شعبان عبد الرحمن

كما أن "دير ياسين" 1948م تمثِّل عنوانًا لشلال الدماء، صارت "غزة" اليوم رمزًا لشلال جديد ما زال ينزف!.
وبين عامي 48 و2008م مسافة ستين عامًا حافلة بشلالات الدماء على يد الإجرام الصهيوني من فلسطين إلى لبنان إلى غيرها من الأراضي العربية التي دنسوها.
فمنذ ابتلاء منطقتنا العربية بالهمج الصهاينة، وفلسطين ولبنان تتآخيان في المجازر على أيدي تلك العصابات، وأكاد أرى غزة المذبوحة اليوم ترتمي في أحضان جنين ودير ياسين ليلتقيَ الجميع عند قانا اللبنانية فتتعانق صرخاتهم، وسط تدفق الدماء على امتداد أكثر من نصف قرن.. جريح يشد من أزر ذبيح ويبعث فيه الأمل، وذبيح يقاوم الموت الغادر ويصر على الحياة فيبعث فينا بشائر النصر.
ومنذ بدايات النكبة كانت فلسطين على موعد مع شرار خلق الله الذين دنسوا الأرض المباركة، وكانت هدفًا لمذابحهم.
كان موعد فلسطين مع أول مذبحة يوم 6-3- 1937م في سوق حيفا حيث استشهد 18 مدنيًّا وأصيب 38 على يد عصابة "الإتسل"... لكن موعد لبنان مع أول مذبحة كان في عام 1948م، وهي مجزرة "مسجد صلحا" بالجنوب، وهو العام نفسه الذي وقعت فيه مجزرة دير ياسين رمز المجازر الصهيونية في فلسطين.
وسجلات التاريخ هي خزينة الذاكرة لمن أراد أن يتذكر أو يتعظ أو يستعد لقادم الأيام، وهي تفضح دائمًا كذب المزورين، وتشهد بالأرقام والوثائق بأن اليهود ارتكبوا في فلسطين أكثر من مائتين وخمسين مجزرة من العام 1937م، حتى اليوم حيث تدور رحى أبشع مذبحة في "غزة" الصابرة.
وفي لبنان ارتكبوا من عام 1948م حتى العام 1996م عشرين مجزرة، بدأت بمجزرة "مسجد صلحا"، وكان آخرها مجازر "قانا الثانية" وقرية "مروحين" وصور وبنت جبيل ومارون الرأس وصريفا عام 2006م، ثم عادت وتيرة المذابح لتتسارع يوميًّا على أرض فلسطين من الخليل ونابلس إلى غزة الصابرة الصامدة، وما زالت الأنقاض تخبئ أخبارًا مفجعةً عن مذابح يشيب لها الولدان.
في السجل المتخم بالمذابح الصهيونية في فلسطين ولبنان أو مصر حيث مذبحة الأسرى المصريين في حرب 1967م، ومذبحة مدرسة بحر البقر في العام نفسه لم تشر الوقائع والبيانات المسجلة إلى أن مجزرة واحدة وقعت بطريق الخطأ وإنما جميعها تم التدبير له مع سبق الإصرار والترصد، وليست هناك مجزرة واحدة وقعت بحق مقاومين أو مقاتلين وإنما كلها بحق مدنيين أبرياء وعلى حين غرة منهم، في الأسواق، أو في القرى وهم نائمون.
وقد شهد أغلب تلك المجازر تمثيلاً بجثث الأطفال والنساء بعد قتلهم بطرق بشعة، ففي مجزرة دير ياسين- على سبيل المثال- قتل الصهاينة من أبناء القرية260 شخصًا وألقوا بهم في بئر القرية بعد أن مثلوا بجثثهم.
