تعتبر أحداث غزة تتويجًا لمخطَّط أَعَدَّ المشهد لهذه الأحداث؛ ولذلك يجب أن نميِّز في تاريخ الكيان الصهيوني في فلسطين والمنطقة بين حوادث إحراق غزة وما بعدها، وهو ما يؤدي إلى تحليل الظروف السابقة على أعمال الإبادة في غزة، ثم التركيز على معالجة جرائم الكيان فيها بشكل قانوني محدد، على ضوء الأفعال الصهيونية ومصادر التكييف القانوني لهذه الأفعال، ثم الساحات القضائية المفتوحة لمحاكمة المجرمين الصهاينة، بصرف النظر عن أثر هذه الأحداث على أي سلام محتمل أو موهوم مع الكيان الصهيوني.

 

أولاً: تهيئة غزة لأعمال الإبادة

خلال الفترة من 27 ديسمبر حتى اليوم الثامن عشر من يناير 2009م شن الكيان الصهيوني حملةً عسكريةً سمَّاها عملية الرصاص المسكوب على غزة.

 

وكانت المعلومات عن هذه الحملة قد تسرَّبت رسميًّا من الكيان في الوقت الذي أقدم فيه على إبرام اتفاق مع حماس على هدنة لمدة ستة أشهر؛ تمتنع فيها حماس عن إطلاق الصواريخ من غزة صوب المدن والتجمعات السكانية الصهيونية مقابل توقف التوغل الصهيوني والهجمات المتفرقة على غزة ورفع الحصار عنها وفتح جميع المعابر؛ بما في ذلك معبر رفح، وهو التزامٌ على مصر التي رتَّبت اتفاق التهدئة.

 

معلومٌ أن الكيان الصهيوني وهو يُعِد للحملة على غزة أعلن غزة إقليمًا معاديًا، كما أعربت التصريحات الصهيونية عن عزم الكيان على اقتلاع حماس من غزة، في الوقت الذي تصاعدت تصريحات مصرية بأن مصر لا تطيق بقاء إمارة إسلامية على حدودها، وأن يستمر تكريس الانفصال بين غزة ورام الله، والتقت تصريحات الكيان الصهيوني مع تصريحا كلٍّ مصر وأبو مازن عند الحرص على توحيد الأراضي الفلسطينية تحت السلطة الفلسطينية.

 

خلال التهدئة لم يلتزم الكيان الصهيوني بما كان يجب أن يفعله، وازداد الحصار وقاوم الكيان ومصر محاولات كسره في الوقت الذي تعلن فيه مصر عزمها على عدم تجويع الشعب الفلسطيني، وظلت المعابر مغلقةً، وفشلت محاولات فتحها.

 

استمرَّت الاعتداءات الصهيونية، وصارت التهدئة التزامًا على المقاومة وحدها، وعندما انتهى أمد التهدئة صباح التاسع عشر من ديسمبر كان الكيان الصهيوني قد أعلن الحملة العسكرية ودرَّب قواته على عملية الرصاص المسكوب، وتحرك دبلوماسيًّا مع أطراف دولية كثيرة للتمهيد لهذه العملية وهو ينتظر نهاية التهدئة من طرف الفصائل؛ لأنه لم ينفِّذ شيئًا من متطلباتها، حتى إعلان العمل بخطة اجتياح غزة.

 

خلال الأيام الست التالية على إنهاء الهدنة انطلقت تصريحات وزير الخارجية المصري تطالب الفصائل بتجديد التهدئة حتى لا تضع نفسها أمام الطوفان وهو يعلم أن "إسرائيل" لا تلتزم بها وفي الخامس والعشرين من ديسمبر ظهرت ليفني وزيرة الخارجية الإسرائيلية في القاهرة وهي تعلن بعد لقائها بالرئيس مبارك ووزير الخارجية الذي لم يحضر هذا اللقاء السري أن "إسرائيل" سوف تسعى إلى تغيير قواعد اللعبة في غزة، وهو ما فهم على أنه عملية عسكرية كبرى لاقتلاع حكم حماس من غزة.

