- محاكمات وقوانين مشبوهة وحرائق وانهيارات والتهاب الأسعار

- د. حسن نافعة: عام مليء بالغموض ويمهِّد لأجواء مُلبَّدة بالغيوم

- د. عمرو الشوبكي: استمرار الجمود السياسي "سيد الموقف"

- حسين إبراهيم: الكوارث مرشحة للاستمرار لعدم علاج الأسباب

 

تحقيق- محمد سعيد:

مع إسدال الستار على عام كامل من الأزمات الاقتصادية والسياسية والحروب والقمع وكبت الحريات على المستويين المصري والعالمي، اكتسب عام 2008م وبلا منازع لقب عام الأزمات والكوارث والمفاجآت.

 

فعلى الصعيد المحلي استمر النظام الحاكم في إحكام قبضته على مصر من خلال إصدار قرارات وتشريعات تعمل على إضعاف المواطن البسيط من جهة وتقوِّض الناشطين والفاعلين في المجتمع من جهة أخرى، وهو أيضًا ما حدث على الصعيد الدولي؛ فالولايات المتحدة الأمريكية على مدار العام تمارس ضغوطًا دولية وعسكرية على كل من يعارض سياستها وطموحاتها في المنطقة العربية.

 

فقد شهد عام 2008م ممارسات أمنية شديدة من الحزب الحاكم تجاه معارضيه، وخصوصًا جماعة الإخوان المسلمين؛ حيث بدأت مهزلة محاكمة 40 من قيادات الجماعة؛ على رأسهم المهندس خيرت الشاطر النائب الثاني للمرشد العام، والتي استقرت إلى إصدار أحكام مشددة على 25 من قيادات الإخوان في الداخل والخارج تراوحت بين 10 و3 سنوات ومصادرة أموالهم وشركاتهم.

 

كانت المحاكمة قد شهدت مهازل عبر جلساتها التي تجاوزت الأربعين، ورغم صدور قرارات قضائية بعدم شرعية محاكمة مدنيين أمام محاكم العسكرية، إلا أن النظام استمر في مهزلته تلك، وكأنه يرسل إلى جميع معارضيه- وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمين- رسالةً مفادها أن السجن ومصادرة الأموال والتضييق في الرزق هو مصير من يقف أمام مشروع التوريث وإهدار حقوق الإنسان وفشل سياساته الاقتصادية والاجتماعية على السواء.

 

وهو الأمر الذي ظهر واضحًا في الانتخابات المحلية، وكذلك الانتخابات التكميلية لمجلس الشعب في الدوائر المُعطَّلة وقيام الأجهزة الأمنية بحملات اعتقال تعسفية ضد مرشحي الإخوان وأنصارهم، وصل عدد المعتقلين فيها إلى المئات في خطوةٍ وصفها مراقبون بأنها تؤكد عزم الحزب الحاكم على استخدام مختلف أدواته لإقصاء الإخوان تمامًا عن المشاركة السياسية؛ الأمر الذي دفع بالجماعة إلى اتخاذ قرار بمقاطعة الانتخابات كردٍّ طبيعي على رفض النظام الحاكم تنفيذَ آلاف الأحكام لصالح مرشحي الإخوان بوجوب تسجيلهم في قوائم المرشَّحين، معتبرين ذلك انقلابًا واضحًا على الدستور والقانون.

 

ارتفاع الأسعار وإلغاء الدعم

 الصورة غير متاحة

 د. أحمد نظيف

وكالعادة فشلت حكومة الدكتور أحمد نظيف في تنفيذ وعودها للمواطنين بتوفير السلع الأساسية بأسعار معقولة؛ حيث شهد عام 2008م ارتفاعًا كبيرًا تراوح بين 35 و45% في أسعار السلع الغذائية من سكر وزيت ودقيق، وكذلك ارتفاع أسعار الخدمات من كهرباء ومياه وغاز واتصالات، كما برزت على السطح أزمات عديدة؛ على رأسها أزمة الخبز وبنزين 80 وأزمة احتكار الحديد والأسمنت؛ وهو الأمر الذي تُرجم حقيقةً على أرض الواقع بوقفات واحتجاجات لفئات الشعب المختلفة من عمال ومهنيين وموظفين، مطالبين الحكومة باتخاذ مواقف مسئولة تجاههم كمواطنين تعصف بهم متطلبات المعيشة من جهة وغلاء الأسعار وضعف الأجور من جهة أخرى.