وقد سجل مناحم بيجين رئيس وزراء الكيان الصهيوني الأسبق، ورجل السلام..!! رؤيته عن تلك المجزرة التي افتخر كثيرًا بالمشاركة فيها، وقال في مذكراته عن المجزرة: (إن العرب دافعوا عن بيوتهم ونسائهم وأطفالهم بقوة، وكان لهذه العملية نتائج كبيرة غير متوقعة؛ فقد أصيب العرب بعد أخبار دير ياسين بهلع قوي فأخذوا يفرون مذعورين، وهم يصرخون: دير ياسين..!! فمن أصل (800) ألف عربي كانوا يعيشون على أرض إسرائيل- فلسطين المحتلة عام 1948م- لم يبق سوى (165) ألفًا ثم عاب (بيجين) على من تبرأ منها من زعماء اليهود، وأتهمهم بالرياء! بقوله: "إن مذبحة دير ياسين تسببت بانتصارات حاسمة في ميدان المعركة.. فدولة إسرائيل ما كانت لتقوم لولا الانتصار في دير ياسين"!!
وغني عن البيان فإن كل القادة الصهاينة الذين ارتكبوا المجازر بحق الشعب الفلسطيني أو اللبناني يتفاخرون بها، وينالون في الوقت نفسه جوائز قيمة من المجتمع الصهيوني إذ يخرجون من الجيش ليصبحوا قادة سياسيين للأحزاب أو للدولة، ونادرًا ما دفع مسئول إسرائيلي الثمن عن مجزرة ارتكبها مثل بيجين وشارون وبيريز وغيرهم واليوم فإن ما يقترفه أولمرت وتسيبي ليفني وباراك من مجازر هي محاولة لشق الطريق إلى حكم الكيان الصهيوني على أشلاء أهلنا في غزة!.
وجريمة المجازر الكبرى التي ارتكبها الكيان الصهيوني على امتداد التاريخ لا تقف عند حد القتل، وإنما تمتد إلى التشفي على قاعدة إبادة الحياة أي حياة في أي أرض يحل بها يهود.. إنها ليست أخطاء حرب ولا ضرورات قتال في معركة بين جيشين، وإنما هي طبيعة بشرية جبلت على الخسّة وتشبعت بالوحشية، فلم ترقب في مؤمن إلاّ ولا ذمة.
وحتى يكون الأمر أكثر جلاء أتوقف أمام ذلك البيان الذي بثته القناة السابعة بالتلفاز الصهيوني يوم 17-7-2006م، والصادر عن مجلس الحاخامات في الضفة الغربية (المحتلة) ويدعو فيه الحكومة الصهيونية إلى إصدار أوامرها بقتل المدنيين اللبنانيين والفلسطينيين بصفتهم موالين للعدو، مؤكدًا أن التوراة تجيز قتل الأطفال والنساء في زمن الحرب، وقال بيان الحاخامات: "إن الذي يترحم على أطفال غزة ولبنان فإنه يقسو بشكل مباشر على أطفال إسرائيل"!.
لا أدري.. إن كان للشيطان أن يُصدر بيانات، هل كان يُصدر بيانًا أبشع من بيان الحاخامات هذا؟!
ولنتأمل هذا النص اليهودي المفعم بالدعوة للإبادة الجماعية: "ونهب الإسرائيليون لأنفسهم كل غنائم تلك المدن، أما الرجال فقتلوهم بحد السيف فلم يبق منهم حي" [سفر يوشع 11].
فالإبادة الجماعية تُعرّف بالآتي: "القضاء على جماعة عرقية، بشكل مخطط ودءوب بإفناء أفرادها"، ورؤوسهم مرفوعة في وجوه اليهود؟".
نحن لسنا أمام كيان يحترم آدمية الآدميين، ولا أمام شعب يعرف من القيم الإنسانية النذر اليسير، وإنما نحن أمام كيان تديره عصابة دولية تضم شرار الخلق على الأرض، كل وظيفتها تسليط حمم إجرامها وحقدها على كل من تقع عليه أعينها من بني البشر، لا يقبلون شريكًا لهم في أرض ولا ماء ولا هواء، ولا يطيقون أن يروا على مرمى البصر عربيًّا أو مسلمًا.. ولا نبالغ إذا قلنا: إن تلك هي طريقتهم، وتلك خصالهم التي تحوَّلت إلى عقيدة يزعمون أنهم بتطبيقها يطيعون بها الرب!.
إن "غزة" لن تكون المذبحة الأخيرة طالما بقي صهيوني بيننا، وطالما بقي بيننا المنهزمون والمنبطحون من دعاة الانكسار، إنه صراع الوجود!.
--------
* كاتب مصري- مدير تحرير مجلة "المجتمع" الكويتية.