 

بدأت العملية بشكل كاسح وشامل من الجو والبحر يوم 27 ديسمبر ثم لحقت العملية البرية بعد أسبوع، استخدمت خلال هذه العملية كميات هائلة من المتفجرات والصواريخ وقنابل الفسفور وشاركت المدفعية مع القصف من البوارج البحرية وتم تدمير جميع المباني الرسمية للحكومة ومبنى المجلس التشريعي ولوحظ أن التدمير والقتل قد شابه الرغبة الأكيدة في الدمار والقتل وخلفت العملية إحراق غزة وهدم منازلها ومزارعها وموانئ الصيد والشواطئ في هذه الأثناء فتح معبر رفح للأطباء والمواد الطبية والإسعاف والأدوية في الوقت الذي عانى فيه سكان غزة أمام هذه النيران الهائلة القتل والجرح والرعب والضياع وذلك عقب أكثر من ثلاثة أعوام من الحصار والإغلاق التام.

 

أما المآسي التي عانتها غزة فقد تحدثت عنها المنظمات الإنسانية ومنظمات الأمم المتحدة التي نالها من الدمار المتعدد والمتعمد الكثير حتى خلال زيارة الأمين العام للأمم المتحدة لإسرائيل يرجوها تفادي مقرات الأمم المتحدة وتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 1860.

 

خلال العملية التي استمرت أكثر من ثلاثة أسابيع وقف العالم كله يساند "إسرائيل" ويؤكد حقها في الدفاع عن النفس بصرف النظر عن إحراق غزة وصرخات السكان وفظائع القصف الإسرائيلي وأعلن عدد من زعماء أوروبا وأبرزهم رئيس وزراء بريطانيا جوردون بروان وميركل المستشارة الألمانية من حق "إسرائيل" الدفاع عن نفسها.

 

وتواترت تقارير عن حصول "إسرائيل" خلال العملية على ذخائر وأسلحة تتم تجربتها لأول مرة على أجساد السكان من 16 دولة أوروبية بالإضافة إلى الولايات المتحدة التي عطلت مع فرنسا وبريطانيا وألمانيا صدور أي قرار من مجلس الأمن حتى يتيح الفرصة كاملة أمام "إسرائيل" لقتل المزيد من السكان وإلحاق المزيد من الدمار في العملية.

 

على الجانب الآخر بدت مصر وكأنها تسعى إلى عرقلة أية محاولة عربية لعقد قمة تناقش وضع غزة واتخذت موقفًا معاديًا من قطر التي استضافت قمة لديها حضرت فيها المقاومة قبل ثلاثة أيام من قمة الكويت الاقتصادية.

 

وهكذا أثبتت أحداث غزة اطمئنان "إسرائيل" إلى الدعم الأمريكي المطلق العسكري والسياسي، كما ضمنت من خلال واشنطن سكوت العواصم العربية رغم غليان الشوارع العربية التي تحدت الحظر الحكومي على التظاهر، كما ضمنت أن السلطة الوطنية ومصر تدينان حماس وليس "إسرائيل" وتؤثران بذلك في الخطاب السياسي والإعلامي العربي، ولكن موقفهما كان معزولاً.

 

يهمنا في هذه الدراسة التركيز على البدائل المختلفة لمعاقبة المجرمين الإسرائيليين، وهذا الطريق أقل تكلفة من الناحية السياسية ولذلك أوصت به قمة الكويت كما أن هذا الطريق يمكن أن يشكل رادعًا لإسرائيل في المستقبل وهي تدرك جيدًا أن الحماية الأمريكية تمتد أيضًا إلى الوسائل القانونية والقضائية، كما تدرك أن الإبادة هي الأسلوب التقليدي لإزاحة الفلسطينيين للحلول محلهم أو قمعهم، غير أن الإعلام هذه المرة أربك الحسابات الإسرائيلية رغم حظرها للإعلام في غزة.

 

وأخيرًا فإن هذا الطريق يمكن أن يكون إحدى وسائل تحقيق الحوار الوطني الفلسطيني من حيث إن الضحايا فلسطينيون بقطع النظر عن التقارير السلبية عن نوايا السلطة ومواقفها السرية من عملية غزة.

 

ثانيًا: المواجهة القانونية لإسرائيل:

والحق أن "إسرائيل" في غزة تقف وجهًا لوجه ضد المجتمع الدولي والضمير الإنساني وهذا هو السبب في أن عشرات المنظمات الأهلية الأوروبية لم تحتمل فظاعة ما حدث في غزة فانطلقت حملتها القضائية ضد "إسرائيل" في كل الاتجاهات.