 

مذبحة الثانوية العامة

كان مشهد خروج الطلاب من لجان امتحانات الثانوية العامة هذا العام وارتمائهم في أحضان آبائهم وأمهاتهم وسط الصرخات والإغماءات والانهيارات من المشاهد الأكثر إيلامًا هذا العام عن الأعوام السابقة، بعد أن تحوَّلت الامتحانات إلى "فزاعة" لإرهاب الطلاب، تسبَّبت في انتحار طالب داخل مسكنه، ودفعت بأخرى إلى إلقاء نفسها من الطابق السادس بمنزلها، بعد أن انتابتها حالة من الهياج العصبي والنفسي ليلة الامتحان.

 

أحكام قضائية بحبس الصحفيين

استمرت توابع محاكمة رؤساء تحرير صحف المستقلة أمام المحاكم المصرية بسبب قضايا نشر، انتهت إلى قرار المحكمة بحبس إبراهيم عيسى رئيس تحرير صحيفة (الدستور)، ثم قرار رئيس الجمهورية بالعفو عنه؛ الأمر الذي فتح- وبقوة- مطالبات القوى الشعبية والسياسية باتخاذ موقف تجاه حبس الصحفيين تنفيذًا للوعد الرئاسي، ووقف ممارسات النظام الحاكم تجاه الصحفيين.

 

قانون الملكية الشعبية

أثار قانون الملكية الشعبية "قانون إدارة الأصول المملوكة للدولة "الذي طرحه وزير الاستثمار عقب المؤتمر السنوي للحزب الحاكم الأخير، الذي أعطى الحق من هم فوق 21 عامًا بتملُّك أسهم في شركات القطاع العام، مخاوف الكثير من الاقتصاديين والمهتمين بالشأن العام من لجوءِ المواطنين إلى بيع أسهمهم في أصول الدولة؛ لعدم وجود خبرات لهم في هذا المجال، خاصةً أن أكثر من 80% منهم يعيشون تحت خط الفقر، محذِّرين من سيطرة الأجانب على هذه الصكوك أو الأسهم، خاصةً أنه من المتوقَّع قيام أغلب المصريين بالبيع لحاجتهم إلى المال.

 

أما الأحداث العربية والعالمية فهي كالتالي:

القراصنة واليد الخفية

ومن الأحداث المهمة برزت ظاهرة القرصنة في خليج عدن والمحيط الهندي، والتي أصبحت تمثِّل "صداعًا مزمنًا" للمجتمع الدولي بأكمله ولمصر بصفة خاصة، ولِمَ لا والقضية تكتسب بُعدًا إستراتيجيًّا خطيرًا، خاصةً أن حوالي 16 ألف سفينة تجارية تعبر سنويًّا مضيق باب المندب الذي يربط البحر الأحمر وخليج عدن؟! كما أن 30% من حركة النفط الخام العالمي تمر عبره، كما أشارت التقارير إلى أن القراصنة قاموا بنحو 92 عملية خلال عام 2008م؛ نجح منها 32، كما أسفرت عن احتجاز 268 من البحَّارة من جنسيات مختلفة، بالإضافة إلى 12 سفينةً؛ أبرزها ناقلة النفط السعودية العملاقة وسفينة الأسلحة الأوكرانية، وهو الأمر الذي أثر في عائدات قناة السويس؛ حيث حقَّقت قناة السويس خلال شهر أكتوبر الماضي فقط أقل عائد لها خلال 6 أشهر؛ فقد حقَّقت في أكتوبر 2008م نحو 467.5 مليون دولار مقابل 469.6 في سبتمبر من نفس العام بحسب تقارير هيئة قناة السويس نفسها.

