في هذا العصر (عصر الفتن والملاحم)، يكون الكيان الصهيوني قد قطع 60 عامًا من عمر "إفساده الأول" (1948- 2008).

 

فهل إعلانه لهذه الحرب المدمرة بالطائرات والدبابات والصواريخ وأكثر على قطاع غزة، وتخريب البنية التحتية لمدينة غزة وقتل أكثر من ألف شهيد وأكثر من أربعة آلاف جريح أغلبهم من النساء والأطفال بوحشية فاقت التتار قديمًا والنازيين حديثًا، حيث اكتشفت شعوب العالم العربي أن أغلب حكامها متواطئون مع الكيان الصهيوني، وضد حكومة حماس القائمة في غزة؛ لأنها تقاوم باسم الإسلام وتمثل العالم الإسلامي.

 

هل هي فعلاً "بداية الإفساد الثاني" لبني إسرائيل، الذي وعد الله فيه المسلمين بدخول المسجد الأقصى منتصرين كما دخلوه أول مرة في عهد عمر بن الخطاب، ونهاية هذا الكيان الغاصب؟.

 

المقال، الذي ينشره موقع (إخوان أون لاين) هو بلاغ علمي من نادي الفكر الإسلامي، معزز بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تبين حال الأمة الإسلامية في زمن الإفساد الإسرائيلي، فلنتابع:

 

1- الموقف السياسي العربي

اتفقت "الأنظمة العربية" على موقف "الصمت" المطلق، لاختلاف كلمتها، وعجزها عن عقد قمة عربية لاتخاذ موقف موحد، وانعكس ذلك سلبًا وغضبًا، كرد فعل من شعوبها التي حملتها مسئولية الجرائم التي تقوم بها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، وخاصة من طرف أمهات الأطفال الذين تناثرت أشلاؤهم، والأسر التي تقتل تحت أنقاض بيوتها ليلاً ونهارًا.

 

- وصف الزعيم الليبي معمر القذافي رد القادة العرب على الهجمات الإسرائيلية على قطاع غزة بأنه "جبان"، وقال إنهم لم يدعموا الفلسطينيين سوى بمساعدات إنسانية، أو مناقشة عقد قمة محتملة؟

 

ودعا عالم الدين السعودي البارز عائض القرني المسلمين إلى ضرب المصالح الصهيونية "في كل مكان" ردًّا على هجمات الاحتلال ضد قطاع غزة.

 

- وحذر الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله من أن توسيع الصهاينة رقعة عدوانها على غزة بقيامها بشن عدوان على لبنان مستغلة الفترة الانتقالية في الرئاسة الأمريكية.

 

وقال نصر الله: "إن المقاومة جاهزة لأي عدوان قد تتعرض له لبنان من أي جهة كانت، وطالب نصر الله في كلمته ألقاها مصر بفتح معبر رفح لفك الحصار عن قطاع غزة، ودعا الشعب المصري إلى الخروج بالملايين إلى الشارع لفتح المعبر بقوة.

 

وقال نصر الله في كلمة بثتها شاشة عملاقة أمام الآلاف من أنصاره في ضاحية بيروت الجنوبية: أيها المسئولون المصريون إن لم تفتحوا معبر رفح فأنتم شركاء في الجريمة، شركاء في القتل، شركاء في الحصار، شركاء في المأساة الفلسطينية، وقال متوجهًا للشعب المصري: يجب أن تفتحوا هذا المعبر يا شعب مصر بصدوركم (القدس العربي) 29 ديسمبر 2008م، أول محرم 1430هـ).

 

وقال الأستاذ عبد الباري عطوان في مقاله التحليلي بـ(القدس العربي) المذكور بعنوان: "توحدت الشعوب وتفرقت الأنظمة" ردًّا على الموقف المصري: "إغلاق الحكومة المصرية لمعبر رفح أمام المدنيين هو انتهاك فاضح لكل المعاهدات الدولية التي تشترط بل وتحتم فتح جميع المنافذ الحديدية أمام الهاربين بأرواحهم من أتون الحروب، هكذا فعلت سورية بالنسبة للاجئين العرقيين، وهكذا فعلت الأردن.

 

نريد تذكير السيد أبو الغيط بأن السودان البلد الفقير المعدم استقبل أكثر من أربعة ملايين لاجئ من دول الجوار الإفريقي، بينما وصل عدد اللاجئين الصوماليين إلى اليمن لأكثر من مليون إنسان، لم تسمع مطلقًا أن هذين البلدين أعادا لاجئًا أو أغلقا الحدود أمام مستجير ركب البحر، بحثًا عن الأمان ولقمة الخبز.

 

فأي قيم هذه التي يؤمن بها السيد أبو الغيط (وزير خارجية مصر) ورئيسه عندما يتبجحان بإغلاق الحدود أمام أبناء قطاع غزة، ويهددان بإطلاق النار على كل من يقترب من المعبر بحثًا عن لقمة خبز وعلبة حليب لأطفاله؟".

