيب الحاليَّ يفيد- بلا شك- معسكر المقاومة بالقدر الذي يُنقص من قدر معسكر الموالاة لأمريكا.

 

ويرى أن أبرز التحولات في المنطقة هي ظهور فجوة بين شعوب وحكومات الأنظمة الموالية لأمريكا، والتي تبنَّت وجهة النظر الصهيونية في العدوان على غزة، مشيرًا إلى أهمية هذا التحول؛ حيث إن توازن القوى الإقليمي لا يُحسَب بالقوى الحكومية فقط، ولكن بالدعم الشعبي لتلك القوى.

 

وشدد د. ثابت على أن العدوانَ الصهيوني قوَّى من عزلة الكيان الدولية بعد أن أثبت أنه لا يملك سوى القتل المتعمد والإجرامي للمدنيين؛ مما أوقع قياداته في حرجٍ كبيرٍ أمام الأمم المتحدة في عدم قدرته على تبرير جرائمه، وخاصةً ضد المدارس التابعة للمنظمة الدولية.

 

ويتهم النظامَ المصريَّ بالتواطؤ مع الصهاينة، ووصفه بأنه أصبح أكثر عزلةً، وتسبَّب في ذلك دوره المزري أثناء العدوان، وكانت عباراته المُدينة للعدوان تشبه موضوعات التعبير في المرحلة الابتدائية التي لا تسمن ولا تُغني من جوع، مؤكدًا أن النظام الحاكم لا يعرف سوى مصلحته الشخصية بغض النظر عن المصلحة العليا لمصر أو للأمة.

 

ويُشيد د. ثابت بالدور القطري الذي أثبت ذكاءً ومرونةً كبيرةً في التعامل مع الأزمة وعدم إلقاء البيض كله في السلة الأمريكية، برغم ارتباط الموقف القطري بالمسار الأمريكي والوجود العسكري على أراضيها، وهو الأمر الذي فضح الدور المصري وأظهره أكثر شيخوخةً وعجزًا.

 

معركة الإعمار

 الصورة غير متاحة

سيدة فلسطينية ترفع ما تبقى من أنقاض منزلها

ويؤكد الدكتور محمد عبد السلام الخبير بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بـ(الأهرام) أن المعركة القادمة بعد العدوان هي معركة إعادة الإعمار التي لا تقل ضراوةً عن المعركة العسكرية، وبدا من الآن طرفا تلك المعركة، وهما: حماس والقوى الداعمة لها مثل سوريا وقطر من ناحية، وسلطة رام الله والتأييد العربي والدولي لها من ناحية أخرى.

 

ويشير إلى أن المساعدات التي تعهَّدت دولٌ عربيةٌ وأوروبيةٌ بتقديمها لإعادة الإعمار ستكون جميعها مرهونةً بحدوث توافقٍ ما وتقريبٍ لوجهات النظر بين فتح وحماس، وهو ما تسعى مصر وقوى أخرى في المنطقة إلى فعله.

 

وينفي د. عبد السلام أن يكون الدور المصري قد تراجع في تعاطيه مع أزمة غزة منذ أول يومٍ للعدوان، مؤكدًا أن مصر قدَّمت مبادرة وقف إطلاق النار، وأدارت الأزمة بحنكةٍ شديدةٍ، ورفضت بكل قوة أي وجود لقوات دولية أو مراقبين على أراضيها.

 

وحول سؤالنا عن الاتفاقية الأمنية بين واشنطن والكيان الصهيوني ومدى تأثيرها في الدور المصري؛ قال د. عبد السلام: "إن مصر أكدت مرارًا وتكرارًا أنها غير معنية وغير ملزمة بأي اتفاقٍ وحريصة على ضرورة خلو مصر من أي وجود أجنبي".

 

وعن الدور المنتظَر لحلف شمال الأطلسي في المنطقة بناءً على مؤتمر شرم الشيخ والقوات التي بدأت توجد على شواطئ غزة لمنع تهريب السلاح؛ أكد د. عبد السلام أن الحلف متورط حاليًّا في أفغانستان ولن يغامر بالوجود على مسرحٍ آخر إلا بعد حل مشكلة أفغانستان، بالإضافةِ إلى أن الحلف يسير في اتجاه التفاوض مع جميع الدول المطلة على البحر المتوسط؛ مما يدل على أنه غير عازم للعب دور أكبر في المنطقة خلال المرحلة المقبلة.