الصورة غير متاحة

 جمال ماضي

غزة التي انطلقت بها الحناجر في كل مكان، وعلى كل لسان في هذه الأرض، من مشرقها إلى مغربها، وبصمودها انتصرت، بدمائها انتصرت، بعزتها انتصرت، بصبرها انتصرت، بمقاومتها انتصرت، فلماذا كان الانتصار حليف غزة؟

 

ولهذه الأسباب انتصرت غزة:

 

أولاً:

آلة الحرب الصهيونية والإرهاب الإجرامي، رغم القصف الجوي والبري والبحري، غير المسبوق، لم تستطع إلى الآن الدبابات، في الاجتياح البري بمراحله الثلاثة، أن تدخل إلى المناطق المأهولة بالسكان، لأنها فوجئت بمقاومة باسلة ذكرتهم بالأيام السوداء، في حرب لبنان 2006، وبذلك فقد فشلت في حربها البرية!.

 

ثانيًا:

 أطلقت المقاومة قذائف من نوع هاون، وأخرى مضادة للدروع من نوع (آر بي جي)، في حين استخدم جيش الاحتلال الصهيوني الفلسطينيين كدروع بشرية، لإجبار المقاومة على عدم التعرض للقوات الصهيونية، ولكنها قوبلت ببسالة المقاومة المعجزة والآية، والتي أرغمتهم على التراجع في كل مرة، وبذلك فقد باءت بالفشل!.

 

ثالثًا:

استخدمت القوات الصهيونية القنابل الفسفورية المحرمة دوليًّا، وقامت بإحراق المنازل والبشر والحجر، وارتفع عدد الشهداء، لإثبات أنهم قد انتصروا، وتوهموا أن العالم قد فهم رسالتهم، ولكن ما فهمه العالم، بما فيهم بعض حاخاماتهم، أنها مذبحة انصبت على الأطفال والنساء والمسنين، فازدادوا فشلاً، ففي كل يوم من يوميات المذبحة كان إعلانًا لانتصار غزة، وإعلانًّا حقيقيًّا للفشل!.

 

رابعًا:

وتعددت الأهداف الصهيونية، وفي كل يوم كان يظهر لنا هدف جديد، ثم فجأة تآكلت كل هذه الأهداف، حتى انتهت إلى منع تدفق السلاح إلى غزة، وعدم وصوله للمقاومة، ووقف التهريب، وذهبت حكومة الصهاينة إلى أمريكا، ومن جانب واحد، لوقف النار، معتبرة أن العرب وعلى رأسها مصر لا شيء، ولا قيمة لهم، وهذا دليل جديد على فشل الصهاينة، في تحقيق أي هدف من أهدافهم، حتى على حلفائها الذين ظلوا ثابتين على اتهام المقاومة، ثم أعلنوا مؤخرًا أن الصهاينة لن يقضوا على المقاومة!.

 

خامسًا:

ونزل مدد السماء رغم القصف، كما روى أبو عبيدة من الميدان: حينما اتجهوا إلى الله يدعونه، أن يهيئ لهم من أمرهم، وينزل عليهم جندًا من السماء، يقول: فإذا بضباب يملأ المكان، ويدخل المقاومون في سلاسة عجيبة بين الجنود الصهاينة، لزرع العبوات الناسفة بينهم، ثم يعودون بسلام، بعد قتل وجرح عدد من الصهاينة، وهذا ما اعترف به جنود الاحتلال من رؤيتهم لأشباح يواجهونهم فجأة، يقصدون بذلك رجال المقاومة!.

 

سادسًا:

الرعب الذي وصل إليهم من أفراد المقاومة، حتى ولو كان واحدًا، وهذا ما اعترف به إعلام العدو رغم تعتيمهم، وهي بسالة غير مسبوقة، في مشهد أحد رجال المقاومة الذي واجه بسلاحه الفردي، مجموعة من الجنود الصهاينة، حتى أرداهم بين قتيل وجريح، ثم أسر جنديًّا منهم، إلا أن صاروخًا أطلق عليه ومعه الجندي الصهيوني، وكان البطل في هذا المشهد هو الرعب، في قلوبهم، والمسيطر عليهم، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نصرت بالرعب عن مسيرة شهر"!.

 

سابعًا:

هذه الدقائق الغالية، رغم القصف المستمر المجنون، ورغم استقبال الموت في أي لحظة، لك أو لأبنائك أو لزوجتك، أو لأبيك أو لأمك، أو لأخيك أو لأختك، أو لأصدقائك أو أحبابك، هذه الدقائق الغالية من الليل، وما فيها من سهام الليل المتيقظة، فقد كان الرجال يجاهدون مع المقاومة، والأسر والعائلات في بيوتهم، يتجهون إلى ربهم بالدعاء والصلاة والمناجاة والتهجد، بقلوب واثقة في نصر الله للمجاهدين، وحمايتهم من الإجرام والمذابح المجنونة، فانتصرت القلوب مع ربها، فسهام الليل لا تخطئ أبدًا، وهي أقوى من الصواريخ والقاذفات والقنابل!.