 

هذه المرة الجرائم فادحة والعمد مسجل والأحداث موثقة وحالة غزة خير شاهد ودليل لا يقبل العكس أو الإهدار، لما نال من القيمة الأخلاقية لجيش ودولة تزعم أنها عضو في أسرة الأمم المتمدينة اللهم إلا إذا كان هذا هو السلوك المتحضر بالمعايير الحديثة.

 

المواجهة القانونية لإسرائيل تتضمن مواجهة الدولة الصهيونية في المنظمات الدولية، والجزء الثاني تعقب المجرمين الإسرائيليين كأفراد أمام القضاء الدولي والوطني.

 

هذه المواجهة تنطلق من أربعة أسس: الأساس الأول، هو أن "إسرائيل" تلاعبت بقضية السلام لتقدم مشروعها الصهيوني وأنها لم تتوقف عن ارتكاب المجازر في فلسطين ولبنان.

 

الأساس الثاني، أن سلوك "إسرائيل" في غزة يخرجها تمامًا من عداد السلوك الإنساني مما يضع علامة استفهام حول أهليتها للبقاء كدولة عضو في عموم المجتمع الدولي ومنظماته الدولية.

 

أما الأساس الثالث، فإن المنتصر في الحرب العالمية الثانية والتي استحدثت مبادئ نورمبرج واتفاقية الأمم المتحدة لمنع إبادة الجنس البشري وهي التي صاغت معاهدات جنيف الأربع لعام 1949 وذلك كله في غضون ثلاث سنوات رافقها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كانت لمحرقة اليهود في ألمانيا اليد الطولى في إقراراها وانطلاقها كأساس تاريخي للقانون الجنائي الدولي.

 

الفارق بين هولوكوست ألمانيا وهولوكوست غزة هو أن ضحايا الأول هم الذين ارتكبوا الثاني، في الأول انتصر المنتصرون للضحايا، في الثاني لا يزال الضحايا هم الطرف الضعيف.

 

ولكن المنظمات الإنسانية تصر على تحقيق دولي مستقل في جرائم "إسرائيل" معتمدة على ثلاثة طوائف من الأدلة وهي عينات الذخائر المستخدمة خاصة الفسفور الأبيض، وثانيها نوعيات الإصابات وثالثها تقارير الأطباء المعالجين للإصابات خاصة أن "إسرائيل" تعمدت أيضًا قصف مقار الأمم المتحدة.

 

أما الأساس الرابع، فهو أن "إسرائيل" لا تزال دولة محتلة لغزة ولا معنى لإعلان غزة من جانب "إسرائيل" بأنها إقليم معادٍ، وأن غرض الإعلان هو اعتقاد "إسرائيل" بأن ذلك يخولها الحق في مهاجمتها في كل وقت، خاصة أن السلطة الفلسطينية تحدثت عن غزة كإقليم منشق أو متمرد يقود انقلابًا عسكريًّا على السلطة الشرعية كما تقول السلطة ومصر.

 

ثالثًا: مواجهة "إسرائيل" في المنظمات الدولية:

المواجهة الفعالة لإسرائيل يجب أن تكون في الجمعية العامة للأمم المتحدة والمؤتمر العام للجنة الدولية للصليب الأحمر، فضلاً عن العمل مع دول عدم الانحياز على طرد "إسرائيل" من الوكالات المتخصصة ومقاطعتها في المؤتمرات الدولية، وعزلها تمامًا في الإطار الدولي خاصة في المنظمات الدولية غير الحكومية.

 

أ‌- في الجمعية العامة.

ب‌- عقد جلسة طارئة للجمعية العامة؛ وذلك للنظر في القضايا الخمس الآتية:

- مراجعة موقف "إسرائيل" من ميثاق الأمم المتحدة ومجمل القرارات الصادرة عن الجمعية العامة ومجلس الأمن والوكالات المتخصصة وبشكل خاص تقارير اللجان الخاصة بحقوق الإنسان ومنها اللجنة ومجلس الأمم لحقوق الإنسان، وتقارير المبعوثين الخاصين للأمين العام ولحقوق الإنسان في المنطقة.

 

- عقد مؤتمر دولي لمراجعة مدى جدية "إسرائيل" في قبول السلام لوضع حد نهائي للمشروع الصهيوني.

 

- تشكيل محكمة جنائية خاصة بفلسطين تحال إليها الجرائم الإسرائيلية التي ارتكبت ضد الشعب الفلسطيني منذ عام 1948 حتى الآن، ورفض تنفيذ قرار محكمة العدل الدولية بشأن الجدار العازل وهو يشكل جريمة مستمرة.

