- تعطيل قمة الدوحة يؤجج الحرب الصهيونية الغادرة ضد غزة

- الاختلاف بدأ قبل أن تبدأ القمم بسبب ضعف "الجامعة العربية"

- الخوف من فتح المعابر وتجميد المبادرة العربية وراء الخلاف

 

تحقيق- حسن محمود:

إذا كنت رئيسًا أو ملكًا أو زعيمًا لدولة عربية، وتريد أن تبدي رأي دولتك تجاه ما يحدث من مجازر صهيونية في قطاع غزة لليوم العشرين على التوالي.. فأمامك الآن ثلاث قمم عربية: "قمة الكويت، الدوحة والقمة التي دعت إليها المملكة العربية السعودية دول مجلس التعاون الخليجي لمناقشة ما يحدث في غزة".. اختر أيَّها شئت، وعبِّر عن رأيك بكل صراحة، ولا تنسَ أن تسجِّل اسمك في قائمة زعماء الانقسام العربي المفضوحة.

 

فبينما اكتمل نصاب الدول المطلوبة لعقد القمة العربية الطارئة التي دعت قطر إلى عقدها في الدوحة لبحث الأوضاع في غزة؛ أصرَّت مصر والسعودية كُبْرا دول المنطقة على رفض هذه القمة وأبدتا رغبتيهما في عقد قمة أخرى تشاورية عقب القمة الاقتصادية والاجتماعية في الكويت الأحد المقبل، ودعت السعودية منفردةً مجلس التعاون الخليجي إلى عقد اجتماع طارئ لمناقشة ما يحدث في غزة.

 

تاريخ الرسميين

وبدأ تاريخ القمم العربية منذ مايو من عام 46 بانعقاد قمة أنشاص الطارئة لمناصرة القضية الفلسطينية، تلتها بعد عقد تقريبًا قمة بيروت الطارئة أيضًا في نوفمبر من عام 56 لدعم مصر ضد العدوان الثلاثي، إلا أن تاريخ القمم العربية- بوصفها مؤسسةً سياسيةً- بدأ فعليًّا في عام 64 مع عقد القمة العربية الأولى في القاهرة، لتليها قمم عادية أو قمم طارئة انعقدت في معظمها لدعم القضية الفلسطينية والتضامن العربي ومواجهة التحديات المختلفة.

 

وتعتبر "قمة بيروت" التي عُقدت في نوفمبر من عام 56 قريبة الشبه بظروف الوضع الراهن؛ حيث انعقدت لمناصرة مصر ضد العدوان الثلاثي وتأييد المقاومة الجزائرية، ودعت في بيانها الختامي إلى مناصرة مصر ضد العدوان الثلاثي، وسيادتها على قناة السويس، وتأييد نضال الجزائريين ضد الاستعمار الفرنسي.

 

وتشتهر قمة الخرطوم التي عقدت في أغسطس من عام 67؛ حيث دعت إلى إزالة آثار العدوان الصهيوني بعد ما عُرف بـ"النكسة"، واللاءات الثلاث، وهي: لا صلح، ولا تفاوض مع الكيان الصهيوني، ولا اعتراف به.

 

وجاءت قمة الجزائر التي عقدت في نوفمبر من عام 73 بوجه جديد استمدته من انتصار العاشر من رمضان على اليهود وأكدت استحالة فرض حل على العرب، في أعقاب حرب أكتوبر التي اعتبرتها القمة نتيجةً حتميةً لسياسة الصهاينة العدوانية.

 

وكانت "قمة بغداد"- والتي عُقدت في مايو من عام 78- درسًا موجعًا لتخلف مصر عن القرار العربي الموحد؛ حيث علَّقت القمة عضوية مصر ومقاطعتها ورفضت اتفاقية كامب ديفيد التي وقَّعها الرئيس المصري الراحل أنور السادات مع العدو الصهيوني، ونقل مقر الجامعة العربية من مصر إلى أن عادت مصر في مايو 89 إلى عضوية الجامعة العربية.

 

ومن القمم المثيرة قمة القاهرة غير العادية التي عقدت في أكتوبر من عام 90 وأدانت العدوان العراقي على الكويت، وأكدت سيادة الكويت، وشجب التهديدات العراقية للدول الخليجية؛ حيث وصف المراقبون القمة بأنها جاءت بضوء أخضر من البيت الأبيض.