 

مجلس الدولة

وفي بادرة أمل جديدة لاح في الأفق آخر حائط صد ضد ممارسات النظام الحاكم؛ حيث أصدر قضاة مجلس الدولة في أقل من شهر العديد من الأحكام المهمة ضد الحكومة؛ أبرزها وقف تصدير الغاز المصري إلى الكيان الصهيوني، ووقف تنفيذ قرار الحكومة بطرد أهالي جزيرة القرصاية من أراضيهم، وحكم بتقنين أوضاع أهالي الجزيرة، ووقف القرار السلبي للحكومة بمنع قوافل الحملة الشعبية لفك الحصار عن غزة، إضافةً إلى قرار طرد الحرس الجامعي خارج الجامعة وتشكيل إدارة مدنية تتبع رئيس الجامعة مباشرة بدلاً منه، وقرار أخير بوقف بيع مقر جامعة الإسكندرية لمستثمرين عرب، وقبل ذلك أحكام أخرى بارزة، مثل إلغاء قرار رئيس الجمهورية بإحالة قيادات الإخوان إلى محاكماتٍ عسكرية، ووقف بيع وخصخصة التأمين الصحي.

 

أحداث مهمة

 الصورة غير متاحة

د. حسن نافعة

وفي تعليقه على أحداث 2008م يرى الدكتور حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة أن هذا العام شهد أحداثًا كثيرة مهمة جدًّا؛ منها المتعلِّق بالوضع الداخلي في مصر، ومنها المرتبط بالأحداث العالمية التي كان أبرزها انفجار أزمة مالية واقتصادية عالمية تُعَد الأسوأ في التاريخ، إضافةً إلى انتخاب رجل أسود من أصول إفريقية وإسلامية رئيسًا للولايات المتحدة، وهو حدث لم يكن بوسع أحد على الإطلاق أن يتخيَّل وقوعه قبل عام واحد، موضحًا أن الشعب الأمريكي كان يبحث عن مرشح يقود عملية تغيير شامل أصبح مقتنعًا تمامًا بحتميتها، وبدا مستعدًّا لتحمل تبعاتها حتى ولو كان المرشح الوحيد لقيادتها رجلاً أسود ومن أصول إفريقية، ولأنه لم يكن هناك مرشح سواه يرفع شعار التغيير الحقيقي، فقد تم التصويت له رغم لونه، وأوضح أنه كانت هناك رغبة في إنهاء عهد بوش الذي أطلق العنان لطموحات الإمبراطورية الأمريكية بكافة الوسائل المشروعة وغير المشروعة، لهيمنة الولايات المتحدة منفردةً على العالم بدعوى رقي نظامها السياسي ونبل رسالتها الحضارية، وهو ما فتح الباب أمام انهيار القانون الدولي وسيادة الدول على أرضها.

 

ويرى نافعة أن هذه الأحداث ألقت بظلالها على العالم العربي الذي لم يَستفِدْ من هذه التغيرات، مؤكدًا أن كل الدلائل تشير إلى أن النظام العربي لا يعرف ماذا يريد ولا ماذا يستطيع أن يفعل؛ فكل دولة عربية تفهم ما يجري من تحولات حولها بطريقتها الخاصة، بالإضافة إلى أن اللاعبين الكبار لا يرون في العالم العربي سوى بقرة حلوب مستباحة، والمطلوب من القادة العرب أن يُثبتوا أن واجب البقرة توفير الحليب لشعوبهم قبل أي شيء آخر.

 

وعلى الصعيد المحلي يؤكد د. نافعة أن الصحوة المجتمعية التي عاشتها مصر بدايةً من عام 2004م وحتى عام 2007م شهدت تراجعًا حادًّا عام 2008م، تمثَّلت في تزوير انتخابات المحليات التي أعطت المعارضةَ الحقيقية رسالةً بأنه لا مجال لها بعد اليوم في ظل غياب الإشراف القضائي، كما تمثَّلت في العنف الذي مارسته السلطة ضد الاعتصامات والمظاهرات والإضرابات، وكانت الحالة الأبرز إضراب 6 أبريل وما صحبه من أحداث مؤسفة في المحلة، ثم الأحكام القاسية علي قيادات الإخوان المسلمين في محاكمة عسكرية رفضها الجميع، سواء المؤيد للجماعة أو المعارض لها.

 

ووصف د. نافعة الحياة السياسية في 2008م بأن الجمود أصابها بالمقارنة بأحداث القضاة في 2007م ومظاهرات التغيير والحريات في 2005م و2006م، موضحًا أن ما يشغل بال النظام المصري حاليًّا هو تمرير ملف التوريث الذي بدأت ملامحه عام 2007م بالتعديلات الدستورية ثم عام 2008م بطرح جمال مبارك باعتباره أفضل من يتولَّى المسئولية، متوقعًا أن يشهد عام 2009م زيادة أكثر في وتيرة هذا الملف حتى يأتيَ عام 2010م المخصَّص للاستحقاق الرئاسي وقد استقرَّت الأوضاع لصالح جمال مبارك.

