لا يمكن أن ننسى تلك اللمسة الحانية العطوفة من وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط وهو يمسك بيد (ليفني) وزيرة خارجية الكيان الإرهابي الصهيوني في زيارتها لمصر قبل 48 ساعة من ضرب غزة، ولا يمكن أن نفهم المشهد غير أنه مشهد صداقة لوزيرة خارجية الكيان الذي ارتكب مجازر بشعة- ولا زال- لرجال عزل ونساء ضعفاء وأطفال أبرياء، وهو تفسير يجنح بسهم المعادلة نحو أعدائنا بصورة تجعلنا نخمن نوع هذه العاطفة نحو من يقاوم هذا الكيان بقوة وعنف وإخلاص، تدرك إسرائيل جيدًا أنها قوى مقاومة حقيقية ومؤثرة وقادرة على إزالة دولة إسرائيل من الوجود، إذا أُتيحت لها بعض المساعدة، وليس كل المساعدة.

 

 

ليس صعبًا أن نفهم من تلك الزيارة ومن زيارات وأحداث وقرارات قبلها أن النظام يكره كل أشكال المقاومة، كأي نظامٍ استبدادي يكره أن يرى الشعوب في حالةِ اعتراض أو مطالبة بحقوقها أو الدفاع عنها، حتى لو وصل الأمر بهذه الأنظمة أن تطلب من الكيان، أن يُخلصها من حزب الله في 2006م لعلاقته بإيران، التي ترى الأنظمة العربية أنها أخطر عليها من الصهاينة، حتى لو تطلب الأمر أن تشارك في حصارها على غزة بكل قوة، حتى ولو أدَّى ذلك إلى حدوث مآسٍ إنسانية لأطفال ونساء وشيوخ، يرق لها قلب الكافر قبل المسلم، وتسقط دموع البعيد قبل القريب.

 

النظام المصري يكره الإخوان المسلمين في مصر، ولذا.. فهو لن يدافع عن حماس، وسيحاول مخلصًا أن يتخذ كل التدابير التي تجعلها تفشل في قيادتها لقطاع غزة تحت تبريرات دبلوماسية واهية، مهما تسبب ذلك في وقوع ضحايا بين أبناء غزة، مش مهم، حتى وإن مات أهل غزة جميعًا، المهم أن يفشل الحمساويون على الحدود بأي ثمن.

 

وقد وصل الأمر إلى حدٍّ من الكذب والخداع والنفاق لا يمكن أن يُحتمل، كمحاولات مستميتة لإقناع الشارع المصري أن السبب في العدوان الأخير على غزة هو حماس، وهو أمر كان صعبًا على القلوب الحية والعقول السليمة أن تعيه، حتى إن بعض خطباء وزارة الأوقاف نفسها لم تحتمل أن تصل إلى هذه الدرجة من الكذب على نفسها وعلى الناس، وأخذت تتحدث عن جهاد حماس وبطولة أهل غزة، وارتفعت أياديهم مخلصة بالدعاء لهم..

 

لعبة خائبة جدًّا.. لا يمكن أن تنطلي على عقلاء.

هل هذا هو أول عدوان للصهاينة على الضفة والقطاع؟، هل هذه هي أول مجزرة تقوم بها النازية الصهيونية الجديدة على الفلسطينيين؟، هل نسيت الذاكرة جرائم الصهاينة ضد الشعب الفلسطيني في جنين ونابلس ورام الله وبيت لحم؟، هل نسيت حصارها لياسر عرفات في مقر الرئاسة لسنوات، في وقتٍ لم يكن لحماس سلطة الحكم؟. ساعتها قال العرب (كما كانت تقول السنة الصهاينة تمامًا)، أن عرفات هو السبب، فهو متعنت عنيد لا يتنازل ولا يفاوض، رغم مشاهد القبلات والأحضان مع رابين وبيريز، ورغم اتفاقات ومعاهدات السلام التي وقعها مع إسرائيل.

 

بعدها قتله الصهاينة بالسم، وجاء بعده (أبو مازن) الذي ارتضته قيادات تل أبيب نفسها، وقالت عنه إنه رجل سلام، واستبشر العرب بقدومه، فهل تنازل الصهاينة بعدها عن شبر من أرض فلسطين؟، بل هل توقفوا عن عدوانهم على أهلنا في الضفة والقطاع؟.

 

الكيان الصهيوني احتلَّ فلسطين قبل أربعين سنة من ظهور حركة حماس، وقبل سبع وخمسين سنة من نجاح حماس في الانتخابات، لا تحارب حماس، ولكنها تحارب فلسطين وأهلها، وتحارب كل من يقف مع فلسطين ضدها.

 

إذن حماس لم تكن يومًا السبب في العدوان الأخير على غزة، كما لم يكن حزب الله السبب أيضًا في عدوانها على لبنان 2006م، كما كان يقول كل مَن يريد أن يتنصل من مسئولية الدفاع عن إخوانه بني قومه أو بني دينه.

 

لكن دعونا إذن نتحدث عن مَن يساعد "إسرائيل" ضد غزة وأهلها، وضد فلسطين وأهلها؟.
مَن يصدر الغاز والبترول للكيان ليشغل آلاته الحربية التي تسيل الدماء كل دقيقة من شرايين أطفال فلسطين؟؟!

 

مَن أغلق معبر رفح ليشارك في أبشع حصارٍ ترفضه الإنسانية قبل الدين والقومية على أهلنا في غزة، ويحاول أن يجتهد في تفسير ذلك باجتهادات قانونية واهية؟؟!

 

بل مَن يحاول تعطيل فتح المعبر بصورةٍ دائمةٍ أثناء العدوان لاستقبال الجرحى؟؟!
مَن يعتقل المتظاهرين الذين يحاولون التعبير عن آرائهم بالصراخ والشكوى في الشوارع لتضامنهم مع إخوانهم وأهلهم؟؟؟

 

مَن الذين اجتمعوا 9 ساعاتٍ ليصدروا بيانًا كل ما فيه إدانة وشجب وثرثرة وكلام فارع؟؟؟
أليس هذا الهوان اللا نهائي هو أول عامل يساعد الكيان الصهيوني على العدوان؟، أليس هو الغطاء الدائم لأي اعتداء "لإسرائيل؟ على أية دولةٍ عربية اتفقت مع أخواتها سويًّا على معاهدة وهمية اسمها معاهدة دفاع مشترك.

 

للأسف.. أنتم سبب العدوان على غزة اليوم، وفلسطين بالأمس واليوم وغدًا.

أنتم السبب.. وليس حماس.