 

واستمرت القمم منذ أوائل التسعينيات حتى كانت الأخيرة في مارس 2008 بدمشق، وتواصلت قراراتها من أجل دعم القضية الفلسطينية على الورق فقط، حتى جاء المشهد الحالي "أبو قمتين" بعد موافقة موريتانيا والمغرب والجزائر وليبيا والسودان ولبنان وسوريا والإمارات وقطر واليمن وجيبوتي وجزر القمر والصومال وسلطنة عمان وفلسطين والعراق على القمة.

 

وتطرح التساؤلات نفسها بقوة: هل يصبُّ هذا الانقسام في صالح مواصلة العدوان الصهيوني وإحباط عقد قمة الدوحة؟ وهل ستتأثر قمة الدوحة بغياب مصر والسعودية؟ وهل من تأثيرات متوقعة من قمة من غير هاتين الدولتين؟ ومن يحق له الآن الحضور عن فلسطين بعد انتهاء ولاية محمود عباس في 9 يناير الجاري؟ وكيف نقيِّم المشهد الرسمي القادم في ظل هذا الانقسام؟!

 

(إخوان أون لاين) طرح هذه التساؤلات على الخبراء الذين توقعوا عقد قمة الدوحة، مؤكدين أنها ستكون قمة مواقف وفرز للأنظمة الحاكمة الداعمة للشعب الفلسطيني والمتواطئة مع عدو الشعب الفلسطيني، ووصفوا غياب مصر والسعودية بأنه هروب كبير في وقت الأزمات؛ مرجعه الخوف من التزامهما بمواقف محددة تجاه غزة وضد الكيان الصهيوني.

 

واعتبروا أن الحديث عمن يحق له الحضور في القمة- ممثلاً عن الشعب الفلسطيني- حديث يؤكد التفرقة في وقت الحرب، مشدِّدين على أن سرعة إعلان أبو مازن حضوره القمة رغم أنه رئيس سابق يعبر عن انتهازية ومحاولة لانتزاع شرعية لا تحق له.

 

وأشاروا إلى أن قمة الدوحة عليها واجب مهم في تبييض وجه الأنظمة وإعلان مواقف معينة توقظ العالم؛ مثل: سحب المبادرة العربية للسلام، وتجميدها، وطرد سفراء الكيان الصهيوني.

 

غزة أولاً

 الصورة غير متاحة

د. عبد الله الأشعل

في البداية يؤكد السفير الدكتور عبد الله الأشعل مساعد وزير الخارجية الأسبق أن الانقسام العربي ظهر بوضوح مع الأزمة، رغم أن الأنظمة من المفترض أن تنشغل بغزة أكثر من القمة وأشكالها.

 

ويشير إلى أنه من الواضح أنه سيكون هناك قمتان، ولكن الخوف أن تكون هناك نظرة عداء بينهما ويسعى كل منهما إلى انتقاد الآخر، مؤكدًا أهمية أن يبتعد الحكام العرب عن أفعال الصغار وينظرون إلى ماهية هدف القمة.

 

وحول حضور ممثل لفلسطين في القمة أكد أنه حضور مهمٌّ في هذه اللحظة، ولكن يحمل في طياته مكاسب سياسية إعلانية بحضور أبو مازن؛ الذي يريد أن يذهب إلى الدوحة ويرجع بشهادة عربية يقسم بها أنه الرئيس الفلسطيني رغم انتهاء ولايته في 9 يناير.

 

ويشدِّد على أن رفض مصر حضور القمة العربية الطارئة من أجل غزة جزءٌ من علاقتها بالكيان الصهيوني منذ بدء الحرب، مؤكدًا أن هذا تقزيمٌ لدور مصر سينعكس على المصريين بالخارج.

 

ويحذَّر د. الأشعل من عواقب هذا الرفض، مؤكدًا أن مصر بذلك تخاطر بمصالحها من أجل عيون الكيان الصهيوني وتخسر مكانتها وسط العرب بصورة سريعة للغاية دون أدنى سبب.

 

قمة محورية

 الصورة غير متاحة

معن بشور

ويؤكد معن بشور الأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي ورئيس اللجنة التحضيرية للملتقى العربي الدولي لحق العودة في دمشق والمنسق العام للحملة الأهلية لنصرة فلسطين والعراق في لبنان أن ما يحدث على الموقف الرسمي سيكشف موقف الذين تحمَّلوا مواقفهم تجاه ما يحدث ضد أهالي غزة وموقف الذين غلَّبوا اعتباراتٍ ثانويةً وعابرةً على مصلحة الأمة.

