- استغلال الأغاني الوطنية والتراث الشعبي منشطات جنسية
- خبراء الاجتماع: ما يحدث تدمير بطيء ومنظم للقيم والمبادئ
- خبراء الاقتصاد: شبكات الاقتصاد الأسود تتاجر في رغبات الشباب
تحقيق- خديجة يوسف:
هوجة من الإعلانات الغريبة والشاذة في بعض الأحيان، اجتاحت التليفزيونات والفضائيات العربية، وامتدت لتصل إلى الإذاعات ومواقع الإنترنت، وتروج هذه الإعلانات لمنتجات جنسيةٍ صارخة سواء لعلاج العجز الجنسي أو لمنع الانفلات الجنسي كما قالت بعض الإعلانات، وامتدت لتصل إلى الترويج للكحوليات بشكلٍ واضحٍ وصريحٍ دون أي تدخلٍ من الرقابة أو الهيئات المعنية بتمرير مثل هذه المواد الإعلانية الخطيرة، فضلاً عن إعلانات بعض القنوات الخاصة التي ترى أنها بإعلاناتها المستفزة والمسفة تتحدى الملل، كما هو الحال في قنوات (ميلودي).
ويجب الإشارة أيضًا إلى أن الإعلان عن أي منتجٍ أمر عادي ومهم لتسويقه، كما أن الإعلان عن المنشطات الجنسية لا يدخل ضمن المحظور الاجتماعي أو الشرعي، إلا أن الطريقةَ التي يتم بها الإعلان تُمثل خطورةً في حدِّ ذاتها؛ لأنها تفتح بابًا من الرذيلة يُهدد المجتمع المصري والعربي.
وقد فُوجئ المشاهدون العرب مؤخرًا بما يُشبه سباقًا بين عددٍ من الفضائيات العربية على بثِّ إعلاناتٍ مُثيرةٍ عن حبوب "الفياجرا" المنشطة جنسيًّا، والتي اعتمدت بشكلٍ أساسي على إيحاءاتٍ جنسية وصلت إلى حدِّ خدش حياءِ المشاهدين؛ مما أثار استياء خبراء إعلاميين الذين حذروا من أن تلك الإعلانات يمكن أن تقود إلى موجةٍ من البرامج والإعلانات تتضمن تجاوزًا أكبر، تُنحي جانبًا من القيم الأخلاقية والدينية.
الملفت في الموضوع أن هذه الإعلانات سطت على التراث الشعبي والوطني المصري الذي ارتبط بالحرب والانتصار، بل والانكسار أيضًا، وعلى سبيل المثال أغنية "خلي السلاح صاحي" لعبد الحليم حافظ، والتي غناها بعد ثغرة الدفرسوار لتلهب مشاعر المصريين، إلا أن شركات الدعاية كان لها رؤية مختلفة للأغنية الشهيرة رأت فيها بُعدًا لم يكتشفه المصريون، فقد استخدمتها في إعلانٍ عن المنشطات الجنسية، وتحوَّلت الأغنية التي تحثُّ على الصمود في مواجهةِ العدو إلى مكانٍ آخر ووجهةٍ أخرى.
ولم يمضِ أسبوع على بثِّ هذا الإعلان، حتى اضطرت قناتا "الحياة" و"دريم" إلى وقف عرضه؛ استجابةً لطلب المشاهدين الذين أبدوا استياءهم من الإساءةِ إلى أغنيةٍ شكَّلت وما زالت تُشكِّل الوجدان الوطني المصري والعربي.
كما قام بعض نشطاء الإنترنت بحملةٍ على الـ(فيس بوك) ضد إعلان مشروب البيرة بيريل الذي رفع شعار "استرجل واشرب بيريل", ولم تقتصر هذه الإعلانات على التليفزيون والصحف والإنترنت فقط، وإنما امتدت بأنيابها إلى إذاعة الـ FM الشهيرة بين الشباب.
هذه الهجمة الشبه منظمة دفعتنا إلى التساؤل عن أهدافها وتأثيرها ومدى تقبُّل الشارع المصري لها، وكيف يمكن مواجهتها.