 

- مراجعة مدى التزام "إسرائيل" بشروط قبول الجمعية العامة لإسرائيل في الأمم المتحدة وخاصة مدى التوافق بين سلوكها النازي الإجرامي وشرط الدولة المحبة للسلام وطلب رأي استشاري من محكمة العدل الدولية حول هذه النقطة.

 

ج- المؤتمر العام للجنة الدولية للصليب الأحمر:

 - تطلب الدول العربية ودول العالم الثالث انعقاد المؤتمر العام للجنة للنظر في انتهاكات "إسرائيل" الخطيرة في أحكام اتفاقات جنيف وبروتوكولها الإضافيين وبيان التزامات الدول الأطراف تجاه العمل ضد إسرائيل.

 

د- عقد اجتماع لمنظمة الصحة العالمية وذلك للنظر فيما ارتكبته "إسرائيل" من تهديد لصحة الشعب الفلسطيني من خلال الحصار ومنع الدواء وتدمير المستشفيات وإحراق المرضى وغيرها من صور الجرائم التي ارتكبتها "إسرائيل" خلال محرقة غزة وقبلها.

 

هـ- اجتماع المؤتمر العام لليونسكو للنظر في جرائم "إسرائيل" ضد الأعيان المدنية والثقافية ودور العبادة والأماكن الأثرية والمدارس وتعطيل العملية التعليمية وإشاعة ثقافة البؤس وانقطاع الرجاء في أي سلام حقيقي.

 

و- دعوة الأمين العام لرفع دعوى ضد "إسرائيل" أمام محكمة العدل الدولية بسبب تدميرها لمقر الأونروا وتدمير مخازنها وتعطيل مهمتها عمدًا وامتهان المنظمة الدولية وأمينها العام عندما قصفت المقر الرئيسي للأونروا خلال زيارة الأمين العام لإسرائيل رغم اعتذارها عن ضرب المدرسة التابعة للأونروا قبلها بساعات، وذلك كشكل من أشكال الإبادة واحتقار المجتمع الدولي.

 

ونضيف إلى ذلك المسعى العربي في الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن استخدام "إسرائيل" اليورانيوم المنضب في غزة.

 

وما دامت قمة الكويت قد التزمت بالعمل لتعقب "إسرائيل" والمجرمين فيها يتعين على الجامعة العربية أن تعمل حثيثًا في هذا الاتجاه.

 

ويجب أن ينسق اتحاد المحامين العرب مع الأمانة العامة للجامعة العربية.

 

رابعًا: المواجهة الجنائية لإسرائيل:

لا شك أن الضمان والحماية اللذين تقدمهما واشنطن لإسرائيل من أهم دوافع السلوك الإجرامي الإسرائيلي في فلسطين، فضلاً عن اطمئنان "إسرائيل" بأنها تعمل في بيئة إقليمية مريحة لن يتصدى لها أحد لوقفها، فضمنت الحال والمآل.

 

ولكن الجرائم البشعة التي ارتكبتها في غزة وتوثيق هذه الجرائم وتهافت التفسيرات والذرائع الإسرائيلية دفع منظمات دولية متعددة إلى ملاحقة المجرمين الإسرائيليين، ولذلك يجب على الدول التي تنوي الانضمام إلى هذه الملاحقة أن تطلب من "إسرائيل" أسماء القادة والجنود في الميدان، وهذا الاحتمال هو الذي دفع الجيش إلى التكتم على كل الأسماء كما دفع أولمرت إلى أن يعلن في الحملة الانتخابية لحزب كاديما يوم 25/1/2009 أن الدولة سوف تحمي كل من يتعرض للملاحقة الجنائية بشأن أحداث غزة، وهذا الموقف يجب أن يضاف إلى أسباب فقدان "إسرائيل" لصفة الدولة وتحولها إلى عصابة لا يجوز أن تبقى عضوًا في أسرة الأمم المتحضرة.

 

وسوف نقدم ببعض التفصيل التكييف القانوني للجرائم الإسرائيلية والبدائل القضائية للملاحقة. 