 

ويشدِّد في مقابلة مع فضائية (الجزيرة) على أنه من المفترض أن تتوحَّد الأمة كلها وتعقد قمةً واحدةً موحدةً لاستصدار قرارات رادعة للعدوان الصهيوني، ولكن محاولة تعطيل انعقاد القمة العربية يفتح الباب لاستغلال العدو هذا الغياب لمواصلة الحرب.

 

ويتوقع انعقاد القمة، مؤكدًا أن هذه القمة سيكون لها بلا شك ما بعدها، ولن يمر هذا الوضع دون أن يؤسس لمرحلة جديدة، مشيرًا إلى أن مجرد اجتماع هذا العدد المحترم وتخلُّف دولتين أو أكثر هو تلبية للغضب الشعبي المتواصل.

 

ويتمنى بشور أن يتراجع الغائبون عن هذا التخلف المشين، مؤكدًا أنه لا وقت للخلاف أثناء الحرب الدائرة على إخواننا في غزة بلا هوادة، ويطالب قمة الدوحة بأن تدعم موقف المقاومة وتؤكد أهمية سلاح المقاومة واستغلال السلاح الاقتصادي ضد العدو الصهيوني.

 

غير لائق

 الصورة غير متاحة

 د. أحمد ثابت

ويصف د. أحمد ثابت أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة غياب مصر والسعودية بأنه غير مبرَّر وغير لائق، مؤكدًا أن هذا الغياب يساهم في إبراز الدور الإقليمي لقطر ويساهم في تغذية الشكوك حول حقيقة الموقف المصري والسعودي تجاه المجازر والمعابر، ويعطي الفرصة للشائعات والتلاسن على مصر والسعودية بسبب ذلك.

 

ويؤكد أن رفض الحضور هو عجز عن المواجهة؛ فمصر قادرة بنجاح حسب إمكانياتها المعروفة والتي نختلف معها، وبذلك تعطي لنفسها انهيارًا جديدًا غير مبرر.

 

ويشير إلى أن حضور محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية السابق للقمة يدل على قدر من انتهاز الفرص لإثبات أن السلطة الفلسطينية برئاسته ما زالت الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني وإعادة دور منظمة التحرير وعدم الانسحاب من المحافل.

 

وتوقَّع ثابت أن تكون القمة هزليةً، وإن كانت ستتشدَّد في بعض العبارات وتلقي الكرة في ملعب الجامعة العربية من أجل تحميلها القضية برمَّتها.

 

هروب كبير

 الصورة غير متاحة

 د. رفعت سيد أحمد

ويؤكد د. رفعت سيد أحمد مدير مركز يافا للدراسات أن غياب مصر والسعودية هروبٌ كبيرٌ من تحمل مسئوليتهما تجاه ما يحدث من مجازر في غزة.

 

ويُرجع ذلك إلى أن مصر ستواجه التزام عربي متوقع بضرورة فتح معبر رفح وستواجه السعودية قرارًا متوقعًا بتجميد المبادرة العربية للسلام التي أطلقتها من مكة المكرمة، مؤكدًا أن الدبلوماسية القطرية في مواجهة وصف هذا الغياب يخفي نيران تحت الرماد بسبب الوضع الرسمي المهترئ.

 

ويصف حضور أبو مازن للقمة بانتزاع لحق ليس له، وسعي لاكتساب شرعية عبر حضور هذه القمم، رغم أنه رئيس سابق لا يمثل إلا نفسه الآن ويمثل إهانة كبيرة للقمة؛ لكونه أحد أدوات الاحتلال الصهيوني في العدوان الحالي.

 

ويتوقع د. رفعت أن تكون هذه القمة مختلفة عن سابقاتها، مؤكدًا أنه يكفيها فقط إسقاط مبادرة الاستسلام العربية ومقاطعة الكيان الصهيوني رغم مواقفها السابقة.

 

اختلاف مسبق

ويؤكد د. عبد المنعم المشاط أستاذ العلوم السياسية أن عدم الاتفاق سيكون عنوان القمتين رغم اختلافهما، مشيرًا إلى أن القمتين تتفقان في عدم الاتفاق على خطاب عربي موحد تجاه هذه الأحداث المأساوية؛ حيث لا اتفاق على من يمثل فلسطين، ولا اتفاق على كيفية مواجهة الكيان الصهيوني.

 

ويشير إلى أن استمرار غياب قوة الجامعة العربية وعدم تأثيرها في المشهد العربي وأحداثه المتوالية أحبط أي قرار عربي- خاصة المصري- بعقد قمة عربية طارئة لا جدوى من ورائها.