بدايةً.. يقول عبد الله المصري (صحفي): لا بد من مقاطعة الفضائيات التي تقدم الإعلانات الإباحية والمناظر الخليعة، والتوعية الشاملة بخطورةِ العري والإباحية على المجتمع ككل، مؤكدًا أهميةَ أن تلعب القنوات الدينية دورها في التوعية ضد هذه الإعلانات.
ويقول سيد علي (موظف): يجب على كلِّ شاب أن يُرسل بخطاباتٍ إلى كلِّ المحطات الفضائية التي تعرض هذه الإعلانات الهابطة، ونقول لهم إننا نحترم المرأة والتقاليد وقبل كل ذلك نحترم ديننا وأنفسنا؛ ولذلك سنقاطع قناتكم، وخطابات مشابهة للصحف والمجلات التي تعرض إعلانات مخلة ومرتبطة بالمنشطات.
وتقول نادية إسماعيل (طالبة بكلية الهندسة): لا أحد يوافق على هذه المهازل التي تحدث على شاشات التليفزيون المصري والعربي, من إعلاناتٍ في منتهى الوقاحة والإباحية والعري إلى جانبِ انعدام خُلق الحياء الذي كان يتسم به رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، مؤكدةً تفعيلَ مقاطعة الشركات التي تقوم بعرضِ منتجاتها باستخدام الإعلانات الإباحية حتى يعودوا إلى رشدهم؛ لأن هدف هذه الشركات هو الربح في المقام الأول ولا يهمهم تقاليد أو عادات.
وتضيف مروة منيب (طالبة بكلية التربية) أنها ترفض بل وتنتقد جميع القنوات التي تعرض مثل هذه المواد سواء كانت إعلانات أو أغاني مستغلةً جسد المرأة أو تحمل إشارات جنسية مرفوضة.
دراسة خطيرة
وقد أجرى الدكتور فتحي الشرقاوي (مدير مركز الرأي العام بجامعة عين شمس) دراسةً ميدانيةً حول تأثير إعلانات الفياجرا في الفضائيات، شملت عينةً عشوائيةً حوالي 50 طفلاً بمصر، تراوحت أعمارهم بين 8 أعوام و15 عامًا.
![]() |
|
إعلانات قناة ميلودي تعد الأكثر في الإثارة |
وكشفت الدراسة أن الغالبيةَ العظمى من الأطفال فشلوا في إدراكِ حقيقة ما يهدف إليه الإعلان؛ مما يدفعهم إلى توجيه الأسئلة إلى أولياء أمورهم وأحيانًا لأصدقاء لهم يمدونهم في بعض الحالات بمعلوماتٍ جنسية صريحة يمكن أن تُشجِّع على الانحراف.
وحذَّر الشرقاوي في دراسته من أن تكون تلك الإعلانات التي تعتمد على الدلالات الرمزية الجنسية "بابًا خلفيًّا للترويج والتمهيد لانفتاحٍ جنسي أكثر على الفضائيات على الطريقة الغربية، يشمل سلسلة برامج وإعلانات تدعو تحت ستارٍ من البراءة إلى الصداقة والتعارف بين الشباب والشابات، بما يقود إلى ممارسة علاقاتٍ جنسية محرمة شرعًا، وهي كلها توجهات تهدم قيمًا أخلاقيةً تعدُّ سياجًا يحمي المجتمعات العربية والإسلامية".
وأضافت الدراسة أن "الشركات والجهات التي تقف وراء هذا الإعلان تسعى بهذه الصورة الرمزية المكثفة لاستهداف فئاتٍ أخرى غير المحتاجين للفياجرا من كبار السن والمرضى مثل المراهقين، خاصةً أن الفياجرا معروفة جيدًا لمعظم البالغين ولا تحتاج لإعلاناتٍ تُروَّج لها".
وحول وسائل حماية المجتمع من هذا الخطر، تقول الدراسة: "أفضل وسيلة هي تحويل الأثر السلبي إلى قيمة إيجابية عن طريق شرح مخاطر الفياجرا على صغار السن ومرضى القلب وعلى قوة الإبصار، كما تشير تقارير علمية، لكن المشكلة أن هبوط المستوى الثقافي لبعض الآباء والأمهات ربما لا يسمح لهم بالرد الكافي على تساؤلات الأبناء بشأن الإعلان، وبالتالي ينفتح الباب أمام التأثير السلبي من أوساط أخرى على المراهقين والشباب".