 

2- الموقف السياسي الإسلامي

حاولت بريطانيا قطع الطريق أمام قيام "الجامعة الإسلامية" التي يقول عنها تقرير لوزير المستعمرات البريطاني (أورمسني غو) بتاريخ 9 يناير 1938: "إن الحرب علمتنا أن الوحدة الإسلامية هي الخطر الأعظم الذي ينبغي على الإمبراطورية أن تحذره وتحاربه، وليس الإمبراطورية وحدها، بل فرنسا أيضًا، إن سياستنا تهدف دائمًا وأبدًا إلى منع الوحدة الإسلامية، والتضامن الإسلامي، وينبغي أن تكون كذلك، معنى السودان ونيجيريا، كما هي الحال في مصر ودول إسلامية أخرى، شجعنا، وبصواب، نمو القوميات المحلية، لكونها أقل خطرًا من الوحدة والتضامن الإسلامي" جريدة (العلم) بتاريخ 7/4/1980، نقلاً عن مجلة (درع الوطن دولة الإمارات العربية).

 

بقوله عليه السلام: "ويل للعرب من شر قد اقترب، فتن كقطيع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويسمي كافرًا، يبيع قوم دينهم بعرض من الدنيا قليل، المتمسك يومئذ بدينه كالقابض على الجمر أو قال على الشوك". (رواه الإمام أحمد بن حنبل عن أبي هريرة).

 

وبقوله عليه السلام في فصل العرب الدين عن الدولة: "خذوا العطاء ما دام عطاء، فإذا صار رشوة على الدين فلا تأخذوه، ولستم بتاركيه بمنعكم الفقر والحاجة، ألا إن رحى الإسلام دائرة، فدوروا مع الكتاب حيث دار، ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان، فلا تفارقوا الكتاب، ألا إنه سيكون عليكم أمراء، يقضون لأنفسهم ما لا يقضون لكم، إن عصيتموهم قتلوكم، وإن أطعتموهم أضلوكم، قال يا رسول الله كيف نصنع؟ قال: كما صنع أصحاب عيسى بن مريم، نشروا بالمناشير، وحملوا على الخشب، موت في طاعة الله، خير من حياة في معصية الله"، (أخرجه الطبراني في الجامع الكبير، وأبو نعيم في حلية الأولياء، وابن عساكر في تاريخه).

 

وبقول الله عز وجل في أقدم وأعدل قانون عرفته البشرية لقيام علاقات الأمن والسلام بين الأمم والشعوب بعضها ببعض: ﴿لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ (تحالفوا مع غيرهم ضدكم) أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ (9)﴾ (الممتحنة).

 

وبقوله عليه السلام، (في معجزة ظهور النفط في العراق واقتتال الناس عليه) "لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب، يقتتل الناس عليه فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون، ويقول كل رجل منهم لعلي أكون أنا الذي أنجو" (رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة).

 

وفي حديث آخر: "يوشك الفرات أن يحسر عن جبل من ذهب، فإذا سمع به الناس ساروا إليه، فيقول من عنده: لئن تركنا الناس يأخذون منه ليذهبن به كله، قال: فيقتتلون عليه، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون"، (نهاية البداية والنهاية لابن كثير ج1 ص50).

 

وبقوله عليه السلام (مخبرًا بقتال اليهود للمسلمين): "تقاتلكم اليهود فتسلطون عليهم حتى يقول الحجر: يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله" (رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر).

 

وهذا الحديث الصحيح يؤكد أن الآيات الأربعة الواردة في مطلع سورة الإسراء (5-6-7-8) ابتداء من قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4)﴾ (الإسراء) يؤكد أننا فعلاً نعيش عصر "الإفساد الأول" بكل أنواع الجرائم التي لا تقتصر على قتل وإبادة الشعب الفلسطيني، بل تعم كل أرض يقيمون فيها مما هو معروف ومشهور عنهم.

 

وبقوله عليه السلام (في الدفاع عن "حقوق الإنسان" ضد الأمراء وعملائهم المثقفين):
"أتاني جبريل فقال: إن أمتك مفتتة من بعدك، فقلت من أين؟ فقال من قبل أمرائهم وقرائهم، يمنع الأمراء الناس من الحقوق فيطلبون حقوقهم فيفتنون، (وفي رواية أخرى زيادة) ويتبع القراء أهواء الأمراء فيفتنون" (رواه الإسماعيلي في مسند عمر عن عمر مرفوعًا).

 

وهذا حديث معجز يعبر عما يجري في المجتمعات المتحضرة، وفي عالمنا السياسي المعاصر، وأن أول من تحدث ودافع عن (حقوق الإنسان) هو الإسلام والحضارة الإسلامية، وليست الحضارة الغربية المضللة والمنافقة.

 

3- الموقف الديني

يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51)﴾ (المائدة).

