أصبح الكيان الصهيوني وأمنه هما الهدف والغاية الرئيسيَّين اللذين يجب على كل حي في وطننا العربي أن يعمل من أجلها ويسبِّح بها ليل نهار، إما طوعًا أو جبرًا؛ فالعربي الصالح هو العربي الذي يعترف بالكيان الصهيوني.

 

وأمن الكيان الصهيوني هو المعنى المقصود من شعار السلام المرفوع الآن؛ فعندما يقال إن السلام خيار إستراتيجي يكون المعنى أن أمن الكيان الصهيوني خيار إستراتيجي وأنه الأساس لأي استقرار في المنطقة.

 

إن هذا الأمن هو القاعدة الوحيدة الحاكمة لسياسة الولايات المتحدة في إدارتها الصراع العربي الصهيوني منذ عقود طويلة، والحفاظ عليه هو التزام مقدس لكل الرؤساء والإدارات الأمريكية.

 

ومن أجله خُطفت مصر من عالمها العربي والإسلامي بعد حرب 1973 وأعيد صياغتها على كل الأصعدة على مقاس أمن الكيان الصهيوني:

 

- فتم نزع سلاح سيناء، وحُرمَت القوات المسلحة المصرية من الاقتراب من الحدود المصرية- الفلسطينية.

 

- واحتفظوا للكيان الصهيوني بالتفوق العسكري على مصر من خلال المعونة الأمريكية التي تطبِّق قاعدة 2: 3 في أي دعم عسكري للطرفين، هذا فيما عدا أشكال الدعم الأخرى لها؛ المعلن عنها والمحجوب.

 

- وجعلوا لمعاهدتنا مع الكيان الصهيوني الأولوية على اتفاقية الدفاع العربي المشترك، وحُظر علينا الدخول في أي التزامات جديدة تتناقض مع المعاهدة المذكورة.

 

- وحُرمت مصر من التسلح النووي في وقتٍ يملك فيه الكيان الصهيوني 400 رأس نووية، وتم بيع القطاع العام لأنه نجح في دعم المجهود الحربي بعد حرب 1967م.

 

- وصُنعت بأموال المعونة الأمريكية طبقة رأسمالية مصرية موالية لأمريكا والكيان الصهيوني لتأمين الجبهة الداخلية من المتطرفين أمثالنا!.

 

- ووُقِّعت اتفاقيات الكويز والبترول والغاز، وحرمت القوى الوطنية الرافضة للاعتراف بالكيان الصهيوني من ممارسة العمل السياسي، وحوصرت وطوردت، ومن أجل أمن الكيان الصهيوني أغلق معبر رفح في وجه الشعب الفلسطيني.

 

- ومُنعت القوافل الشعبية المناصرة لفلسطين من دخول سيناء أو الاقتراب منها.

 

- ومُنع التظاهر في الشارع المصري ضد الكيان الصهيوني.

 

- ووقَّعت مصر اتفاقية فيلادلفيا عام 2005م لتأمين حدود غزة على الطريقة الصهيونية.

 

- واستجابت الحكومة المصرية للضغوط الأمريكية الوقحة بشأن الحدود والأنفاق.

 

باختصار.. لقد تمت صياغة نظمنا السياسية والاقتصادية والثقافية، وطرق معيشتنا وحياتنا من أجل غرض واحد هو حماية الكيان الصهيوني من خطر مصر الذي ظهر في حرب 1973م.

 

وفي جبهة الصراع الفلسطيني الصهيوني فعلوا مثل هذا وأكثر:

- فاجتيحت بيروت عام 1982م وتم طرد ونفي القوات الفلسطينية من لبنان لتهديدها أمن الكيان الصهيوني.

 

- ووُقِّعت اتفاقيات أوسلو 1993م لهذا الغرض، وأصبحت الغاية الرئيسية للاتفاق هو القضاء على ما سماه الكيان الصهيوني البنية التحتية للإرهاب، وكان هذا هو التفسير المنطقي الوحيد لقبول الكيان الصهيوني بإعادة الأطراف الفلسطينية التي طردتها من لبنان عام 1982م إلى الضفة وغزة الأقرب إليها والأخطر عليها.

 

- وعندما أخلَّ أبو عمار بالاتفاق حوصر وقتل وعمَّدوا بدلاً منه أبو مازن.

 

- ثم انتقلوا إلى غزة فحاصروها وأجاعوها لإخضاعها وإرغامها على الكف عن تهديد أمن الكيان الصهيوني.

 

- ولما صمدت قرروا إبادتها.

 

ولكن ما هو أمن الكيان الصهيوني؟:

- هو حقه في الاحتفاظ بما اغتصبه من فلسطين 1948م.

- وحقه في استلاب كل ما يريده من باقي فلسطين في أي وقت يشاء.

- حقه في تهويد القدس وتغيير معالمها وتفريغها من المواطنين العرب.

- حقه في أن يمارس عنصريته على عرب 1948م الذين يعاملهم كمواطنين من الدرجة الثالثة ويحرمهم أبسط حقوق المواطنة.

- حقه أن يجلب أي يهودي في العالم إلى فلسطين ويحرم أصحاب الأرض الحقيقيين من حق العودة.

- حقه في بناء أي مغتصبات صهيونية جديدة وفي بناء جدر عازلة تحوِّل الأراضي الفلسطينية إلى معازل بشرية.

- حقه في تجريد الضفة وغزة من أبسط مقومات السيادة والدفاع عن النفس.

- حقه في التحكم في المعابر والحدود والمياه وفي المطارات والموانئ والطرق الرئيسية.

- حقه في تجريف الأرض الزراعية وهدم المنازل وانتزاع أشجار الزيتون.

- حقه في العدوان والغزو على الضفة وغزة ولبنان وسوريا والعراق في أي وقت يشاء.

- حقه في الاحتفاظ بتفوقه العسكري على كل البلاد العربية والإسلامية مجتمعة.

- حقه في التآمر على الأمن القومي للدول العربية وخلق الفتن والحروب الأهلية والنزعات الانفصالية.

- حقه في كل الدعم الممكن من أمريكا والأمم المتحدة وكل الشرعيات الدولية.

- حقه في صياغة المواقف الرسمية العربية وملاحقة أي طرف عربي متمرد.

- حقه في تجميد القوانين والمواثيق والقرارات الدولية إذا تناقضت مع إرادته وسياسته.

- حقه في الإبادة والقتل والاغتيال والاعتقال والنفي والتجويع والحصار.

 

نقول إن أمن الكيان الصهيوني يعني حقه أن يفعل كل ذلك بدون أي عقاب أو تعقيب من أي طرف عربي، وإلا كان حسابه عسيرًا.

 

ولقد ظل كل هذا محجوبًا عن العامة من الناس إلى أن فضحه العدوان الصهيوني الحاليُّ على غزة، فإذا بالشارع العربي يدرك مصدومًا حقيقة ما ضاع من أمننا وكبريائنا الوطني والقومي لصالح الكيان الصهيوني وأمنه.

 

وهو إذ يعبِّر الآن عن غضبه بتلقائية وعفوية، لكن بعد أن تتوقف المعارك وينجلي ترابها وأيًّا كانت نتيجتها؛ ستكون له حسابات أخرى مع ما أُهدر من أمننا ومع من أهدروه.

---------

* Seif_eldawla@hotmail.com