هاني المكاوي
إذا كان فضل سورة التوبة هو كشف المنافقين وخبايا نفوسهم ودورهم في زعزعة الثقة عن المشاركة في الحرب ضد الكفار؛ فالحرب أو العدوان ضد غزة فضح عوراتٍ كثيرةً، وكشف عن سوءات متعددة، وأظهر الحق حقًّا والباطل باطلاً، عرفت الشعوب بالحقيقة واضحةً جليةً، علمت أن أغلب الأنظمة العربية في الفلك الأمريكي الصهيوني الغربي ولا تراعي في شعوبنا إلاًّ ولا ذمةً.

وإذا كانت سورة التوبة التي فضحت المنافقين لم تبدأ بالبسملة كعادة سور القرآن الكريم الأخرى وعددها 113 سورة؛ لأنها عُنِيَت بالحديث عن المنافقين وتميَّزت بكشف خبايا النفوس؛ إيذانًا بأنه لا مجال للرحمة مع هذه الفئة الضالة، فالسورة حرب معلنة على الذين نكثوا العهود، وتجاوزوا الوعود مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وتخاذلوا عن نصرته في غزوة تبوك.
وبالعودة إلى الحرب ضد غزة التي وُضِعَت أوزارُها نجد أن التشابه كبيرٌ بين غزوة تبوك التي تحدثت عنها سورة التوبة والحرب ضد غزة التي فضحت المتخاذلين والمتآمرين والمنافقين، ولذلك يجب أن يكون التعليق على الحرب ضد غزة رمز العزة واضحًا دون تورية أو دبلوماسية؛ فالعدوان على الشعب الأعزل كشف عن حقائقَ وسوءاتٍ على كافة المستويات، ولنبدأ بالمستوى الفلسطيني؛ حيث تكشَّفت عدة حقائق:
1- عدم صلاحية محمود عباس لتمثيل فلسطين على أي مستوى، وأن المطالبة بوقف المقاومة في وطن محتل هو قولٌ مختلٌّ، وبعيدًا عن انتهاء مدة رئاسته في 8 يناير الماضي أتحدَّى أن ينجح عباس في أية انتخابات حرة؛ لأن عباس أصبح فوق المتراس الأمريكي الصهيوني.
2- توحَّدت جميع فصائل المقاومة خلف حماس، وأصبح الجميع في غزة على قلب رجل واحد؛ وذلك يمهِّد لتوافق وطني غير مسبوق إذا تم استبعاد عباس ودحلان ومن حولهما من الذين كشفت الحرب سوءاتهم للجميع، كما كشفت سورة التوبة المتخاذلين عن نجدة الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك.
3- كشفت الحرب عن تمسك الفلسطينيين بخيار المقاومة والجهاد لتحرير فلسطين والقدس الشريف، وليس اتفاقيات أوسلو وكامب ديفيد.
4- كشفت الحرب عن أن الجيش الصهيوني المصنَّف السادس عالميًّا عجزَ عن تحقيق أي نصر على حماس والمقاومة؛ بل العكس هو الذي حدث؛ حيث انتصرت حماس سياسيًّا وميدانيًّا، ولو كان العرب سلَّحوا حماس والمقاومة بـ1% من الترسانة التي في حوزة الجيش الصهيوني لكانت الهزيمة ساحقةً ماحقةً.
وإذا حاولنا رصد أهم ما كشفت عنه الحرب على المستوى العربي لخلصنا إلى عدة نقاط:
1- إعلان عجز النظام العربي عن القيام بأي دور لإنقاذ حرب الإبادة التي يشنُّها الصهاينة ضد الشعب الفلسطيني الأعزل رغم ما يملكونه من وسائل ضغط؛ بدءًا بالأموال العربية في بنوك أمريكا والدول الأوروبية في ظل الأزمة المالية العالمية، وانتهاءً بالبترول والغاز والمقاطعة.
2- ارتباط مصالح الحكام بالمصالح الأمريكية أو الغربية، وهو ما أدى إلى التضامن العربي ولكن ضد حماس ومع الكيان الصهيوني؛ وذلك لدرجة تحميل المقاومة مسئولية الحرب.
3- عدم وجود اتحاد حقيقي يوحِّد الدول العربية، ولعل ما حدث من الحرص على عدم اكتمال النصاب القانوني لقمة الدوحة وحرص عمرو موس الأمين العام للجامعة على إفشالها إرضاءً لمحور الاعتدال العربي يوجب إعلان وفاة جامعة الدول العربية، ويتم البحث عن آلية للوحدة.
4- كشفت الحرب عن فشل العرب في إدارة الأزمة حتى على المستوى السياسي والدبلوماسي، ويكفي صدور تصريحات سياسية على مستوى الرؤساء ووزراء الخارجية العرب تصبُّ في صالح الكيان الصهيوني.
ويكفي أن نشير إلى تصريحات وزيرَي خارجية مصر والسعودية؛ الذين أعطوا مبرِّرًا للكيان الصهيوني؛ بدعوى أن حماس هي السبب، كما أن المبادرة المصرية لم توفر الحد الأدنى المطلوب لكرامة الشعب الفلسطيني والمقاومة.
5- كشفت الحرب حاجة الشعوب العربية إلى إعلام وصحافة حرة، وخاصةً فيما يسمَّى بدول الاعتدال العربي، ولولا قناة (الجزيرة) و(الأقصى) وغيرهما من وسائل إعلامية حرة لشاهد وقرأ المواطن العربي تغطيةً إعلاميةً منحازةً للكيان الصهيوني، ويكفي أن نشير إلى تمسُّك قناة (العربية) بالقول بأن شهداء غزة هم قتلى، كما أن صحفًا سعوديةً ومصريةً- مثل (الشرق الأوسط) و(الجمهورية) كانت أقلَّ موضوعيةً في تحقيق الحرب من (يديعوت أحرونوت) نفسها.
كما وضح سرّ تمسُّك الحكومة المصرية بأن تمنح تراخيص الفضائيات الخاصة لرجال أعمال الحزب فقط؛ حيث تحوَّلت قناتا (دريم) و(المحور) إلى الخطاب شبة الرسمي؛ بل أذاعت (دريم) برامج تستعدي الشعب ضد المقاومة، كما حدث ذلك مع بعض الصحف الخاصة التي تدعي الاستقلالية؛ حيث نسيت حكاية الاستقلالية مثل (المصري اليوم)، وتحوَّلت في أخبارها وتقاريرها ضد المقاومة؛ لدرجة أنها قامت بعمل حوار مع عادل إمام فقط ليهاجم حماس.
6- ومما تكشَّفت عنه الحرب ضد غزة هو وجود محور إسلامي عربي؛ يمكن أن يقوم بدور لتعويض غياب دور جامعة الدول العربية، ونذكر هنا الدور التركي الذي كان أفضل من الدول العربية بخلاف دول إسلامية أخرى مثل إيران واندونيسيا والسنغال، والتي تؤكد أن الوحدة الإسلامية أعم وأشمل من القومية العربية.
7- وأخيرًا.. كشفت الحرب ضد الشعب الفلسطيني الأعزل عن محور قمة الدوحة؛ الذي رغم تحركه خلال الربع ساعة الأخيرة إلا نتائج هذه القمة كانت أفضل من قمة عربية مكتملة النصاب، ومنها قرار قطع قطر وموريتانيا علاقاتيهما مع الكيان الصهيوني ووجود صندوق لإعمار غزة، وسوف تكشف الأيام القادمة عن خبايا أخرى للعدوان على غزة.