أين الرقابة؟
من جانبه يؤكد د. محمد وهدان أستاذ الإعلام بجامعة الأزهر أن الإعلانات عمومًا سواء كانت بالتليفزيون المصري أو الفضائيات باتت في حاجةٍ إلى إعادة النظر فيما تقدمه، مشيرًا إلى أنها تشبه "مَن يضعون السم في العسل"، خاصةً أنها تعمل على استفزاز القارئ والمشاهد.
وأوضح أن استخدام المرأة في الإعلان إضافةً إلى الألفاظ التي تحوي إيحاءاتٍ جنسية صريحة يهدف إلى تحقيق الربح السريع حتى وإن كان هذا الربح على حساب قيم وأخلاقيات المجتمع، وتساءل ما دخل المرأة بإعلانٍ يتحدث عن موس الحلاقة؟!، مؤكدًا أن هذه محاولة واضحة لنشر الرذيلة وإثارة الغرائز في المجتمع المصري والعربي المحافظ.
وتساءل أستاذ الأعلام: أين دور هيئة الرقابة على الإعلانات في الفضائيات؟، مشيرًا إلى أن هذه الإعلانات تصبُّ في مصلحةِ أعداء الأمة الإسلامية والعربية، بل وتعمل على إفساد الشباب باعتبارهم مستقبل الأمة وزلزلة قيمهم.
ويضيف د. وهدان أننا نُعلِّم أبناءنا بكلية الإعلام أن صفات الإعلان الناجح هو الذي تتوافر فيه عدة شروط منها ألا يكون مثيرًا, ولا يوجد به غش, مع ضرورةِ أن يُراعي أي إعلانٍ قيم وأخلاق المجتمع، مؤكدًا أن للجمهور حقًّا في هذا الإعلان، لافتًا النظر إلى أن الإعلان الذي يقوم على غير الأسس السابقة يفشل فشلاً ذريعًا؛ لأنه اعتداءٌ على قيم ومُثل المجتمع.
وتساءل د. وهدان: ما الداعي وراء استخدام كلمة "استرجل" في إعلان مشروب البيرة بيريل؟! وهل مَن لا يشرب بيريل ليس برجل؟!، وشدد على أهمية استيقاظ الأمة العربية من سباتها العميق.
وشدد د. وهدان على أهمية تنظيم حملات توعية للناس عبر الصحف وبرامج الفضائيات والإذاعات ومقاطعة هذه السلع، وتفعيل دور الأسرة عن طريق تحصين أبنائها.
استهداف غربي
ويرى د. علي ليلة أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس أن هناك استهدافًا غربيًّا لمصر والعالم العربي، خاصةً في الفترة الأخيرة، ويُثبت ذلك كميات الأشرطة الإباحية والفياجرا التي يتم العثور عليها، مؤكدًا أن الهدف من وراء هذه الخطة أو الهجمة هو إيقاد وإشعال نار الغرائز لدى الشباب والفتيات، مضيفًا أنه ليس من قبيل الصدفة أن نجد كل عوامل إشعال الغرائز وقد اجتمعت كلها على كاهل الشباب الذين هم عماد الأمة ولديهم الطاقات وما زالوا في مرحلةِ الانضباط الأخلاقي، مشيرًا إلى أن الهجمة مُوجَّهة إلى المراهقين والشباب لانتزاعهم انتزاعًا من قيمهم وأخلاقهم وعاداتهم وتقاليدهم حتى يجعلوهم بلا هوية ولا هدف ولا يعرفون الصواب من الخطأ.
ويضيف أن الحضارةَ والثقافة العربية ما زالت محتفظة بقيامها الأساسية، ولكن الغربَ يخطط لمحو هذه القيم حتى تتساوى الحضارات؛ لأننا غالبًا ما نمتاز عليهم بالقيم والأخلاق الإسلامية التي تسود مجتمعاتنا فتنعم بالأمن والأمان؛ مما جعل الغرب يحقد علينا ويسعى في خطى ثابتة لمحو هذه القيم حتى تتساوى الحضارات ونصبح جميعًا بلا أخلاق.
