- 900 مليار جنيه خسائر و61% هبوطًا في المؤشر الرئيسي
- ممدوح الولي: قرارات 5 مايو أصابت سوق المال في مقتل
- ناجي هندي: القلق والعامل النفسي للمستثمرين وراء التراجع
- عيسى فتحي: المستثمر الأجنبي يملك أدوات قوية تمكِّنه من التحكم
- عبد الحافظ الصاوي: الأجانب والبيع العشوائي وسياسة القطيع.. السبب
- حنفي عوض: الأزمات الداخلية والخارجية أطاحت بأحلام المستثمرين
تحقيق- محمد سعيد:
ما بين صعود مؤشر البورصة المصرية وانخفاضه، تحوَّلت أحلام الكثيرين من صغار وكبار مستثمري البورصة المصرية في عام 2008م إلى كابوسٍ مزعج؛ ضاعت معه معظم ممتلكاتهم ومدَّخراتهم بعد سنوات من الشقاء والتعب، في مشهدٍ دراماتيكي يحمل في طياته الكثير من الأسرار والخبايا.
ولم يقتصر الوضع المأساوي على حاملي الأسهم فحسب، بل طال الشركات والمستثمرين من الحجم "المتوسط" و"الحجم الكبير" بلغة السوق.
الخبراء والمحلِّلون لعمليات التداول أكدوا أن الخسارة التي تكبَّدتها البورصة المصرية خلال عام 2008م تجاوزت 900 مليار جنيه، وفقد "كاس 30" المؤشر الرئيسي للبورصة 61% من قيمته على مدار العام نفسه؛ حيث إن البورصة فقدت خلال الأزمة المالية وحدها 350 مليار جنيه، وفقد مؤشرها نتيجة قرارات 5 مايو الاقتصادية أكثر من 40% من قيمته، فضلاً عن هروب استثمارات أجنبية وعربية تتعدَّى 10 مليارات دولار نتيجة انعدام ثقة المستثمرين المصريين والأجانب على السواء في السوق المصري.
ورغم تأكيد الخبراء أن الأزمة العالمية تفادت منطقةُ الشرق الأوسط جزءًا كبيرًا منها طبقًا لتقرير البنك الدولي، خصوصًا نقطتي: فائض السيولة المالي الموجود بالمنطقة، وأن أزمة الرهن العقاري لا توجد بالفعل في المنطقة العربية.
إلا أن البورصةَ المصريةَ هوت بشكلٍ خطيرٍ متزامنةً مع عودة الأسواق الأوروبية والأمريكية صاحبة الأزمة نفسها إلى الانتعاش مرةً أخرى؛ الأمر الذي يطرح سؤالاً مهمًّا: مَن هو السبب الفعلي وراء سقوط البورصة المصرية بهذا الشكل المخيف في 2008م؟ وهل هناك يد خفية تحركها؟ أم أن السياسات الاقتصادية المصرية هي السبب؟
حرب شركات
تشير أصابع الاتهام إلى شركاتٍ تمارس حربًا شرسة في إطار حرصها على اقتناص جانب أكبر من حجم السوق بالمساهمة في هبوط الأسعار؛ حتى تُظهر شركات أخرى أنها أقل كفاءةً في قراءة السوق، بغض النظر عن مصلحة السوق، مما سبب انهيارًا شاملاً في الأسعار أدَّى إلى صعوبة دخول تلك الشركات السوق مرةً أخرى, وهذا دفع بعض الشركات الأخرى إلى أمور انتقامية، وكان الضحايا هما سوق الأوراق المالية والمتعاملين فيه.
من ناحيةٍ أخرى أشارت تقارير من داخل سوق المال إلى أن المستثمرين الأجانب والخليجيين يشكلون سببًا رئيسيًّا في الأزمات المالية المتتالية التي تتعرَّض لها البورصة منذ أزمة 14 مارس؛ حيث تضاربت الإحصاءات بشأن نسبة تعاملاتهم في البورصة؛ حيث تشير تقارير إلى أنهم يمثِّلون 40% في حين تشير أخرى إلى أنهم يمثِّلون 55%، وتقارير أخرى تؤكد أن نسبتهم لا تتجاوز 30%، ولكنهم يوجدون من خلال مؤسسات اقتصادية كبرى، في حين أن نسبة الأفراد تصل إلى 70%، وهي نسبة تمكِّنهم من السيطرة على سوق الأوراق المالية وتحديد توجُّهها.
