العجز العربي يدفع الحكومات إلى استجداء الموقف من مجلس الأمن، والمجلس يكتفي بإصدار بيان يناشد فيه الطرفين الصهيوني والفلسطيني بوقف إطلاق النار.
الشعوب الغاضبة لا تنتظر من القمة العربية قرارات شجب أو إدانة أو استنكار.. إنها تنتظر وقف العدوان وكسر الحصار وطرد السفراء وإغلاق السفارات.
على العقلاء أن يدركوا أن شعب فلسطين لا يدافع عن نفسه فقط، بل يدافع عن مقدسات الأمة وأمنها.
مذبحة غزة، وإن شئت قل: مذابح غزة التي يرتكبها- ولا يزال- العدو الصهيوني ضد أهلنا في قطاع غزة منذ السبت الماضي.. حرب إبادة بدأت بستين طائرة ضربت أربعين موقعًا فلسطينيًّا لتوقع حوالي ألفي شهيد وجريح.
وأنا أكتب هذه السطور ارتفع عدد الشهداء إلى 390 شهيدًا، وأكثر من 1850 جريحًا؛ منهم 200 في حالة خطيرة.
الغارات الصهيونية مستمرة ليلَ نهارَ على منشآت القطاع الحيوية؛ حيث دمَّرت صواريخ العدو مسجدين، ومقر الجامعة الإسلامية بغزة، وفرع جامعة الأزهر، والأكاديمية الفلسطينية، ومقر الحكومة والوزارات، ومقر رئيس السلطة الفلسطينية المعروف باسم السرايا، إضافةً إلى تدمير جميع المقار الأمنية.
مئات الشهداء كانوا من رجال الأمن والشرطة الذين يسهرون على تأمين مواطني قطاع غزة، وتسهيل حياتهم، وتنظيم المرور، وحراسة المنشآت وحماية ممتلكات المواطنين، إضافةً إلى عشرات الشهداء من النساء والأطفال والشيوخ.
العدو الذي فشل في قتل غزة بفعل الحصار الذي دام أكثر من ثمانية عشر شهرًا، جاء اليوم لينفِّذ جريمته بحرب إبادة يشنُّها على غزة وأهلها ومنشآتها.
مذبحة غزة اليوم تُضاف إلى سجل العدو في الإجرام، جاءت لتلحق بمذبحة جنين وقبلها مذابح قانا وصابرا وشاتيلا ودير ياسين، وعشرات المذابح الأخرى التي ارتكبها العدو الصهيوني في حق أهلنا في فلسطين ولبنان.
مذبحة غزة أقدم عليها العدو الصهيوني بعد يوم واحد من زيارة وزيرة خارجيته تسيبي ليفني للقاهرة ولقائها بالرئيس مبارك، ثم وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط.
ليفني أعلنت قرار الحرب من منصة وزارة الخارجية المصرية، قالت: "سنقوم بتغيير الأوضاع في غزة... سنقضي على حماس"، وزير الخارجية- للأسف- لم يرد على ليفني، وتركها تعلن تهديدها ووعيدها، وبسط يديه الحانيتين لتتكئ عليها ليفني وهي تنزل من سلم منصة الخارجية المصرية.
يا للأسف.. عدو يستخف بنا؛ يقتل إخواننا بعد يوم واحد من جلوس وزيرته المرشحة لرئاسة الحكومة الصهيونية المقبلة مع رئيس مصر ووزير خارجيتها، ما هذه المهانة التي تذكرنا بما فعله العدو نفسه حين أقدم على ضرب المفاعل النووي العراقي في عام 1981م أثناء جلوس رئيس حكومته مناحيم بيجين مع الرئيس السادات؟!
إن أشد ما يؤلم النفس في المشهد الراهن هو الشعور بالعجز والمهانة، هذا العجز الذي يقود أنظمتنا وحكوماتنا التي تتسول القرارات الدولية، وتنتظر إدانة الجريمة من مجلس الأمن، ويجتمع المجلس لا ليصدر قراره بالإدانة للعدو، بل ليصدر بيانًا يناشد فيه الطرفين الصهيوني والفلسطيني بوقف إطلاق النار.. ساوى مجلس الأمن بين القاتل والضحية.. بين العدو الذي يملك أكبر ترسانة أسلحة والشعب الفلسطيني الأعزل.
حسنًا، فلندعُ إلى قمة عربية، وقبلها اجتماع تشاوري لوزراء الخارجية، لكن الاجتماع يتأخر؛ فبدلاً من أن يعقد يوم الأحد إذ به يؤجَّل إلى يوم الأربعاء.
ويتضح العجز العربي الرسمي أكثر عندما يسبق اجتماع وزراء خارجية الدول الأوروبية الذي يناقش الأوضاع في غزة نظيره العربي!.
أما القمة العربية التي تطالب بها الشعوب لتتخذ قرارات حاسمة بالمواجهة، فلم يتفق على عقدها بعد، لم يكتمل نصاب الموافقة؛ ربما لأن قادتها يعلمون جيدًا أنهم غير قادرين على فعل شيء يرضي الشعوب الغاضبة.
الشعوب التي خرجت في مظاهرات عارمة من المحيط إلى الخليج لا تنتظر من القمة قرارات شجب أو إدانة أو استنكار؛ فهذه القرارات سبق وتكرّرت في كل القمم السابقة، لدرجة أنك لا تستطيع أن تفرق بين هذه القرارات إلا بالتاريخ المثبت عليها.