 

بعد توقيع أنور السادات لمعاهدة كامب ديفيد الخيانية ندد علماء المغرب بمعاهدة الصلح المصرية الإسرائيلية سنة 1979، وجاء في بلاغ رابطة علماء المغرب: "إن معاهدة الصلح المصرية- الإسرائيلية تعرض للضياع حقوق الشعب الفلسطيني في تحرير أرضه من الاستعمار الصهيوني، وحقوق الأمة العربية والعالم الإسلامي في تحرير القدس والأراضي الإسلامي المقدسة في فلسطين (كتاب: "بنو إسرائيل في عصر الانحطاط العربي" ص 79.

 

وجاء في فتوى علماء المسلمين بتحريم التنازل عن أي جزءٍ من فلسطين وقَّعها علماء يمثلون أقطار العالم الإسلامي وجاء فيها: "... إن هذا الاعتراف خيانة لله والرسول، وللأمانة التي وكل إلى المسلمين المحافظة عليها، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27)﴾ (الأنفال)، وأي خيانة أكبر من بيع مقدسات المسلمين، والتنازل عن بلاد المسلمين إلى أعداء الله ورسوله والمؤمنين". (الكتاب السابق ص 136.)

 

4- الموقف الاجتماعي الأخلاقي

في قوله عليه السلام: "كيف أنتم إذا طغت نساؤكم، وفسق شبابكم، وكثر جهالكم، وتركتم الجهاد؟ قالوا: وإن ذلك لكائن يا رسول الله؟ قال: نعم وأشد منه سيكون، كيف أنتم إذا لم تأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر؟ قالوا: وكائن ذلك؟ قال نعم وأشد منه سيكون، قال: كيف أنتم إذا رأيتم المعروف منكرًا، ورأيتم المنكر معروفًا؟ قالوا: وكائن ذلك، قال: وأشد منه سيكون. كيف أنتم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟ قالوا وكائن ذلك. قال: وأشد منه سيكون يقول الله تعالى: "بي حلفت لأتيحن لهم "فتنة" يصير الحليم فيها حيران". (رواه أبو يعلي والطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة مختصرًا".

 

وقال عليه السلام: "أخاف عليكم فتنًا كأنها الليل يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه" (رواه نعيم بن حماد عبد الله بن عمر في باب الفتن).

 

هل عرف تاريخ الإسلام وحضارته الإنسانية العالمية "فتنة" أشد من فتنة الحروب الاستعمارية- الصليبية- الصهيونية التي شنها الرئيس الأمريكي جورج بوش على فلسطين وأفغانستان والعراق واتهام كل العرب والمسلمين بالإرهاب؟.

 

وقال عليه السلام: "سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله" (رواه أبو داوود في سننه) والمراد بالأهواء: التيارات والآراء المذهبية التي تجري في نفوسهم كما يجري السعار في جسم المصاب به.

 

وقال عليه السلام: "سيصيب أمتي في آخر الزمان بلاء شديد من سلطانهم لا ينجو فيه إلا رجل عرف دين الله فجاهد عليه بلسانه ويده، فذلك سبقت له السوابق" (رواه الديلمي عن عمر رضي الله عنه).

 

وقال عليه السلام: "ستشرب أمتي من بعدي الخمر يسمونها بغير اسمها، يكون عونهم على شربها أمراؤهم" (رواه ابن عساكر في كتابه التاريخ فضلاً عن عدد من الصحابة في سنن أبي داود وابن ماجه ومستدرك الحاكم ومعجم الطبراني والحلية لأبي نعيم.

 

وقال عليه السلام: "شرار أمتي الذين ولدوا في النعيم، وغذوا به، يأكلون من الطعام ألوانًا، ويلبسون من الثياب ألوانًا، ويركبون من الدواب ألوانًا، يتشدقون في الكلام" (رواه الطبراني في الكبير والوسط).

 

وقال عليه السلام: "يأتي على الناس زمان يتعلمون فيه القرآن يجمعون حروفه، ويضيعون حدوده، ويل لهم لما ضيعوا" (رواه أبو نعيم عن ابن عباس رضي الله عنه).

 

وقال عليه السلام: "تعمل هذه الأمة برهة بكتاب الله، تم تعمل برهة بسنة رسول الله، ثم تعمل بالرأي، فإذا عملوا بالرأي فقد ضلوا وأضلوا" (رواه أبو يعلي في مسنده عن أبي هريرة).

 

وقال عليه السلام: "لتتبعن سنن من قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموه، قبل يا رسول الله: اليهود والنصارى؟، قال: فمن؟" (رواه البخاري ومسلم).

 

وقال عليه السلام: "إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على اثنين وسبعين فرقة كلها في النار، إلا واحدة وهي "الجماعة" (رواه ابن ماجة عن أنس بن مالك).

 

وقال عليه السلام: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك" (رواه البخاري).

------------

هامش:

1- انظر التفسير المفصل لهذه الآيات في كتابي "بنو إسرائيل في عصر الانحطاط العربي" الصادر بالرباط عن مكتبة بدر سنة 1412هـ 1992م.