وهو الأمر الذي تكرَّر أكثر من مرة في أزماتٍ متتاليةٍ، مثل أزمة 14 مارس؛ حيث قام المستثمرون الخليجيون ببيع أسهمهم في الأسواق المصرية والعربية الأخرى، مثل سوقي "دبي" و"عمان"؛ لتسديد مديونياتهم وتسوية أسهمهم في البورصة السعودية على وجه التحديد بعد هبوط أسعارها، وبالرغم من أن حجم هذه المعاملات لم يَزِدْ عن 9 ملايين جنيه، إلا أنها قد أصابت بعض صغار المستثمرين بالذعر؛ مما دفعهم إلى بيع أسهمهم في بعض الشركات؛ وهو ما أدَّى إلى الهبوط السريع في أسعار الأسهم في البورصة؛ الأمر الذي سبب خسائر فادحة.
وهو ما حدث بالضبط في أثناء الأزمة المالية العالمية؛ حيث قام المستثمرون الأجانب بعمليات بيع واسعة من أجل إنقاذ اقتصادياتهم المتهاوية في الخارج؛ الأمر الذي تسبَّب في انخفاض حاد لمؤشر البورصة وفقدانه أكثر من 50% من قيمته.
عشوائية التعامل
عيسى فتحي

من جانبه أكد عيسى فتحي الخبير الاقتصادي في البورصة أن العشوائية في تعاملات البورصة هي السبب الرئيسي في إصابتها بالكثير من الأزمات المتتالية؛ ابتداءً بالانهيار الكبير "الثلاثاء الأسود"، وانتهاءً بالأزمة المالية العالمية التي عصفت بـ"كاس30" وجعلته ينخفض إلى أقل من 4 آلاف نقطة؛ وهو الأمر الذي أصاب حركة التداول بالشلل وأثار الذعر لدى الكثيرين من المتابعين والمهتمين بالشأن الاقتصادي المصري.
وأكد عيسى أن عام 2008م بالتحديد مرَّ بمراحل عديدة يجب التوقف أمامها لإيضاح بعض الأمور: المرحلة الأولى من بداية العام وحتى 4 مايو، وهي مرحلةٌ اتسمت بالتفاؤل المفرط بين المتعاملين، ووصل مؤشر البورصة إلى 12 ألف نقطة، وهو مؤشر جيد.
والمرحلة الثانية بدأت مع القرارات الحكومية "الخاطئة" يوم 5 مايو بفرض ضرائب على أرباح المستثمرين بالبورصة التي أدَّت إلى هروب عدد كبير من المستثمرين الأجانب من السوق المصرية.
والمرحلة الثالثة بدأت مع انهيار بنك "ليمان براذر" يوم 14 سبتمبر تبعها انهيار حاد لكثير من المؤسسات الائتمانية والمالية الأمريكية وبروز الأزمة المالية؛ وهو الأمر الذي أثَّر بشكل كبير في اقتصاديات وأسواق المال العالمية.
وتأثرت البورصة المصرية كغيرها من البورصات العالمية، ولكن الأمر الغريب هو الانهيار الحاد في مؤشر البورصة المصرية رغم عدم ارتباط الاقتصاد المصرية بالأسواق الأوروبية والأمريكية بشكل كبير وصل إلى 5737 نقطة، ثم انخفض المؤشر إلى أقل من 4 آلاف نقطة، مشيرًا إلى أن الأسباب المحلية مثَّلت نحو 31% من نسبة انخفاض المؤشر، في حين مثَّلت الأسباب المتعلقة بالأزمة المالية العالمية 20% من نسبة الانخفاض.
وبدأت المرحلة الرابعة من يوم 24 نوفمبر حتى الآن، وهي مرحلة غلبت عليها التقلبات وإن كانت الأسواق بدأت تتعافى نسبيًّا من آثار الأزمة المالية.
وأكد عيسى أن اتباع الأجانب طرقًا ودراساتٍ واستبياناتٍ علميةً تمكِّنهم من رؤية السوق المالي والاقتصادي المصري والعالمي بشكل كبير؛ الأمر الذي يساعد على نجاح اقتصادياتهم في مقابل المستثمر المصري الذي يمارس نظامًا عشوائيًّا في البيع والشراء؛ مما يسبِّب له خسائر ضخمة حتى وإن حقَّق أرباحًا في وقتٍ ما بمحض الصدفة.
حالة فريدة
ويتفق معه ياسر تامر (محلل مالي) في أن البورصة المصرية تعاني حالةً فريدةً من الصعود والهبوط وسط أغلب البورصات العالمية؛ الأمر الذي يتطلَّب تحليلاً دقيقًا للإحداث الجارية، مؤكدًا أن أغلب المتعاملين في البورصة المصرية هم أفراد "مستقلون" غير تابعين لمؤسسات أو شركات مالية؛ الأمر الذي يجعل ثقافة السوق "عشوائية" بالدرجة الأولى، وهو ما تم بالفعل في أزمات كثيرة، كأزمة الثلاثاء الأسود التي ضاعت فيها أغلب مُدَّخرات المصريين في 14 مارس 2005م، مُتسبِّبةً في حالة ذعر كبيرة وسط المستثمرين، وشيوع ثقافة عدم الثقة في السوق المصري المتذبذب.
