قال صديقي النبيه: أليس من التعصب المبالغ فيه أنك تُصدِّق كل بيانات كتائب القسام وفصائل المقاومة عن سير المعركة في غزة حتى لو أكد العدو نفيها، وتُكذِّب دائمًا كل بيانات الصهاينة حتى لو قدموا أدلةً لإثباتِ ما يقدمونه من بيانات؟ هل لأنك تحبُّ المقاومة وتتمنى انتصارها تُصدِّق كلَّ ما تبثه مكاتبها الإعلامية عن خسائر العدو الصهيوني وعن انتصارات ميدانية تحققها؟ ثم تابع القول: أخشى أن نفاجأ ذات صباح أو مساء بأننا كنا نصدق ما كنا نتمنى حصوله؛ لا ما كان حاصلاً بالفعل!.
قلتُ لصديقي: لقد ذهبتُ بعيدًا في ظنونك، وجاوزت الحقائق الثابتة بتخوفاتك، فأنا لا أميل لتصديق بيانات المجاهدين والمقاومة لمجرد العاطفة، بل بناءً على قواعد راسخة وضوابط ثابتة لقبول الأخبار وردها، ومنها:
أولاً: فرض الصهاينة حظرًا كاملاً على نشر أية أخبار سوى ما يبثونه عبر الرقابة العسكرية، وقد سمعتُ مراسل إحدى القنوات وهو يقول: لو أنني شاهدتُ بعيني جثث جنود قتلى لا يمكنني أن أنقل ذلك إلا إذا جاء الخبر عن الرقابة العسكرية، فإذا كان المراسل الشاهد لا يُمكنه أن ينقل مشاهداته، فما بالك بما قد يحصل عليه من أخبار من مصادره!.
وهذا من أوضح الأدلة على أن آلة الدعاية العسكرية الصهيونية لا تُقدِّم إلا الأخبار المفبركة والمختلقة، ولا تقدم صورةً واقعيةً عمَّا يجري في الميدان، ويؤكد هذا بمنتهى الوضوح: ما تردده بيانات الصهاينة منذ الأيام الأولى للعدوان الهمجي المجنون من أن الجيشَ النازي قد أصبح قاب قوسين أو أدنى من إنهاء الحرب وتحقيق أهدافه وأنه دمر القسم الأكبر من قوة المقاومة، وأنه قتل أعدادًا كبيرةً من المجاهدين... إلخ، كل هذا في الوقت الذي تظهر فيه وقائع الميدان ويبصر العالم ويسمع أن الصهاينة وعلى مدى عشرين يومًا من الحرب المجنونة وثلاثة عشر يومًا من الهجوم البري لا يغادرون مواقعهم ليتقدموا عشرات الأمتار إلا ويرجعون على أعقابهم ناكصين، ولا نرى في الشهداء غالبًا إلا الأطفال والنساء والمسنين والمسعفين وقليلاً من المجاهدين، فإذا جاء الحديث عن خسائر الصهاينة لم نسمع من آلة الدعاية الصهيونية إلا الإنكار وعدم الاعتراف إلا بقليل من الإصابات، فهل يمكن لنا بعد هذا أن نُصدِّق شيئًا من بيانات الكذب والتضليل الصهيونية؟!.
ثانيًا: في الوقت الذي يقوم فيه الإعلام العسكري الصهيوني بالتعتيم والتضليل والرقابة الصارمة التي تمنع وكالات الأنباء من نقل الحقائق والوقائع؛ فإنه يُتاح لكل أجهزة الإعلام نقل كل ما يجري على الأرض في غزة، مما يؤكد صدق بيانات المجاهدين ويكذِّب كل ادعاءات الصهاينة، وها نحن نرى القائمين على المؤسسات الإغاثية الأممية والعاملين فيها يُكذِّبون علنًا وبمنتهى الوضوح ما تدَّعيه آلة الحرب الدعائية الصهيونية من تجنب استهداف الأطفال والنساء، وما تزعمه من وجود المجاهدين في المؤسسات الأممية التي تقوم آلة الحرب المجنونة بقصفها، فأيهما نصدق إذًا؟ هل نصدق مَن يسمح بنقل الحقائق على الأرض؟ أم نصدق مَن يمنع نشر أي شيء غير ما يختلقه ويفبركه من الادعاءات؟!.