غير أننا يجب أن نلاحظ أنه لا بد من وقفة حاسمة لتحديد موقف "إسرائيل" بعد سجلها الإجرامي لستة عقود ويستحيل أن يستمر هذا الإجرام على هذا النحو، بل إنها لا تزال تلقى الدعم والمساندة والتشجيع من واشنطن والدول العربية وهو ما يحتاج أيضًا إلى معالجة.

 

ولنذكر أن جميع محاكمات الحرب العالمية الثانية التي أرست مبادئ القانون الجنائي الدولي الحديث كانت ترتكز في معظمها على مأساة اليهود والهولوكوست في ألمانيا.

وقد دار الزمن دورته الكاملة حتى يعاقب اليهود الأبرياء بنفس الطريقة التي عوقب بها جلادوهم.

 

وقد تم العقاب بعدة طرق، أولها معاقبة ميدانية للمتورطين من كبار القادة السياسيين والعسكريين، وثانيها بتعقب الأسماء التي تورطت كثيرًا أو قليلاً في إراقة دم اليهود وثالثها توظيف هذه الجرائم للسيطرة السياسية على قرار ألمانيا والحصول على تعويضات مستمرة، فضلاً عن زرع الشعور بالذنب لدى الشعب الألماني.

 

فهل يفلح العالم العربي في ممارسة نفس الطرق الثلاثة وهل يأتي يوم يشعر فيها اليهود بعقدة الذنب بسبب إحراق غزة؟

 (1) "إسرائيل" والمحكمة الجنائية الدولية:

المعلوم أن القيادة السياسية والعسكرية في "إسرائيل" هي التي اتخذت قرار الهجوم على غزة وأعلنته ونفذته وحاولت تحديد أهداف الهجوم بتطوير واستمرار هذا الهجوم حتى إذا ما أوقفت القتل بعد 23 يومًا من الهجوم الضاري على غزة احتفل أولمرت وليفني وباراك بهذا "النصر المبين" على المدنيين الفلسطينيين وبدمار غزة التي تمنى شيمون بيريز يومًا أن يصحو وقد ابتلع البحر غزة.

 

وأشاد بيريز بشجاعة الجنود وتفانيهم في القتل، كما أشاد باراك وزير الدفاع بالأخلاق القوية للجيش الإسرائيلي. وبصرف النظر عن سرور "إسرائيل" بأنها سددت لحماس ضربة قاصمة وأن العملية قد حققت أهدافها وقد تجاوزت أهدافها فإن الثابت أن "إسرائيل" قد تلقت مساندة رسمية من واشنطن وبعض الدول الأوروبية الكبرى بل ووصل زعماء هذه الدول إلى "إسرائيل" مرورًا بشرم الشيخ فيما قالت الصحف الحكومية المصرية إنه مؤتمر للبحث في تثبيت وقف إطلاق النار.

 

كان واضحًا أيضًا أن "إسرائيل" تورطت بشكل لا رجعة فيه في أعمال لا جدال في أنها من جرائم النظام العام الدولي وأن "إسرائيل" ابتدعت طوائف أخرى من الجرائم ليست مألوفةً في سجل هذا النوع من الجرائم. لقد تعمدت "إسرائيل" قصف المنازل عدة مرات وتسويتها بالأرض بمن فيها من الأحياء بحجة أن بها مقاتلين أو بعبارة أدق أعضاء من حماس وأنها بذلك تساهم في القضاء على الإرهاب. تذرعت "إسرائيل" أيضًا بأنها تمارس حقها في الدفاع عن النفس ولكن حجم الدمار والإبادة في غزة لا يترك لهذا الدفع مكانًا، كما تذرعت "إسرائيل" برغبتها في تحقيق أهداف سياسية مثل القضاء على حماس أو تأديب حماس، بل إن المحللين فسروا هذا الهجوم في إطار الانتخابات الإسرائيلية حيث درج المواطن الإسرائيلي على التصويت للأكثر قسوة في التعامل مع الفلسطينيين وقد تساوى باراك وليفني في هذا المضمار.

 

غير أن فداحة ما حدث دفع المجتمع الدولي بجميع شرائحه إلى الذهول ومحاولة معرفة أبعاد الكارثة خاصة بعد أن تكشفت أبعاد المأساة من خلال شهادات وروايات الضحايا وممثلي المنظمات الإنسانية ومراسلي الإعلام الدولي والأطباء من مختلف الجنسيات، ونوعيات الجروح ونوعيات الأسلحة التي استخدمت في هذا الهجوم، مما جعل المجتمع الدولي أسرع من المجتمع العربي للدفاع عن قيم هذا المجتمع بعد أن تكشفت "إسرائيل" وانكشف وجهها الحقيقي، والتي كانت تقدم نفسها دائمًا على أنها ضحية الإرهاب الفلسطيني. لقد وجد العالم نفسه أمام نموذج لإجرام تتضاءل أمامه مأساة الهولوكوست حتى بكل المبالغات التي قدمت بها في الروايات اليهودية.