ويضيف أن المحرك الرئيسي للبورصة المصرية هو المستثمر الأجنبي بلا شك؛ حيث إنه يمثِّل- حسب تقرير هيئة سوق المال المصرية في تقريرها العام الماضي- 55% من المتعاملين في البورصة، بالإضافةِ إلى أن المستثمرَيْن الأجنبي والعربي على السواء هما الأكثر قوةً، ورؤيتهما واضحة ومستنيرة وقائمة على سياسات تحليلية دقيقة، ويسيران في طريق واحد من أجل تدعيم اقتصادياتهما، بعكس المستثمرين المصريين الذين يعانون حالة من العشوائية الشديدة في التعامل مع آليات السوق.
ويؤكد ياسر أن ما حدث من انهيار حاد في البورصة المصرية عقب الأزمة المالية العالمية جسَّد "سياسة القطيع" التي يتبعها المستثمر المصري في التعامل مع آليات السوق؛ حيث قام المصريون- كالعادة- بالسير خلفها وقام ببيع أسهمه دون إلى الالتفات إلى الأسباب الحقيقية التي دفعت المستثمر الأجنبي إلى البيع من أجل تعويض خسائره في البورصات العالمية ولإحداث نوع من التوازن لاستثماراته.
أزمات متعددة
حنفي عوض

ويؤكد حنفي عوض (محلل مالي ومدير شركة لتداول الأوراق المالية) أن البورصة المصرية تعرَّضت منذ بداية العام لأزمات عديدة يمكن حصرها في أزمتين: داخلية وخارجية؛ فالأزمة الداخلية كانت نتيجة قرارات حكومية متسرِّعة بفرض ضرائب على أرباح المستثمرين في البورصة طبقًا لقانون رقم 114 لسنة 2008م الصادر في 5 مايو الماضي برفع أسعار الطاقة والمواد البترولية للمصانع كثيفة الإنتاج؛ واصفًا ذلك بأنه ضربة قاضية للاستثمارات الأجنبية والعربية في مصر، وأعقب ذلك سحب الشركة القابضة الكويتية ومجموعة الخرافي مشروع معمل تكرير "ميدور" السويس من مصر، والذي تبلغ استثماراته ٥ مليارات دولار؛ الأمر الذي انعكس بالسلب على البورصة؛ حيث فقد مؤشر "كاس"40% من قيمته.
ويضيف أن الأزمة المالية العالمية جاءت كعامل خارجي تزيد من جراح البورصة المصرية هي الأخرى، متسببةً في خسائر تجاوزت 350 مليار جنيه "حتى الآن" وفقدان 51% من قيمة مؤشر "كاس 30" في كارثةٍ اقتصادية لا تجتمع إلا كل 100 سنة، مشيرًا إلى أن الأزمة المالية أفقدت أسواق العالم المالية كلها وبلا تحديد قدرتها على الحركة وإن بدأت بعض الأسواق في الانتعاش مرةً أخرى.
أما عن السبب الفعلي في الأزمة الحاصلة للبورصة المصرية فيرفض حنفي فكرة وجود يد خفية تلعب من خلف الستار من أجل إسكات وتحجيم السوق المصرية؛ حيث إن السوق المصرية ما زالت ناشئةً، وإن ميزان القوى لا يزال غير مستقر؛ فالمؤسسات تشكِّل 30% والأفراد 70% من إجمالي المتعاملين في البورصة، وإن الأزمة المالية العالمية هي أزمة عالمية "الكل واقع فيها وبلا استثناء"؛ فلا نحمِّل أنفسنا أكثر مما نطيق.
قرارات خاطئة
ممدوح الولي

ويؤكد ممدوح الولي نائب رئيس تحرير (الأهرام) والخبير الاقتصادي أن قرارات 5 مايو التي فرضت الحكومة بموجبها ضرائب على أرباح المستثمرين بالبورصة، وكذلك رفع أسعار بعض المشتقات البترولية؛ أفقد أكثر من 27 مشروعًا الامتيازات التي كان يتمتع بها؛ حيث إن النظام المصري كان يصر على عدم فرض أي قيود أو آليات على استثمارات الأجانب القصيرة الأجل بالبورصة؛ خوفًا من نفور هذه الاستثمارات بحسب تأكيدات الحكومة المصرية والرئيس المصري في برنامجه الانتخابي أكثر من مرة، لكن ما حدث عقب انهيار بنك "ليمان براذر" وبروز الأزمة المالية العالمية ومن قبلها أزمة "الثلاثاء الأسود" وموجة الخروج العشوائية للأجانب، التي تسبَّبت في انهيار مؤشر البورصة.. أمرٌ يتطلَّب معه إعادة النظر في وضع ضوابط لهذه الاستثمارات.