 

ثامنًا:

دماء الشهداء تصنع النصر، والشهداء هم دليل الانتصار، دماء قادة المقاومة نزار وصيام وكل الشهداء، كشفت عورة العدو، وخيبة المتواطئ، خاصة، بعد فشل المرحلة الأولى، والتي أرادوا منها إسقاط حماس، وتصفية قادة المقاومة، ثم فشل المرحلة الثانية، في أن يأتي عباس رئيس السلطة السابق، على ظهر دبابة لاستلام السلطة في غزة، ثم فشل المرحلة الثالثة من إحكام غلق المعابر خاصة معبر رفح، فوحدت الدماء صف قادة المقاومة، على قلب رجل واحد، لا يعرف إلا دحر العدو، مما زاد الصهاينة فشلاً على فشل!.

 

تاسعًا:

صواريخ المقاومة التي أرعبت الصهاينة، (جراد والقسام)، وجعلتهم في زلزال دائم، رغم أن الجيش الصهيوني لا يعلن عن خسائره، مما صنعت نجاحًا لمشروع التحرر المقاوم، الذي أعلنه إسماعيل هنية من الميدان، والذي يكتسب في كل يوم تقدمًا، لم يكن يتخيله أحد، وبالتالي فقد ازداد حجم الانتصار، النصر في غزة، والنصر في فلسطين، والنصر في الأمة!.

 

عاشرًا:

حركت المقاومة القضية الفلسطينية، على مستوى العالم أجمع، لعدة أسباب، نجملها في التالي: الثقة العالية للمقاومة في الانتصار، وصمودها رغم الآلة العسكرية الصهيونية، مع تخبط وجنون الجيش الصهيوني، لفشله- منذ اللحظة الأولى للاعتداء- في معرفة مصادر الصواريخ، التي لم تتوقف، وفشله في القضاء على الأنفاق، وتدمير مدارس الأنروا بدلاً منها، وفشله في التوغل إلى غزة!.

 

أحد عشر:

لقد اكتسبت المقاومة شرعية عالمية، وخاصة حماس، رغم عدم رغبة أعدائها في ذلك، وهذا إقرار بالفشل الذي مني به الحصار في تركيع غزة، بل إن هذه الشرعية ازدادت نجاحًا، بعد التفاف الشعب حولها، ليس في غزة فقط، بل في كل أنحاء العالم، وتشهد على ذلك هذه الجنازة المهيبة للشهيد صيام، تحت القصف، ورغم الجراح، ورغم الدماء!.

 

ثاني عشر:

ثقة الشعوب بنفسها، وقدرتها الفائقة على المواجهة والتغيير، والتعبير عن رأيها في قوة غير مسبوقة، مع إظهار هشاشة أنظمتها، وانتهاء أسطورة (إسرائيل المسيطرة والقاهرة والمهددة والمرعبة)، هذه الثقة التي ستعيد من جديد الموازين الشعبية والهبات الإصلاحية، وهذا فشل جديد لم يكن محسوبًا من قبل، تسببت فيه حكومة الصهاينة، لحلفائها دون أن تدري!.

 

ثالث عشر:

جرأة بعض الأنظمة العربية وصحوتها، في التراجع عن مبادرة السلام العربية، ونعتها بأنها قد ماتت، ويقينها بانتهاء زمن الانتصارات الصهيونية، مما يؤكد استجابة الأنظمة لصوت شعوبها، وهذا الانتصار المتنامي، يحتاج إلى نهج جديد من تحالف الشعوب مع المواقف الجادة القوية، لخدمة الأمة ضد المؤامرات العالمية، والتصدي الجاد للمشروع الأمريكي الصهيوني!.

 

رابع عشر:

هذا الحراك الشعبي والإسلامي والإنساني، في التعاطف مع غزة، والتمرد على الصهاينة، ويقينها بملامح النصر التي لاحت تحت القصف، من: حرب الصهاينة لبيوت الله بعد تدمير 15 مسجدًا، ومن فشلها في تدمير المقاومة، ونجاح حماس في السيطرة الأمنية بعد ضرب المراكز الأمنية، ووصول الصواريخ على بعد 20 كيلو مترًا من ديمونة، وصمود أهل غزة رغم الأسلحة المحرمة، والانتصار الإعلامي عن طريق قناة "الجزيرة"، وإسلامية القضية وتوحيد الأمة، وأخيرًا الملمح القوي للنصر افتضاح المنافقين والعملاء والخونة!.

 

خامس عشر:

إحياء الأمة، وقد أطلق الله عليه: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة: من الآية 72)، قالها الله تعالى عن أصحاب الأخدود، الذين تعرضوا لإبادة جماعية، بتعرضهم لمحرقة حقيقية قاسية، وغزة بصمودها وصبرها وحبها للاستشهاد، أحيت معنى الأمة الواحدة، وقد أكد ذلك أولمرت في (الحديث الكاذب)، فمن قوله: (ضربة قاسية لحماس)، فهل هي ضربة للأطفال والنساء والمسنين والحجر والمدارس والمستشفيات؟ ثم تحيته عن: (تضحية جنوده الاحتياطيين)، فلماذا التعتيم عن الخسائر؟، وإشادته بجبهته الداخلية، فلماذا اختبئوا تحت الأرض؟، ثم إعلانه على أنه كان يواجه.

 

(القتلة في غزة)، فهل القتلة هم أكثر 1200 شهيد وأكثر من 5000 جريح، نصفهم من الأطفال والنساء؟، ثم أنهى إعلانه بأنه فشل في الحصول على شاليط؟، وبذلك أقول: إن أولمرت أعلن عن انتصار غزة، فهنيئًا لأهلنا بالشهداء والجرحى والجنة والانتصار!.