 

يقابل هذا القلق العالمي الذي دفع منظماته إلى ملاحقة المجرمين الإسرائيليين حركة حكومية عربية ودولية لاحتواء الموقف وتجاهله تمامًا وهو ما بدا في تصريحات أوباما التي ركز فيها على أمن "إسرائيل" وإرهاب حماس ومعاناة الأبرياء الفلسطينيين دون أن يشير بكلمة واحدة عن الجرائم الخطيرة التي ارتكبت في حق هؤلاء الأبرياء.

 

في هذا المناخ المتحفز ضد "إسرائيل" سارعت جمعيات وأفراد إلى رفع دعوى أمام المحكمة الجنائية الدولية، ولكن المدعي العام للمحكمة الذي كرّس نفسه لملاحقة الرئيس البشير قطع بأن المحكمة لا تختص بملاحقة "إسرائيل" لأنها ليست طرفًا في نظام المحكمة وأنه لكي يتم تحريك الدعوى ضد "إسرائيل" يتعين أن يتم ذلك بمعرفة مجلس الأمن وهو أمر مستحيل.

 

ما مدى دقة هذا الموقف، وهل أوصدت تمامًا أبواب المحكمة أمام إسرائيل؟  

الواقع أننا يجب أن نوضح عددًا من القضايا في هذا الصدد.

القضية الأولى، هي مدى اختصاص المحكمة من حيث نوعية الجرائم.

لا شك أن الأعمال الإسرائيلية تتوزع بين الجرائم الكبرى الأربع الواردة في نظام روما وكلها ثابتة ومنسوبة للقيادة وجنود الجيش الإسرائيلي الرسمي كما أنها موثقة، وكذلك تفاصيل العمليات الجوية والبحرية والبرية ونوعيات الأسلحة، وكلها أمور تلتزم "إسرائيل" بتقديم تفاصيل عنها بقطع النظر عن عجز مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن إدانة الهجوم الإسرائيلي بشكل محدد يصلح كأداة للإثبات في المحاكمة عن هذه الجرائم.

 

ولكن تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة ومساعده للشئون الإنسانية ومدير عام منظمة الأونروا وغيرهم ممن أدلوا بتصريحات في هذه الكارثة تصلح ضمن أدلة الإدانة.

 

من ناحية الاختصاص الموضوعي، لاشك أن أعمال "إسرائيل" في غزة تقع في عداد الجرائم التي تختص المحكمة بنظرها.

 

وقد عددت المادة السادسة من نظام روما نماذج للأعمال التي تشكل جرائم إبادة جماعية مثل قتل أعضاء الجماعة أي الفلسطينيين، والتسبب في الضرر الجسيم البدني والعقلي لأعضاء هذه الجماعة، وتعمد فرض شروط على هذه الجماعة من شأنها أن تؤدي إلى الفناء المادي كليًّا أو جزئيًّا وهو ما يتحقق في الحصار والإغلاق والقضاء على مخازن الغذاء والدواء والأراضي الزراعية وتحويل الحياة بالعدوان إلى جحيم دائم.

 

من أعمال الإبادة أيضًا فرض إجراءات تهدف إلى وقف توالد هذه الجماعة، وهو ما يتحقق باستخدام أنواع الأسلحة التي تدمر البيئة وتلحق الأضرار الوراثية لأجيال قادمة، وقتل الأطفال أمام ذويهم، وكذلك حرمان الأطفال من أسرهم.

 

وتورد المادة السابعة نماذج الجرائم ضد الإنسانية وهي القتل المتعمد العشوائي الهادف إلى الإزالة، وجريمة اقتلاع النوع الفلسطيني من الحياة واسترقاق الفلسطينيين وذلك بإذلالهم وخطفهم وقتلهم بعد تعذيبهم وحرمان السكان من مساكنهم واضطرارهم خلال الشتاء القارس إلى الشارع الذي تهاجمه "إسرائيل" بقصد القتل.

