التساؤل الذي يلحُّ على الجميع الآن في ظل السباق المحموم بين الفرقاء الذين تكاثروا في الساحة الفلسطينية؛ يدور حول ماذا بعد غزة؟ وإلى أين ينتهي هذا المشهد الدامي الذي استمرَّ أكثر من أسبوعين؟!

 

يمكن تصوُّر المشهد الفلسطيني بعد غزة وفقًا لرؤى وآمال الأطراف المختلفة.
أما الرؤية الصهيونية فتتمنَّى أن تُكمل إحراق غزة، وأن تقضيَ على الجناح العسكري للمقاومة، وأن تفرض تسويةً للوضع لتكون نهائيةً؛ قوامها أن المقاومة لم تَعُد جزءًا من المشهد الفلسطيني، وأنه لذلك يجب أن تتعاون مصر تعاونًا مخلصًا مع الكيان الصهيوني لمنع التواصل بين غزة ومصر؛ حتى لا تعود المقاومة مرةً أخرى؛ بحيث يتمكن الكيان من استئناف المشروع الصهيوني، وأن يتمكَّن قادته الجدد من أن يسجِّلوا أسماءهم في سجلِّ الشرف الصهيوني وإنجازاته، خاصةً أن أولمرت لم يتمكَّن من أن يُحقِّق ذلك في لبنان؛ ولذلك مُنحَ فرصةً في ساحة مواجهة أيسر.

 

تقوم الرؤية الصهيونية أيضًا على مواجهة ما بعد غزة من النواحي القانونية والإنسانية، وربما ساهم الكيان الصهيوني في إعادة إعمار غزة، وهو يدرك أن حماس الشوارع العربية والأجنبية ينطفئ بانتهاء الأحداث، وأن القلوب المكلومة تتحوَّل بتحوُّل المشاهد، ويشعر الكيان بالأمان التام من أية مطاردة قانونية، ما دام الغرب يسانده والعرب يزدادون خشيةً منه وتملَّك الرعب قلوبهم؛ تنفيذًا لنصيحة جابو تنسكي (من آباء الصهيونية) الذي توقَّع أن إصرار الكيان الصهيوني على قمع المعارضين للمشروع والمقاومين له يدفعهم إلى الاستسلام، وربما إلى المشاركة فيه، رغم أنه يقتلع جذورهم في نهاية المطاف.

 

وقد يسلِّم الكيان الصهيوني قطاع غزة إلى السلطة الوطنية الفلسطينية التي تستعجل ذلك، ولكن هذه السلطة يجب أن تدفع تكاليف إخضاع غزة للسلطة، ويكون ذلك بموافقة السلطة على اتفاق سلام مع الكيان يُنهي القضية الفلسطينية.

 

ويعتقد الكيان الصهيوني أن إنهاء القضية على هذا النحو يُقدِّم خدمةً أيضًا لمصر؛ التي تشعر بأن عدم تسوية هذه القضية بأي شكل يدفعها إلى لحظة الخيار بين التضامن مع الشعب الفلسطيني أو التفاهم مع الكيان الصهيوني، وقد اختارت مصر دائمًا تفهُّم الموقف الصهيوني.

 

الاتجاه الثاني يرى أن القضاء على الجناح العسكري للمقاومة بهذه الطريقة الوحشية قد جعل صمود المقاومة الأسطوري وتقاعس الدول العربية أو تفهُّمها واشتعال الغضب الشعبي المؤيد للمقاومة؛ لن يؤثر في الحساب الختامي في المستقبل، إذا انتصرت المقاومة كفكرة وكتيار ضد تيار الخضوع والاستسلام، وكانت حركة الشارع العربي والدولي أروع استفتاء على ذلك، ولكن الكيان الصهيوني سوف يحاول فرض أمر واقع على الأرض لا تغيره المعادلات السياسية؛ حتى تمنع سوريا وإيران وحزب الله من استثمار النصر السياسي الكاسح للمقاومة.

 

وربما يعمد الكيان الصهيوني في سياق ذلك إلى التخلِّي عن أبو مازن وسلطته مع انتهاء وظيفته وسبب بقائه، ثم الاعتراف بحماس وإبرام اتفاق هدنة طويلة معها يسمح بالتعامل بين الطرفين، ويمنع أية مقاومة أخرى ضد الكيان؛ مما يضع حماس مكان أبو مازن، وبما يؤدي إلى إزالة عقبة المقاومة من طريق المشروع الصهيوني.

 

هذه الرؤية قد يسعى الكيان الصهيوني إلى تحقيقها ما لم تتمكَّن حركة المقاومة من استثمار تيار الشارع المؤيد لها، والذي يُحمِّلها أمانة الاستمرار في المقاومة.

 

هذا الافتراض سوف يؤدي إلى حرب باردة عربية بين المؤيِّدين لإلغاء المقاومة والمؤيدين للمقاومة؛ وبذلك ينجح الكيان الصهيوني في خلط الأوراق العربية والفلسطينية، أما تعقب الكيان الصهيوني قضائيًّا فإنه قد يُترَك لمؤسسات المجتمع المدني.

 

الاتجاه الثالث أن يكون الدم الفلسطيني في غزة ووحشية الكيان الصهيوني درسًا للدول العربية؛ بحيث تستعيد وعيها في مواجهة الكيان، وتعيد تقييم عملية السلام من أساسها، وأن تعود مرةً أخرى إلى نقطة البداية، وهي أن السعي وراء سلام وهم قد أذلَّ العالم العربي ودفع الكيان الصهيوني إلى الاستخفاف به، كما أن السقوط الأخلاقي وسقوط هيبة القوة الصهيونية في المنطقة أمام ميليشيات في لبنان لأكثر من شهر وفي فلسطين لأكثر من أسبوعين؛ يجعل الصراع العسكري مع الكيان الصهيوني أكثر إخلاصًا وعزمًا، ما دام لا يريد السلام، بل يريد تمزيق الجسد العربي والقضاء عليه.

 

إذا حدث وتطوَّر هذا الاتجاه فإن ذلك يُهدِّد وجود الدولة العبرية الغاصبة في فلسطين، خاصةً إذا اقترنت الإدارة العربية بحملة عربية شاملة لمحاصرة الخطر الصهيوني وإخراجه من دائرة الأمم المتحضرة، بعد إدانة المنظمات الدولية له بأنه قد ارتكب جرائم حرب متعددة في فلسطين، وعجز هذا الكيان عن تبرير هذه الجرائم.

 

فأي هذه الاتجاهات الثلاثة سوف تتقدم الاتجاهات الأخرى؟! سوف تختلف الإجابة باختلاف الزوايا التي ننظر منها، واختلاف الصف الذي ننتمي إليه، والمصلحة التي ترتبط بكل تيار.
ولكن الثابت أن كل الدماء التي أريقت في غزة قد كشفت زيف السلام الصهيوني، ومن الصعب أن يقتنع أحد بغير ذلك في المستقبل القريب.

 

ومن الواضح أن الأفكار المصرية وقرار مجلس الأمن والأفكار التركية تهدف كلها إلى أهداف معينة وتنطلق من منطلقات معينة، ولا تتفق إلا في المطالبة بالوقف الفوري لإطلاق النار، ولا أظن أن كل هذه الأفكار لها أهمية كبيرة ما دام الكيان الصهيوني هو اللاعب الأساسي، مدعومًا بجبهة عريضة من الحلفاء والمريدين، وهو الذي يقرِّر شكل ما يحدث في مرحلة ما بعد غزة؛ اللهم إلا حدثت المعجزة فقيَّدت قدرته على القرار.