لما كانت مصر هي الطرف الآخر في المعادلة مقابل "إسرائيل" في قضية غزة، فقد ارتبط مصير غزة دائمًا بموقف مصر من "إسرائيل".

 

ونظرًا للخطورة الفائقة لموقف الحكومة المصرية على أمن مصر القومي وعلى مصالح المجتمع المصري ومشاعره تجاه فلسطين، فإن إحراق غزة على مرمى ومسمع من الحكومة المصرية دون أن تحرك ساكنًا قد أثار أسئلة عديدة تستحق أن تطرح على الأقل في التأريخ في هذه المرحلة لهذا الحدث الفظيع.

 

لم يصدق المجتمع المصري أو العالمي أن مصر قد تواطأت على هذه المجزرة المستمرة لأكثر من أسبوعين في غزة، مثلما لم يصدق أن مصر عاجزة عن التأثير على القرار "الإسرائيلي" أو على الفعل "الإسرائيلي".

 

ويبدو أن الأمور المدهشة قد تجاوزت العد، فبقدر ما أحزننا وأحرجنا الموقف المصري الذي يدعونا في هذه المقالة إلى التحليل العميق أدهشتنا خمسة أمور بالغة الأهمية. الأمر الأول هو صمود المقاومة الفلسطينية ذات الإمكانات المحدودة والإيمان غير المحدود، والرجولة الفائقة أمام عدو انفرد بها تمامًا وظاهرته الدول الأوروبية والولايات المتحدة والسلطة الوطنية.

 

والأمر المدهش الثاني هو حالة الذهول التي تنتاب أبناء غزة مما يحدث لهم، ومما يصدر عن مصر من تعليقات.

 

الأمر المدهش الثالث هو هذه البربرية التي أظهرت "إسرائيل" على أنها كتلة شيطانية مهمتها الأساسية عولمة الشر، ولذلك فإن لما بعد غزة ما بعدها في هذا المقام. وأما الأمر المدهش الرابع هو أن مقولات الغرب عمومًا حول حقوق الإنسان والديمقراطية والقيم النبيلة والسلام والاستقرار والإرهاب كان قناعًا سقط إلى الأبد، ولا بد أن تعلم الأجيال القادمة أن الشرق شرق وما دخل عليه غريب، والغرب غرب وما دخل عليه مريب، وأن الصراع بينهما صراع على البقاء. يتصل بهذه النقطة أن الوهن قد أصاب حكام العالم العربي، ففقدوا كل شرعية لهم بعد أن فقدوا شرعية الاختيار وشرعية البقاء، وأصبح على الشعوب العربية أن تتكتل لكي تبحث لها عن جبهة لإدارتها وخدمة مصالحها، حيث سقط آخر أقنعة الحكام في العالم العربي.

 

ولعلي أذكر القارئ بأن النظم العربية كانت تستمد شرعيتها من أنها تدافع عن القضية الفلسطينية التي أسموها قضية العرب الأولى، وثبت أن كل ذلك خداع للشعوب، بل الأدهى أن هؤلاء الحكام تملصوا من الحكم الديمقراطي بحجة انشغالهم في الصراع مع المشروع الصهيوني، فإذا هم يتفرقون أمامه بل يقع بعضهم في أحابيله، ولا أظن أن تورط هذا البعض له مخرج، بعد أن نسج المشروع حولهم شباكًا لا يستطيعون الإفلات منها.

 

وأما الأمر المدهش الخامس فهو أن يظن البعض في فلسطين أن إحراق غزة خير من بقائها تحت حكم أحد الفصائل، وهم يعلمون جميعًا أنهم مستهدفون.

 

أما الأسئلة التي تتقافز إلى الذهن حول الموقف المصري فإنها لا تقع تحت حصر، ولكن أهمها يتصل مباشرة بوقائع هذا الموقف.

 

والسؤال الأول هل تواطأت مصر مع "إسرائيل" على إبادة سكان غزة تحت عنوان القضاء على حكم حماس، وهل تصمد الأدلة صمود المبررات والذرائع لتبرير هذا الموقف؟، أم أن مصر تريد إنقاذ سكان غزة بقطع النظر عن نظامها السياسي ولكنها تعجز عن ذلك، إما خشية من "إسرائيل"، وإما إشفاقًا على مصالح مصرية مهمة يجب ترجيحها على أي مصلحة للشعب الفلسطيني، حتى لو تعلقت ببقائه على قيد الحياة؟.

 

والسؤال الثاني لماذا تصر الحكومة المصرية على مواقف ويصر بعض كتبتها في الصحف القومية على الدفاع عنها، كما يصر رئيس مجلس الشعب على أن الوطنية الحقيقية هي مساندة موقف الحكومة، فهو يعلم أن الوطنية كالحرية والديمقراطية وغيرها من القيم التي توظف في كل مناسبة وأن أحدًا لا يملك أن يوزع كبونات الوطنية، كما أن هناك مسافة كبيرة بين مصر الوطن ومصر الحكم والنظام، ولا أظن أن هذه المؤسسات تقترب كثيرًا من مصر الوطن.

 

السؤال الثالث أيهما أصدق في التعبير عن المصالح المصرية: موقف الحكومة أم موقف الشارع المصري، الذي يستجيب لدواعٍ تلقائية هي مزيج من الأصالة والإنسانية والوطنية الحقة، وهل يصل العقل والحكمة بموقف الحكومة إلى حد تجاهل هذه المعركة التي يروح ضحيتها بعض المصريين دون أن تحرك مصر ساكنًا؟.

 

السؤال الرابع ما هي المصلحة الحقيقية التي يحققها موقف الحكومة لمصر، كما يردد كتبتها الذين يعرفون جيدًا أن أقلامهم في خدمة هذا الموقف مهما كانت المسافة بين هذا الموقف ومصلحة الوطن الحقيقية، ويعرف المجتمع المصري بسليقته أن الحسابات السياسية للحكومة لا يجوز مطلقًا أن تغفل عن أن غزة قد احترقت، وأن مصر حتى دون أن تدري قد ساهمت لسبب أو لآخر في تمكين "إسرائيل" من إحراقها؟.

 

والسؤال الخامس إذا كانت الحكومة قد قررت إحكام الحصار على غزة بهدف قومي فهل تعتقد أن إحراق غزة يساهم في بناء الأمن القومي المصري، وإذا كان ذلك عندها صحيحًا أفلا تلاحظ تهافت الذرائع والمبررات أمام هذا الهدف العملاق؟.

 

يبدو أن الحكومة تتقدم على الشعب المصري بسنوات من الفهم والإدراك، وأن عبقريتها وضعتنا في حالة من الدوار فلا تريد أن تصدق أن مصر تآمرت لغير مصلحة مصرية أو حتى تآمرت جدلاً لمصلحة مصرية.

 

أما السؤال السادس فهو كيف تنظر الحكومة إلى جرائم "إسرائيل" وإلى الشعور العام، لأن السلام مع هذا الشيطان ضرب من الجنون، وأن إحراق غزة قد أحرق معه كل مبرر لأي علاقة ودية مع هذا العدو.

 

ونحن نرى أن "إسرائيل" هي عدونا الأبدي وأنها تسعى دائمًا للإضرار بمصر وإهانتها، فهل غيرت الحكومة البوصلة وتسعى إلى أن يسير شعبنا وراءها؟، أم أن الشعب هو الذي سوف يصحح للحكومة بوصلتها؟، هذا هو التحدي الذي سوف يواجه الحركة الوطنية المصرية في المرحلة القصيرة المقبلة.