ويشير الولي إلى أن هناك أسبابًا أخرى لتراجع البورصة المصرية غير استثمارات الأجانب؛ منها وجود 11 شركات مصرية مُقيَّدة في بورصات دولية، تتمتع بوزن كبير 6 منها يطلق عليها "الأسهم القيادية"، وتشارك المستثمر الأجنبي توجيه المؤشر الرئيسي للبورصة المصرية (كاس 30)، وبالتالي فإن هبوطها بفعل الأسواق الدولية التي تعمل بها يؤدي إلى هبوط مؤشر البورصة المصرية، وهو ما حدث بالفعل في الأزمة المالية الأخيرة.
غير مبرر
أما ناجي هندي مدير إدارة الاستثمار ببنك مصر إيران فيؤكد أنه ليس هناك ما يُسمَّى يدًا خفيةً أو محركًا فعليًّا للبورصة، مشيرًا إلى أن البورصة تتحكَّم فيها عدة عوامل؛ منها قوى العرض والطلب، ومنها النظام الاقتصادي الكلي للدولة ونتائج أعمال الشركات في البورصة، والحالة السيكولوجية للمتنافسين.
ويرى أن ما يحدث الآن في البورصة غير مبرَّر على الإطلاق، وأن الحالة النفسية السيئة المسيطرة على المتعاملين والقلق من جانبهم وراء هذا التراجع، لافتًا إلى أن البورصات العالمية تصعد، ولكن البورصة المصرية تتراجع، رغم تصريحات المسئولين أن الاقتصاد المصري تأثَّر بشكل طفيف بالأزمة المالية العالمية الأخيرة.
عوامل عديدة
عبد الحافظ الصاوي

ويضيف عبد الحافظ الصاوي الخبير الاقتصادي أن هناك شبه اتفاق بين المحلِّلين الماليين والفنيين على أن البورصة المصرية هوت؛ ليس فقط تأثرًا بالأزمة العالمية، وإنما نتيجة عوامل عديدة؛ منها القرارات الخاطئة التي أصدرتها الحكومة المصرية في 5 مايو العام الحالي الخاصة بفرض ضرائب على أرباح المستثمرين بالبورصة التي أدت إلى هروبٍ كبيرٍ للمستثمرين الأجانب، واتباع المتعاملين المصريين بالبورصة سياسةَ "القطيع" وعمليات البيع العشوائي دون دراسة متأنية، بالإضافة إلى الأزمة العالمية؛ الأمر الذي سبَّب أزمةً حقيقيةً للبورصة المصرية.
وانتقد الصاوي الأداء الحكومي في التعامل مع الأزمة والتزام أغلب المسئولين إبَّان الأزمة المالية بالصمت أحيانًا وبالتطمين في أحيان أخرى؛ الأمر الذي أثار قلق المتعاملين في البورصة وتسبَّب في استمرار الهبوط.
أهداف سياسية
من ناحية أخرى تؤكد بسنت فهمي (مستشار بنك التمويل المصري السعودي) أن تلك الأزمة العالمية لم تكن مالية في الأساس، بل هي أزمة سياسية من خلالها سيتم إعادة تشكيل الكيان الاقتصادي والسياسي العالمي في ظل تطلعات بعض الدول لأخذ أدوار جديدة على الساحة العالمية.
وأوضحت بسنت فهمي أن عدم استقرار منطقة الشرق الأوسط له آثار سلبية على قرار المستثمر الأجنبي بالمجيء إلى مصر؛ لأن ضبط الاقتصاد يحتاج إلى استقرار سياسي يشجع على الاستثمار، وهو ما لا تفعله الحكومة المصرية، وأبسط دليل على ذلك قرارات مايو السابق التي أدت إلى هروب الكثير من الاستثمارات.
ولخَّصت بسنت الأوضاع في البورصة المصرية- من وجهة نظرها- بأنها صعبة للغاية، وأن الاقتصاد المصري الضعيف غير قادر على تحمل تلك "الخبطات" المتتالية، مشددةً على ضرورة قيام الدولة بمسئولياتها من خلال خلق فرص عمل حقيقية وحماية الاقتصاد القومي من إصدار تشريعات وقرارات اقتصادية موزونة، ومن جهةٍ أخرى أشارت إلى أنه لا بد من توعية مستثمري البورصة "الأفراد" بضرورة استثمار أموالهم من صناديق استثمار قوية تستطيع اتخاذ قرارات صحيحة.