 

بداية انكسار

 الصورة غير متاحة

د. عمرو الشوبكي

ويؤكد الدكتور عمرو الشوبكي الباحث بمركز (الأهرام) للدراسات السياسية والإستراتيجية أن من أبرز الأحداث عام 2008م هو بداية انكسار مشروع الإدارة الأمريكية بهزيمة الجمهوريين وفوز باراك أوباما ذي الأصول الإفريقية بكرسي الرئاسة الأمريكية، مضيفًا أن لا بد من عدم الإفراط في الفرح؛ لأن هناك فرقًا كبيرًا بين التصريحات التي يجلب بها أصوات ناخبيه والسياسة الحقيقية التي سيُصيغها بالفعل، وأن تصريحاته الانتخابية ما هي إلا العناوين العريضة القابلة للتغيير عند البدء في وضع السياسة الحقيقية للسنوات القادمة؛ لأنه ابن المصالح الأمريكية.

 

وعلى الجانب المحلي أكد د. الشوبكي استمرار الجمود السياسي، خاصةً بعد مؤتمر الحزب الوطني السنوي وعدم إعلان النظام الحاكم عن مشروع إصلاحي توافقي تجتمع عليه الأطياف السياسية، ومن ناحيةٍ أخرى أشار إلى أن عام 2008م شهد تراجعًا للحركات السياسية المنظّمة متزامنًا مع تصاعد الحركات الشعبية الاجتماعية كالاعتصامات والاحتجاجات العمالية والنقابية.

 

وفي نظرةٍ متفائلةٍ ذكر الشوبكي "على مسئوليته الشخصية" أن العام المقبل سيشهد نهاية المرحلة السياسية المصرية الحاليَّة، كما أنه سيحمل معه أفقًا لمرحلة جديدة لها معطياتها وحساباتها الخاصة، وهو ما ستكشفه الأيام المقبلة.

 

كوارث حكومية

 الصورة غير متاحة

حسين محمد إبراهيم

ويرى حسين محمد إبراهيم نائب رئيس الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين أن عام 2008م كانت له سلبيات كثيرة شملت كل مناحي الحياة في مصر والوطن العربي، مؤكدًا أن الحصاد الداخلي كان سيئًا لدرجة كبيرة تتمثَّل في تشريعات فرضتها أغلبية الوطني على الشعب المصري سيكون لها تأثيرات خطيرة على المواطنين، مثل قانون المرور وزيادة الأسعار، وقانون الأسرة والطفل وقانون الهيئات القضائية وغير ذلك.

 

وأضاف حسين إبراهيم أن الفساد الحكومي كان العامل المشترك فيما شهدته مصر من كوارث، وحتى الكوارث الطبيعية كانت في أغلبها صناعةً حكوميةً نتيجةَ الإهمال والفساد المتراكم، مثل انهيار صخرة الدويقة، وحرائق مجلس الشورى والمسرح القومي، مؤكدًا أن الحكومة فشلت أيضًا في توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة للشعب المصري، واحتلت باقتدار المرتبة الأولى في تجويع الشعب، وهو ما تؤكده معدلات الفقر المتزايدة في مصر.

 

وأشار إبراهيم إلى تراجع الحريات في 2008م بشكلٍ ملحوظٍ، وهو ما تمثَّل في المحاكمات العسكرية لقيادات الإخوان، وزيادة معدلات التعذيب، بل والقتل نتيجة التعذيب في أقسام ومراكز الشرطة، في مقابل زيادة نِسَب الجريمة الجنائية وانفلات الشارع نتيجة انشغال وزارة الداخلية بخصوماتها السياسية أو ما يعرف بالأمن السياسي على حساب الأمن الاجتماعي والجنائي.

 

ووصف حسين إبراهيم 2008م بأنه كان عامًا حزينًا؛ احتل فيه المواطن المصري مرتبة متدنية في مأكله ومشربه وفي كرامته داخليًّا وخارجيًّا، مشيرًا إلى أن الأزمات التي شهدها 2008م سوف تمتد- للأسف- إلى عام 2009م؛ لعدم علاج المشكلات التي حدثت بشكلٍ حقيقي.