الشعوب تنتظر وقفة حاسمة من قادتها- إن كانوا فعلاً يعملون حسابًا لهذه الشعوب- وقفةً تواجه هذا العدوان الإجرامي، وتكسر الحصار المفروض على أهل غزة.
الشعوب تنتظر من القمة أضعف الإيمان: طرد السفراء، وإغلاق السفارات والمكاتب الاقتصادية الصهيونية الموجودة في عددٍ من العواصم العربية.
الشعوب تنتظر وقف إمداد العدو بالغاز المصري الذي يستقوي به على أهلنا في فلسطين.
الشعوب تنتظر عودة السلطة الفلسطينية إلى خندق المقاومة، ووقف الاتصالات الهزلية مع العدو الذي يقتل أهلنا ليل نهار.
الشعوب تنتظر من القمة العربية أن تسحب ما يُسمَّى "بمبادرة السلام مع إسرائيل" تلك المبادرة التي رفضها العدو، ورد عليها بشكل عملي في ممارساته الإجرامية المتواصلة.
الشعوب لا تريد أن تكلَّف الأنظمة فوق ما تطيق.. فقط اطردوا سفراء العدو وبعثاته الدبلوماسية.. اسحبوا سفراءكم لدى العدو.. اكسروا الحصار عن الشعب الفلسطيني.. افتحوا المعابر ليتلقَّى أهلنا إمدادات الوقود والغذاء والدواء، وهي أبسط الحقوق الإنسانية.
الدعاوى التي يُثيرها بعض المسئولين المصريين حول أسباب إغلاق معبر رفح لم تَعُد مقبولةً.. إنها مشاركة في جريمة القتل التي يتعرَّض لها الفلسطينيون.
القول إن مصر تريد من الكيان الصهيوني القيام بواجباته نحو الشعب الفلسطيني طبقًا لما ورد في اتفاقية جنيف، التي تفرض على الدولة المحتلة توفير سبل العيش للشعب الخاضع للاحتلال هو قول لا يعرفه الكيان.
الكيان الصهيوني يا سادة يقوم بواجبه جيدًا.. إنه يقتل ويدمر ويهدم، إنه يستولي على أراضي الفلسطينيين، يتوسع في بناء المستوطنات، يمارس تهويد القدس، يهدم المقدسات.. هذه واجباته التي يفهمها، فلنؤدِّ نحن واجبنا.
لسنا مع تصدير أزمة أهالي غزة إلى مصر، لكن على مصر أن تعمل على حماية أمنها القومي، ومساندة أهل غزة، وكسر الحصار يأتي في أولويات الحفاظ على الأمن القومي المصري.
على العقلاء أن يدركوا أن شعب فلسطين لا يدافع عن نفسه فقط، بل يدافع عن مقدسات الأمة وأمنها.
أهل غزة اليوم لا يدافعون عن أنفسهم؛ إنهم يقفون في الخط الدفاعي الأول، إنهم يدافعون عن القدس.. عن القاهرة وعمان.. عن مكة والمدينة.. عن بيروت ودمشق وبغداد.. يدافعون عن كل العواصم العربية والإسلامية.. فماذا فعلت لهم هذه العواصم غير شجب العدوان وإدانته؟!
نريد أفعالاً لا أقوالاً، نريد ممارسات على الأرض لا أحبارًا على الورق، نريد سيوفًا لا بيانات وميكروفونات.
على العقلاء أن يعلموا أن هذا الوقت ليس وقت الإدانة ولا الشجب، ليس وقت استجداء المواقف الإعلامية من مجلس الأمن والمنظمات الدولية.. هذه وسائل جرَّبناها على مدى ستين عامًا ولم تُجْدِ نفعًا.
على العقلاء أن يسعَوا إلى توحيد الصف الفلسطيني لمواجهة العدو الذي لا يفرِّق بين فصيل وفصيل؛ فكل مقاوم مستهدف من قِبل العدو.
وبقيت كلمة..
في الوقت الذي تخرج فيه مواكب الشهداء الفلسطينيين من مستشفى الشفاء وغيره من المشافي الفلسطينية إذا بنا نلحظ لهجة جديدة في بعض وسائل الإعلام العربية المقروءة والمسموعة والمرئية.. لهجة تتسم بالشماتة أو الوقاحة أو العمالة أحيانًا.
هل يُعقَل أن يترك البعض جرائم العدو لينشغل بتصفية حساباته مع الفلسطينيين وطعن المقاومة، والاستخفاف بما يقوم به المقاومون؟!
ماذا يريد هؤلاء؟! هل يطلبون من أهلنا الاستسلام للعدو؟! هل يطلبون من حكوماتنا أن ترفع الراية البيضاء للكيان الصهيوني، وتسلم له بكل ما يريد؟!
اخرسوا "أيها السادة"!؛ فالوقت ليس وقت الشماتة أو الهجوم على الأبطال الذين يحملون أرواحهم على أكفهم دفاعًا عنا وعنكم.
ولعل خير رد على ما تنطقون به هو ذلك الرد الشعبي العارم الذي يجوب كل العواصم العربية والإسلامية، فعودوا إلى رشدكم يرحمكم الله.