كنا نتابع بأعيننا ما يجري في غزة من أحداث يشيب لها الولدان من نافذة صغيرة نطل على العالم أجمع فرأينا وشهدنا على القتل المروع للأطفال الصغار والنساء والفتيان والفتيات والرجال وذرفنا من الدموع ما يكفي غسلاً للجميع، وبدأ موكب الشهداء فحبسنا أنفاسنا وبكت القلوب مع العيون وسلطت الكاميرا على أم أحد الشهداء وكانت المفاجأة فقد رأيناها وهي تزغرد نعم تزغرد أنصتت آذاننا لتتيقن ما رأت أعيننا.

 

امرأة صامدة واثقة من وعد الله ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ.....﴾ (آل عمران).

 

حففنا دموعنا بعزة وقد تذكرنا قول أبو المظفر:

مزجنا دمانا بالدموع السواجم               فلم يبق منا عرضة للمراجم

وشر سلاح المرء دمع يريقه                إذا الحرب شبت نارها بالصوارم

خفا إن الدموع والحزن يكاد يفتك بنا ونحن مكتوفي الأيدي عديمي الحيلة، فسبحان الله لماذا نحن هنا نتفرج ولا نشارك إخواننا؟

وبدأت السنوات المنصرمة تتكالب على أفكارنا وأخذنا نتساءل لماذا فلسطين وحدها؟ وحاولنا أن نمسك بطرف الخيط الذي أدَّى إلى هذا الوضع إخواننا يموتون في ميدان الشرف لنا سبب في منظومة كبيرة لعدة أسباب فنحن منذ الصغر نتربى على الأنانية، ففي الوقت الذي يقول فيه خالقنا ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: من الآية 10).

 

نجد أنه حتى الأمثلة الشعبية المتداولة بيننا تقول غير ذلك ومثلاً:

"يا روح ما بعدك روح"

"اتغدى بيه قبل ما يتعشى بيك"

"أنا وبعدي الطوفان"

"اللي يعوزه بيتك يحرم على الجامع"

"كُلها نَيَّة قبل ما غيرك يأكلها مستوية"

أمثلة غريبة ولكنها نمت وترعرعت بيننا.

فنجد الإنسان اهتمامه بنفسه يحوز جل أوقاته ولو على حساب مصالح وحقوق الآخرين فتفرخ عن ذلك ما نرى من أبناء لا يزورون آباءهم وأمهاتهم فكل الاهتمام منصب على نفسه والزوجة والأولاد وقد أصبح لا يستفيد كثيرًا من والديه فليكون نصيبهم الإهمال ونرى الزوجة تريد زوجها ملكًا خالصًا لها فنجدها تعادي أهله والزوج باسم حقوقه يحرم زوجته من حقوقها والأم التي تريد الاستئثار بحب ابنها يدعوها ذلك إلى ظلم زوجته ونجد أحدهم مستمتعًا باستنشاق سيجارته ولا يهم أن زوجته وأولاده وأصدقاءه ووالديه يصيبهم الأذى من ذلك لا يهم على الإطلاق.

 

وعلى مستوى المؤسسات نجد أن الكثير منها تطغي فيه المصلحة الشخصية دون المصلحة العامة، فالأغلب يبحث عن العمل الأقل والأخف ولو على حساب معاناة وتعب الآخرين لا يهم المهم إنهم مرتاحون، وبالطبع هذه الأنانية تجلب الحقد بين أفراد المؤسسة الواحدة وتولد الخصومة والأناني لا ينال تقدير أي من المحيطين به.

 

وعلى مستوى الجماعات والأحزاب كل فئة تتصور أنها الأفضل والأميز مع أن اختلاف الأدوار من مقتضيات الخلق، فلو كان أحد يؤدي دوره ليس معنى ذلك أبدأ أن الآخرين لا يؤدون أدوارهم.

 

فمثلاً كان على إحدى الفضائيات شيخ جليل يتكلم عن الدعاء وأهميته وعلينا أن ندعو لأهل غزة وما إلى ذلك، وكان على التليفون كمداخلة أحد الأفاضل الذي لام على الشيخ لومًا شديدًا أنه قد اكتفى بالدعاء ولم يفعل شيئًا وويله بين يدي الله، وبالطبع الشيخ أخذ يدافع عن نفسه، وانتهت الحلقة ونحن نضرب كفًّا بكف فلنترك كل فردٍ يُعبِّر عن قدراته وإمكانياته ولا يعيب أحد على أحد، وكل مَن استطاع أن يقوم فليتقدم بدلاً من الخلاف الذي لا نجني منه إلا الشقاق، ولنفرض أن هذا الشيخ الجليل ضعيف ولا يملك إلا الدعاء وهو أضعف الإيمان كما نعلم، فلماذا نريد أن نحرمه منه وندخله في دائرة أكبر من قدراته وإمكانياته فنكون فتنة.

 

فعلينا أن نغير في ردود أفعالنا على كثير من الأمور ،علينا أن نتدرب على العطاء كما تدربنا على الأخذ، نبر آباءنا ونصل أرحامنا ونعود مرضانا ونُكرِّم فقراءنا ولا نبتغي من أحد جزاءً ولا شكورًا، بل نبتغي بصدق مرضاة الله، ونُعلِّم أولادنا أن يعيشوا بروح الفريق ونجعل لكل فردٍ مسئولية ولا يكون العبء كله على الوالدين وقد اعتاد الأولاد على الأخذ فلا يمكنهم بعد ذلك العطاء لا للوالدين ولا لأحد، ومن هنا سمعنا عبارات عجيبة في حرب غزة، مثل: لماذا نُحارب؟ وما شأننا نحن بأهل غزة فهم يدافعون عن أرضهم؟ لماذا وقفت المقاومة أمام إسرائيل فلتتحمل وحدها لو أطاعوا ما قتلوا؟.

 

وهذا نتاج هذه الأنانية التي تحدثنا عنها فلندرك هذا الجيل قبل فوات الأوان فيروى عن ابن شبرمة أنه قضى حاجة كبيرة لبعض إخوانه فجاءه بهدية فقال ابن شبرمة ما هذا؟ قال أخوه: لما أسديته إلى من المعروف قال: خذ مالك عافاك الله إذا سألت أخاك حاجة فلم يجهد نفسه في قضائها فتوضأ للصلاة وكبر عليه أربع تكبيرات وعده في الموتى.

 

علينا أن نصل لهذا المستوى الراقي في التعامل نحاول أن نتعاون مع الآخرين بدون الالتفات إلى المصلحة التي ستعود علينا مباشرة من ذلك، وببعض التدريب وقهر النفس على العطاء سينطبق علينا بإذن الله حديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى".

 

وعندها سينصر بعضنا بعضًا ويؤازر بعضنا بعضًا وسنتخلص من ذل الخذلان وألم الانكسار ومشقة الضعف ولن يسلمه عندها، سنعيش بروح الجماعة وما أجملها من عيشةٍ تهدأ فيها النفوس وتهنأ الخواطر وتسعد البشرية، فلننصر غزة وأهل غزة ولننصر كل فلسطين وكل بقعة من بلاد المسلمين.