 

أما جرائم الحرب التي عالجتها المادة الثامنة من نظام روما فقد ارتكبتها "إسرائيل" جميعًا وبطريقة منهجية وشاملة وهي القتل العمد، والتعذيب والمعاملة اللا إنسانية بما في ذلك الاختبارات البشرية البيولوجية التي مارستها "إسرائيل" في غزة، وتعمد إحداث أكبر قدر من المعاناة، أو الأضرار الفادحة أو الصحة، التدمير المكثف وسلب الممتلكات بشكل عشوائي، وأخذ الرهائن، والهجمات العمدية الموجهة ضد السكان المدنيين ممن لا علاقة لهم بأية أعمال قتالية، والهجوم المتعمد على الأهداف المدنية وضد الأشخاص والمنشآت والعربات الطبية والعاملة في مجال الخدمات الإنسانية، كذلك الهجوم الهادف إلى إزهاق الأرواح وإحداث الجروح، والقصف الجوي للمدن والقرى والتجمعات السكنية المكشوفة، وقتل المحاربين والمدنيين الذين استهدفهم العدوان، وغيرها مما نصت عليه بالتفصيل المادة الثامنة.

 

أما الاختصاص المكاني فهو إقليم دولة طرف أو دولة غير طرف تتفق مع المحكمة، ولكن غزة ليست دولة طرفًا في نظام روما، بل هي إقليم محتل فهل تتبع إسرائيل، وتخرج بالتالي من اختصاص المحكمة المكاني ما دامت "إسرائيل" ليست طرفًا؟

 

الواقع أن فلسطين تحت الاحتلال الإسرائيلي تختلف عن أحكام الاحتلال في أي مكان آخر، ذلك أن "إسرائيل" لم تحتل الأراضي الفلسطينية احتلالاً مؤقتًا كما يفترض في أي احتلال ولكن الاحتلال الإسرائيلي احتلال إحلالي يهدف إلى الاستحواذ على الأرض وطرد السكان، وهذا ما يفسر كل هذا العنف ضد السكان لإجبارهم على الرحيل في الأرض أو من عليها. كذلك ترتب على هذا الطابع الاستيطاني للاحتلال الإسرائيلي أن طال بشكل ظاهر ولا أمل في إنهائه بالطبع، ولذلك فإن كل ما يتعلق بحقوق المحتل والضرورات العسكرية لا ترد في شأن هذا الاحتلال، بل يعطي ذلك الوضع للسكان الحق في مقاومة هذا الاحتلال المستديم أو الطويل.

 

يترتب على ما تقدم أنه وإن لم تملك فلسطين صفة الدولة في المجال الدولي، إلا أنه يمكن أن يكون للمحكمة الجنائية الدولية اختصاص على ما يقع من جانب "إسرائيل" من جرائم ضد سكانها، والقول بغير ذلك سيكون إغفالاً لحالة فلسطين الخاصة وتخليًا عن مسئولية المجتمع الدولي عن ملاحقة المجرمين الإسرائيليين الذين كان يتعين عليهم كمحتلين دائمين مراعاة الأحوال العادية والإنسانية للسكان بدلاً من الانقضاض عليهم وتعريضهم لكل أنواع المخاطر.

 

قد بادرت السلطة الوطنية الفلسطينية يوم 27/1/2009 إلى التصديق على اتفاقية إنشاء المحكمة الجنائية الدولية ضمن محاولات توفير الشروط القانونية اللازمة لاختصاص المحكمة على جرائم "إسرائيل" في غزة ولكن هذه الخطوة عليها ملاحظتان الأولى أن السلطة ليست حكومة دولة قائمة وإنما هي إدارة فلسطينية للأراضي الفلسطينية المحتلة وكان يفترض وفق اتفاق أوسلو أن تنتهي بقيام الدولة الفلسطينية في مايو 1999.

 

ولذلك لا تتمتع السلطة بأي شخصية قانونية دولية، كما رفض القضاء الأمريكي والإسرائيلي الاعتراف لها بهذه الصفة.

 

لملاحظة الثانية، هي أنه إذا افترضنا جدلاً أن السلطة لها الحق في الانضمام إلى المحكمة، فإن ذلك يعني إفلات "إسرائيل" من جرائم غزة، لأن اختصاص المحكمة لا يبدأ إلا بعد مضي شهرين على الانضمام بالنسبة للطرف المنضم، كما لا تختص المحكمة بالنظر في الجرائم التي وقعت قبل تاريخ الانضمام.