ثالثًا: ليس لدى المجاهدين ما يخفونه، فهم لا يجدون حرجًا في الإعلان عن استشهاد قادة أو جنود المقاومة، فذلك عنوان شرف للشهيد، وهو إلهاب لمشاعر باقي المجاهدين الذين حملوا أرواحهم على أكفهم وخرجوا يلتمسون الشهادة أو النصر، شعارهم قول الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَتَربَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ اللهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ (التوبة: 52). يعني: هل تنتظرون بنا إلا إحدى الخصلتين الحسنيين: إما النصرة أو الشهادة، وكلاهما مما يحسن لدينا، ونحن ننتظر إحدى المساءتين لكم: إما أَن يُصِيبَكُمُ الله بقارعةٍ نازلةٍ من السماء، فيسحتكم بعذابه، أَوْ بعذابٍ لكم بِأَيْدِينَا، بإظهار الله لنا ونصرنا عليكم.
أما الصهاينة فهم يخشون الإعلان عن قتلاهم وخسائرهم لما يسببه ذلك من الإحباط في صفوف قادته وجنوده وشعبه، فهم أحرص الناس على حياة، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنْ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96)﴾ (البقرة).
ولهذا فلا عجبَ أن تكون بيانات المجاهدين صادقة وبيانات الصهاينة مضللة كاذبة.
رابعًا وأخيرًا: فإن الكذبَ وإخفاء الحقائق من صفات اليهود وخصائصهم المعروفة، فهم أصحاب جرأة تصل إلى حدِّ الوقاحة في إنكار الحقائق الثابتة، ألم ينكروا أن الله أنزل كتبًا على رسله حتى أنكروا في وقاحةٍ أن يكون أنزل التوراة على موسى، فقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، قال: جاء رجلٌ من اليهود يقال له مالك بن الصيف، فخاصم النبي- صلى الله عليه وسلم-، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجد في التوراة أن الله يبغض الحَبْر السمين؟"، وكان حبرًا سمينًا، فغضب وقال: والله ما أنزل الله على بشرٍ من شيء، فقال له أصحابه: ويحك ولا على موسى؟ قال: ما أنزل الله على بشرٍ من شيء، فنزلت: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلْ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91)﴾ (الأنعام).
وكذلك حرصوا على إخفاء وتغيير كثير مما افترض الله عليهم في كتبه، ومما يفضح حقيقتهم ويكشف خبثهم، كآية الرجم وصفة النبي- صلى الله عليه وسلم- في التوراة وقصة أصحاب السبت الممسوخين قردةً وغير ذلك، قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15)﴾ (المائدة).
ومن أوضح قصص التغيير والتحريف: ما أخرجه الشيخان عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلاً مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ؟" فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبْتُمْ، إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ، فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا، فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ، فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَالُوا: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ، فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ. فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَا، وفي رواية أن حَبْرَهم قال : يَا مُحَمَّدُ إِنَّ عَلَيْهِمَا الرَّجْمَ، وَلَكِنَّا نُكَاتِمُهُ بَيْنَنَا.
وآيات القرآن وأحداث السيرة مليئة بما يكشف هذه الطبيعة الملتوية الكذوبة، فهل نصدقهم بعد هذا التوضيح القرآني المبين.
إن الصهاينة اليوم يقصفون مقرات الأمم المتحدة التي تنسق معهم وتعطيهم إحداثيات مواقعها، ثم تكذب وتقول: إن المسلحين يحتمون بها، وتكذبهم تقارير الأمم المتحدة، فيعتذرون ويتعهدون بعدم تكرار (الخطأ)، ثم لا يلبثون أن يعودوا لقصف تلك المقرات، ليثبتوا يومًا بعد يوم أن الكذب خصيصة من خصائص هذه الفئة الملعونة.
وها هم يستهدفون وكالات الأنباء والفضائيات التي تنقل الصورة من داخل غزة؛ حتى تتمكَّن من إخفاء جرائمها، ولا يرى العالم غير الصورة التي يريدون هم تقديمها للعالم؟ فهل يمكن لعاقلٍ بعد ذلك أن يُصدِّق بيانات الصهاينة أو أن يستقبلها بغير الشك والريبة؟!
أسأل الله أن يُعجِّل بنصر المجاهدين ودحر الصهاينة المعتدين.
-------------
* أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر