حمدًا لله تعالى الملك العلام، وصلاةً وسلامًا على سيد الرسل الكرام، خير الأنام سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الأُسد العظام، وبعد..

 

فإننا بين عامين: عامٍ نودعه، وعامٍ نستقبله.

فأما العام الذي نودعه فهو ذلكم العام الذي انقضى من عمرنا، وقرَّبنا نحو آخرتنا، فأصبحنا إلى القبر أقرب، وعن الدنيا وزينتها أبعد، وليس من هذا ولا ذاك مهرب.

 

لقد انقضى هذا العام ورحل عنا بخيره وشره، وحسناته وسيئاته، وما من لحظة مرت بنا فيه، إلا وهي إما شاهدة لنا أو شاهدة علينا!؛ ولذا فإنه من الواجب علينا تجاه هذا العام المنصرم أن نتذكَّر عدة أمور:

1- أن هذا العام الذي مضى لن تعود منه لحظة إلينا مرةً أخرى إلى يوم القيامة، لكنها قد سُجِّلت في صحائف كل واحد منا؛ ليلقى ما يسرُّه منها يوم القيامة ويتفاخر به، وليلقى ما يُسيئه منها وما يستقبحه ويجعله يتوارى عن الناس خجلاً.

 

وما صحائفنا إلا مجموع ما قدَّمناه وعملناه وقلناه ونويناه وكسبناه في هذه الحياة الدنيا.. قال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ (1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ (2) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (3) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (5)﴾ (الانفطار)، واقرأ معي قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32) إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ (33) وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (35) وَلا طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ (36) لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخَاطِئُونَ (37)﴾ (الحاقة).

 

2- أنه على العاقل أن يقف مع نفسِه وقفةً يحاسبها فيها على ما اقترفت من ذنوبٍ ومعاصٍ؛ في حق الله تعالى وفي حق نفسه وفي حق أهله وأولاده وفي حق أقاربه وأرحامه وفي حق جيرانه وأصحابه؛ بل وفي حق الناس الذين انتُهكت حرمة بيوتهم، ونُهبت أموالهم، ورُوِّع أطفالهم ونساؤهم، وغُيِّب الأبرياء منهم في السجون والمعتقلات بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله.

 

أقول لهؤلاء: انتصفوا من أنفسكم في الدنيا قبل أن يأتيَ يومٌ لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة.. تحلَّلوا من هذه المظالم قبل أن تعضُّوا على أيديكم حسرةً وندمًا، فلا تنفعكم الحسرة، ولا يغني عنكم الندم، وأدعوكم إلى أن تعقلوا هذا المعنى: "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله"، قال الألباني: "هذا حديث حسن"، ومعنى قوله "من دان نفسه" أي حاسب نفسه في الدنيا قبل أن يُحاسَب يوم القيامة.

 

ويروى عن عمر بن الخطاب أنه قال: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وتزيَّنوا للعرض الأكبر، وإنما يخف الحساب يوم القيامة على من حاسب نفسه في الدنيا"، ويروى عن ميمون بن مهران قال: "لا يكون العبد تقيًّا حتى يحاسب نفسه كما يحاسب شريكه من أين مطعمه وملبسه".

 

فماذا أنتم قائلون لربكم حين يسألكم عن كل هذه المظالم التي كسبتها أيديكم؟! وبأي شيء تدفعون عن أنفسكم دعاء المظلومين؛ الذين يبيتون لربهم سجدًا وقيامًا؛ يرجمونكم بأدعية صادرة من قلوب ذاقت مرارة الظلم والطغيان؟!.. آه لو كنتم تعقلون، أو تسمعون!!.

 

واعلم أيها العاقل أن محاسبة النفس في الدنيا يجب أن تكون دائمة ومستمرة:

فهناك المحاسبة اليومية، التي تكون في آخر كل يوم: ماذا قدَّمت، وماذا أخَّرت، ومَنِ اليوم ظلمت، وكم من مال حرام أكلت، وكم مرة لنفسك اليوم انتصرت؟ إلى آخر هذه التساؤلات العديدة التي تجعلك تعرف حالك من حيث الربح والخسران.

وهناك المحاسبة الأسبوعية، التي تكون في نهاية كل أسبوع.

وهناك المحاسبة الشهرية، التي تكون في نهاية كل شهر.

وهناك المحاسبة السنوية التي تكون في نهاية كل عام.

 

إذن.. لا بد أن تعرف أسباب الربح في عمرك حتى تنميَها، وأسباب الخسران في حياتك حتى تجتنبها، هكذا يكون التاجر الماهر بالتجارة؛ فعليك أخي العاقل التأمل في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ" (رواه البخاري).

 

وأما العام الذي نستقبله فإنه ذلكم العام المجهول بالنسبة لنا، والذي لا ندري ماذا سيكون حالنا فيه؛ فهل سنكون أمواتًا أم أحياءً؟! هل سنكون مرضى أم أصحاء؟! هل سنكون أقوياء أم ضعفاء؟! هل سنكون فقراء أم أغنياء؟! إلى آخر هذه الأمور التي لا يعلمها إلا الله تعالى، ولا تخفى على العقلاء، ومن هنا فإنني لا أجد أفضل من وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم أقدِّمها إليكم أيها الفضلاء؛ حتى تضعوا لأنفسكم خطةً طموحة، وتلجموا شهواتكم الجموحة، وتتخلَّوا عن كل رذيلة مألوفة، ولكي تكونوا سبَّاقين إلى الخيرات، مراقبين الله تعالى في الخلوات، مستعينين بالله تعالى في كل الحاجات، راجين منه القبول ورفع الدرجات، ولكي يتحقَّق فيكم قول خالق الأرض والسماوات: ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ (المؤمنون: 61)؛ فعن عمرو بن ميمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل وهو يعظه: "اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابَك قبل هِرَمك، وصحتَك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغَك قبل شغلك، وحياتَك قبل موتك".

 

 الصورة غير متاحة
فالشباب هو الفترة الوحيدة في حياة الإنسان التي يستطيع فيها خدمة نفسه ودينه ووطنه، أما قبل ذلك وبعده فهي فترات ضعف بالنسبة له؛ وذلك لقول الله تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ (الروم: 54)، ولكون القرآن والسنة قد اعتنيا بالشباب، فإن الدعاة المخلصين في كل عصر ومصر، يركِّزون على الشباب؛ لأنهم أمل هذه الأمة وعماد نهضتها، وهم الذين على أكتافهم تقوم الدعوات، وتنتصر المبادئ، ومن هؤلاء الدعاة المهتمين بهذه الفئة: الإمام حسن البنا؛ حيث قال:

"أيها الشباب.. إنما تنجح الفكرة إذا قوي الإيمان بها، وتوفَّر الإخلاص في سبيلها، وازدادت الحماسة لها، ووُجد الاستعداد الذي يحمل على التضحية والعمل لتحقيقها، وتكاد تكون هذه الأركان الأربعة: الإيمان، والإخلاص، والحماسة، والعمل من خصائص الشباب؛ لأن أساس الإيمان القلب الذكي، وأساس الإخلاص الفؤاد النقي، وأساس الحماسة الشعور القوي، وأساس العمل العزم الفتي، وهذه كلها لا تكون إلا للشباب، ومن هنا كان الشباب قديمًا وحديثًا في كل أمة عماد نهضتها، وفي كل نهضة سرَّ قوتها، وفي كل فكرة حامل رايتها: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ (الكهف: من الآية 13).

 

ومن هنا كثرت واجباتكم، ومن هنا عظمت تبعاتكم، ومن هنا تضاعفت حقوق أمتكم عليكم، ومن هنا ثقلت الأمانة في أعناقكم، ومن هنا وجب عليكم أن تفكِّروا طويلاً، وأن تعملوا كثيرًا، وأن تحدِّدوا موقفكم، وأن تتقدموا للإنقاذ، وأن تعطوا الأمة حقها كاملاً من هذا الشباب.

 

قد ينشأ الشاب في أمة وادعة هادئة، قوي سلطانها واستبحر عمرانها، فينصرف إلى نفسه أكثر مما ينصرف إلى أمته، ويلهو ويعبث وهو هادئ النفس مرتاح الضمير، وقد ينشأ في أمة جاهدة عاملة قد استولى عليها غيرها، واستبدَّ بشئونها خصمها؛ فهي تجاهد ما استطاعت في سبيل استرداد الحق المسلوب، والتراث المغصوب، والحرية الضائعة والأمجاد الرفيعة، والمثل العالية، وحينئذٍ يكون من أوجب الواجبات على هذا الشباب أن ينصرف إلى أمته أكثر مما ينصرف إلى نفسه، وهو إذ يفعل ذلك يفوز بالخير العاجل في ميدان النصر، والخير الآجل من مثوبة الله".

 

فاهتم بشبابك قبل أن يغزوَك الهِرَم والشيب، وساعتها تندم على كل لحظة مضت من شبابك دون أن تنتفع بها، وتتمنَّى أن يعود إليك شبابك بلا فائدة، وتقول ما قاله الشاعر الحكيم:

ألا ليت الشباب يعود يومًا        فأخبره بما فعل المشيب

ونُحْتُ على الشباب بدمع عين        فما نفع البكاء ولا النحيب

فلو كان الشباب يباع بدمع        عين لأعطيت المبايع ما يريد

ومن وصية الرسول صلى الله عليه وسلم لنا: اغتنام الصحة قبل المرض "صحتك قبل سقمك"؛ ففي حال الصحة تكون قادرًا على الصلاة والصوم والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعمل الدءوب المتواصل، وقراءة القرآن وحفظه، وتحصيل العلوم والمعارف، وفي حال المرض تكون عاجزًا حتى عن خدمة نفسك، ونحن لا ندري إلى متى ستظل الصحة، ومتى يأتي المرض!!

 

ومن وصية الرسول صلى الله عليه وسلم: "غناك قبل فقرك"؛ ففي حال الغنى تستطيع أن تنفق وتتصدَّق، وتصل الرحم، وتجاهد بمالك، وتكون يدك العليا تعطي ولا تأخذ، أما في حالة الفقر فإنك تأخذ ولا تعطي، فتكون يدك السفلى، وتصير عاجزًا حتى عن قضاء حوائجك ومتطلبات بيتك وأهلك، فاغتنم الغنى قبل الفقر.

 

ومن وصية الرسول صلى الله عليه وسلم: "فراغك قبل شغلك" فيا حسرتاه على أوقات الفراغ التي ولَّت ولم ننتفع منها بشيء!، بل ربما تكون قد ضاعت في ارتكاب ذنوب أو معاصٍ، ويا حسرتاه على الغفلات التي انتابتنا ولم ننتفع بأوقاتها!.

 

لقد فرَّطنا في أعمارنا، وهو رأس مالنا، وهو أغلى ثرواتنا؛ فليس الوقت من ذهب، كما يقول المثل، ولكن الوقت هو الحياة، كما يقول العقلاء، فاغتنم وقت فراغك قبل أن تنشغل بأمورٍ تجعلك لا تتمكَّن من عمل ما كنت ترغب فيه.

 

 الصورة غير متاحة

ومن وصية الرسول صلى الله عليه وسلم: "حياتك قبل موتك"، وماذا بعد الحياة إلا الموت؟! ماذا عسانا أن نفعله بعد الموت وليس بعد الموت عمل ولكن بعد الموت حساب وثواب وعقاب؟! فإذا انقضت حياتنا دون عمل كانت الخسارة عظيمة، والبلاء أعظم!!.

 

وعلينا أن نحذر طول الأمل في الدنيا، فنتَّكل على أن العمر طويل، وأننا ما زلنا في مقتبل العمر، وأننا في متسع من الحياة؛ فهذا من أخطر الغرور الذي يقع فيه الإنسان؛ فالعمر مهما طال قصير، وما أسرع الأيام والليالي!؛ فكل ما هو آت قريب، وكل ما مضى بعيد.

دقات قلب المرء قائلةٌ له       إن الحياة دقائق وثواني

 

فلتكن خطتنا في عامنا هذا تلكم الوصية الغالية التي أوصانا به حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ ففيها الخير كل الخير للبرية.. للخلق، وفيها النجاة من كل بلية، وفيها الشفاء من كل رزية.

 

وأختم كلماتي بهذا الحديث؛ ليعلم كل واحد منا: أين هو من هذه الأصناف التي ذكرها الحديث، فيعدِّل من مساره إذا لم يكن على الطريق الصحيح، فيكون من الصنف الثاني؛ فإن لم يستطع فليكن من الصنف الثالث.

 

فعن طارق بن شهاب أنه بات عند سلمان رضي الله عنه لينظر ما اجتهاده. قال: فقام يصلي من آخر الليل، فكأنه لم يَرَ الذي كان يظن، فذكر ذلك له، فقال سلمان: حافظوا على هذه الصلوات الخمس؛ فإنهن كفارات لهذه الجراحات ما لم تصب المقتلة، فإذا صلى الناس العشاء صدروا عن ثلاث منازل: منهم مَن عليه ولا له، ومنهم مَن له ولا عليه، ومنهم مَن لا له ولا عليه؛ فرجل اغتنم ظلمة الليل وغفلة الناس، فركب فرسه في المعاصي فذلك عليه ولا له، ومَن له ولا عليه فرجل اغتنم ظلمة الليل وغفلة الناس فقام يصلي فذلك له ولا عليه، ومَن لا له ولا عليه، فرجل صلى، ثم نام فلا له ولا عليه.. إياك والحقحقة- الغلو في العبادة- وعليك بالقصد ودوامه".

 

هذا وأسأل الله تعالى أن يكفيَنا شر أنفسنا، وأن يهديَنا إلى الحق، وأن يحفظنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.