 

هل المطلوب محاكمة "إسرائيل" أم الإسرائيليين؟

نظرًا لخطورة الجرائم وللطابع الشخصي لهذه الجرائم، فإن "إسرائيل" ليس مطلوبًا جلبها إلى المحكمة وإنما المطلوب أن يحاكم المسئولون عن الجرائم كأفراد.

 

وما دامت الجرائم قد ارتكبت ضد شعب غزة على إقليم محتل، فإن العدل يقتضي إخضاع الإقليم لحماية دولية وتكون الجرائم قد ارتكبت ضد إقليم يتمتع بهذه الحماية، وهذا مؤكد بموجب اتفاقية جنيف الرابعة التي انتهكتها إسرائيل.

 

خامسًا: المنابر القضائية المختصة بمحاكمة الإسرائيليين

المعلوم أن جرائم النظام العام الدولي لا تسقط بالتقادم كما أنها جرائم شخصية لا يصلح معها أي تبرير أو تذرع للإفلات من العقاب.

 

فإذا انتهينا إلى أن المحكمة الجنائية مختصة بالنظر في هذه الجرائم بحكم الاختصاص الموضوعي والشخصي والمكاني، فإن تحريك الدعوى ممكن من جانب المدعي العام الذي حاول التملص من القيام بدوره لأنه يعمل على أسس سياسية ولا يجرؤ على التصدي لإسرائيل بالطبع، كما أن تحريك الدعوى ممكن من جانب دولة طرف من الدول العربية الأطراف وهي الأردن وجيبوتي وجزر القمر، أما تحريك الدعوى من خلال مجلس الأمن فهو مستحيل بسبب الفيتو الأمريكي.

 

والقول بغير ذلك يؤدي إلى إفلات المجرمين الإسرائيليين من العقاب. 

أما المنابر القضائية الأخرى المختصة فهي القضاء الوطني في جميع الدول أطراف اتفاقية جنيف الرابعة التي تنص مادتها الأولى على تضامن هذه الدول على كفالة احترام أحكام هذه الاتفاقية والتصدي للانتهاكات الجسيمة لأحكامها.

 

بل إن المادة 146 ينص على أنه يلزم كل طرف متعاقد بملاحقة المتهمين باقتراف مثل هذه المخالفات الجسيمة أو بالأمر باقترافها، وبتقديمهم إلى المحاكمة أيًّا كانت جنسيتهم، ولكل طرف أيضًا وطبقًا لأحكام تشريعه أن يسلمهم إلى طرف معني آخر بمحاكمتهم ما دامت تتوفر لدى الطرف الآخر أدلة اتهام كافية ضد هؤلاء الأشخاص.

 

وتلزم المادة 149 كل الأطراف باتخاذ التدابير الواجبة لوقف جميع الأفعال التي تتعارض مع أحكام الاتفاقية بخلاف المخالفات الجسيمة الوارد بعضها في المادة 147.

 

كما تلزم المادة 148 كل طرف بألا يتحلل أو يحل طرفًا آخر من المسئوليات التي تقع عليه بشأن هذه المخالفات.

 

من ناحية أخرى، تشير اتفاقية الأمم المتحدة بشأن منع إبادة الجنس إلى أن العقاب يشمل مرتكبي إبادة الجنس والتواطؤ لارتكابه والدعوة والتحريض المباشر والعلني على ارتكابه وهو ما حدث في المساندة الرسمية والعلنية لما أسماه بعض الزعماء الغربيين لحق "إسرائيل" في الدفاع عن نفسها. كما تشمل الجريمة والمتآمر لارتكابها.

 

ولا يجوز التستر بأي منصب أو حصانة من العقاب بموجب المادة الرابعة. 

وتؤكد المادة السابعة على نزع الصفة السياسية عن جرائم الإبادة وتلزم الدول الأطراف بتسليم المتهمين في هذه الجرائم وفق القوانين والمعاهدات السارية.

 

كذلك فتحت هذه الاتفاقية لأي دولة طرف فيها فرصة الاستعانة بأي جهاز في الأمم المتحدة لاتخاذ الإجراء المناسب لقمع أعمال الإبادة أي أن هذه المادة تعطي الاختصاص لمحكمة العدل الدولية للتصدي لهذه الجرائم.