من خلال قراءاتي للأخبار التي تتعلق بما يجري في رام الله من اعتقال وتعذيب للفصائل التي لا تنتسب إلى فتح، وما يصاحب هذا الأمر من تعامل وحشي غير إنساني؛ من حيث إهانة أهل البيت، والعبث بمحتوياتهم، وأخذ الرهائن.. إلى غير ذلك من الأمور التي لا تخطر على بال.

 

ومن خلال ما يجري في مصر من اعتقال لكل من يناصر القضايا الإسلامية والإنسانية، ولكل من ينادي بالإصلاح، وما يصحب هذا الاعتقال من إهانات للمراد اعتقاله، وما يحدث من تخريب وسرقات أثناء التفتيش، والهمجية التي لا تتفق مع أي منطق ولا دين، والتي لا تراعي حرمةً للبيوت ولا للنساء ولا للأطفال..

 

من خلال كل ذلك ومن خلال مطابقة الموقف في مصر مع رام الله؛ وجدت أنهم خرِّيجو مدرسة واحدة؛ فالمعلم واحد، والتلاميذ قد استوعبوا الدرس جيدًا.. نظريًّا وعمليًّا.

 

لا يمكن أن يكون هذا الأمر من قبيل الصدفة، بل هو التواصي بالشر، للعمل على تكميم الأفواه، وكسر شوكة الإسلاميين، وطمس الهوية الإسلامية، وإشاعة الرعب والفزع بين الناس؛ حتى لا ينضمَّ أحد إلى قافلة الحق والإصلاح.. ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ (الذاريات: 53).

 

لقد نسي هؤلاء أن الله تعالى سيأخذ للمظلوم من الظالم يوم القيامة في يومٍ يقول الله فيه: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (الأنبياء: 47).

 

إن المعلم الذي تتلمذون على يديه، والذي يلقِّنهم الدروس في كيفية إهانة وإذلال المعتدلين من أبناء هذه الأمة.. هذا المعلم هو أول من يتخلى عنهم يوم القيامة، وستكون المعركة بينهم وبينه حاميةً، والتي ستنتهي في النهاية كما قال القرآن: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ (الحشر: 17).

 

ولذا فإنني أودُّ أن أقول لهم: إن هؤلاء الإخوة الذين تعتقلونهم وتعذبونهم وتنتهكون حرمات بيوتهم.. هؤلاء هم إخوة لكم في الدين.. يقولون: الله غايتنا؛ فهل الله ليس غايتكم؟ هل هذه نقطة اتفاق أم نقطة اختلاف؟ فكل مسلم يجب أن يكون الله غايته، وإلا حبط عمله ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (الكهف: من الآية 110).

 

وهم يقولون: القرآن دستورنا.. فأي عيب في هذا؟! أليس القرآن دستوركم أنتم كذلك؟ إن كل مسلم يجب أن يكون القرآن دستوره ومنهاجه، وإلا خرج من ربقة الإسلام ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ (المائدة: 49).

 

وهم يقولون: الرسول قدوتنا، فمن قدوتكم إذن إذا لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم قدوةً لكم؟ إنه قدوتنا جميعًا رضينا أم أبينا.. ألم يقل الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: 21)؟!.

 

وهم يقولون: الجهاد سبيلنا؛ فهو السبيل لتحرير الأرض والدفاع عن العرض، وقد شرعه الله تعالى لنصرة المظلومين وحماية أرض الإسلام ومقدساته، والذَّود عن حياضه، وكسر شوكة الظالمين؛ فما العيب في ذلك؟! أليس الذي شرع الصلاة والصيام هو الذي فرض الجهاد؟! ألم يقل الله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ* الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: 39، 40)، وفي الحديث الصحيح: "من لم يغزُ، أو يجهِّز غازيًا، أو يخلف غازيًا في أهله بخير، أصابه الله سبحانه بقارعة قبل يوم القيامة".

 

وهم يقولون: الموت في سبيل الله أسمى أمانينا، وأي عاقل يكره الشهادة في سبيل الله، وقد كان الصحابة يطلبون من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو لهم بذلك؟!

 

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "للشهيد عند الله سبع خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويُرَى مقعده من الجنة، ويحلَّى حلَّة الإيمان، ويزوّج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويجار من عذاب القبر ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار؛ الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويشفع في سبعين إنسانًا من أهل بيته"؛ فأي عاقل لا يتمنَّى الشهادة في سبيل الله تعالى؟! فلماذا إذن تنكرون عليهم هذا الخير، وتضيِّقون عليهم وتحاربونهم في أرزاقهم وتلاحقونهم في كل مكان؟! فهل هذه تعتبر جرائم في نظركم؟ إذن خسرتم دنياكم وأخراكم!.

 

يا من تتلمذتم على أيدي شياطين الإنس.. أرجو أن تدركوا أمرًا في غاية الأهمية؛ ألا وهو أن هؤلاء الذين حرمتم منهم أبناءهم وأزواجهم وآباءهم وأحبابهم؛ هؤلاء قد يكونون من جيرانكم أو من الحي الذي تقيمون فيه، أو قد يكون أحدهم طبيبًا.. إلى آخره، وقد يأتي اليوم الذي لا ينقذك من حادث إلا هو، أو يقضي لك حاجتك، أو يفكّ كربتك إلا هو!!! هؤلاء، إذا مرضت عادُوك وزاروك، وإذا مت حملوك وشيَّعوك ودعوا لك، فاعمل حسابًا ليوم تجد فيه من يترحَّم عليك ويدعو لك لا عليك.

 

وإياك وهذه العبارة التي لا تسمن ولا تغني من جوع "أنا عبد المأمور"، والمأمور عبد لمن؟! أنت عبد لله وليس لأحد ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ (مريم: 93)، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وغدًا ستموت يا مسكين ولن ينفعك إلا عملك.. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الحشر: 18)، وتذكَّر كم لك من زملاء ماتوا وقد كانوا متجبِّرين، فماذا أخذوا من المنصب والمظالم التي ذهبوا بها إلى رب العباد؟! وتذكَّر كم لك من زملاء مرضوا حتى ملَّ منهم القريب والبعيد فكانوا عبرةً للعاقل؟!

 

إن الله سبحانه وتعالى ذكر أصناف الناجين من الهلاك فقال: ﴿وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (العصر) فالناجون من الهلاك يتواصون بالحق وبالصبر، فلا تتواصوا بما يضرُّ بني دينكم ولغتكم ووطنكم، ولا تكونوا عونًا للشيطان، ولا تكونوا سيفًا بيد الطغيان، ولا عونًا للظالمين؛ بل كونوا في صفوف الصالحين.. أنقذوا أنفسكم قبل أن تعضوا أصابع الندم.. ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً* يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلاً* لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً﴾ (الفرقان: 27: 29).

 

اللهم قد بلغت، اللهم فاشهد على هؤلاء، فاللهم اهدهم وخذ بنواصيهم إلى الحق؛ فإن لم يهتدوا فخذهم أخذ عزيز مقتدر، وأنت المستعان، وأنت حسبي ونعم الوكيل.