ويؤكد أن هذه الإعلانات السيئة هي جزءٌ من هذه الخطة المدبرة لتدمير شبابنا، خاصةً أننا أصبحنا في عالم القنوات المفتوحة، وشدد على أهمية استيعاب "اللخبطة" الموجودة في المجتمع، واصفًا التهاون في الوقوف في وجه هذه الموجة من الإعلانات المخلة والصمت عليها بأنه نوعٌ من الرضا الصامت.
"استرجل"
ويحلل د. ليلة كلمة "استرجل" الذي رفعها بيريل شعارًا له قائلاً: إن هذه الكلمة تدفع المراهق والشاب إلى التعلق بهذا المشروب وشرائه لإثبات رجولته للمجتمع، موضحًا أن الشاب، خاصةً في سنِّ المراهقة يكون لديه إحساس ملح لاعتراف المجتمع برجولته، مؤكدًا أن الإعلان يحمل بين طياته تدميرًا منظمًا لتغيير معالم وصفات الرجولة في المجتمع العربي وحصرها في مشروب شعير.
واستنكر غياب دور مؤسسات التنشئة الاجتماعية، مؤكدًا أن العطب أصابها، وعلى رأسها الأسرة والمدرسة، فلم يعد هناك الأب المتفرغ الذي يسمع مشاكل واستفسارات أبنائه بعد أن خضع الأب والأم لعملية غسيلٍ مخ إعلامي، مشددًا على أهمية اقتراب الأسرة من أبنائها وضرورة مراجعة الأسرة نفسها، وأن تتعرف على دورها من جديدٍ وتقوم به على أكمل وجه؛ حرصًا على مستقبل أبنائها.
ونادى د. ليلة بضرورة إنشاء لجنة أمناء للإعلام بحيث يتم انتقاء أعضائه من بين كل الأطياف الثقافية الموجودة بالمجتمع، شريطةَ أن تتوافر في كلِّ أمينٍ من هؤلاء حرصه على سلامة وأمن المجتمع، وأن يتم وضع ميثاق شرف إعلامي يجعل للإعلام دورًا بنَّاءً وليس هدامًا كما نراه الآن، مشددًا على ضرورةِ عودة الدور الحقيقي للمدرسة والأندية الرياضية حتى يستطيع الشباب تفريغ طاقتهم، موضحًا أننا في أشدِّ الاحتياج إلى وزير تعليم له رؤية محترمه وواضحة، وليس كل همه طبع الكتاب المدرسي قبل بداية العام الدراسي، فنحن في حاجةٍ إلى صحوةٍ اجتماعيةٍ لأننا في عصر القنوات المفتوحة ونحتاج إلى تسليح أنفسنا وأبنائنا بالقيم والأخلاق ليستطيعوا مواجهة الفساد الأخلاقي الذي ينتظرهم.
فوضى اقتصادية
![]() |
|
د. عبد الحافظ الصاوي |
ويشير عبد الحافظ الصاوي الخبير الاقتصادي إلى دور شبكات الاقتصاد الأسود التي تستفيد من رواج مثل هذه المنتجات ويتم استدراج الشباب بكلماتٍ لها رنين مؤثر في نفوسهم؛ مما يُؤثِّر على الاستقرار الأسري، موضحًا أنه يتم استغلال جزءٍ من نفقات الأسرة في شراء هذه المنتجات سواء كانت منشطات أو مشروب شعير وغيره، إضافةً إلى أن هذه الإعلانات تُؤثِّر بالسلب على عطاءِ الفرد وإنجازه في مقرِّ عمله؛ لأن تركيزه كله مسحوب إلى جهةٍ واحدة، مؤكدًا أن هذه ثقافة غير صحيحة تمكَّنت شبكات الاقتصاد الأسود من نشرها؛ لتحقيق مكاسب باهظة على حساب الشاب الضائع في براثن البطالة وفشله في ممارسة حقه الطبيعي في تكوين أسرة.
وشدد على أهمية أن يلعب المجتمع الأهلي- ممثلاً في رجال الأعمال وجمعيات الإصلاح- دوره في مجتمعه بأن يقوم بدراسة مشاكل المجتمع الذي يعاني من البطالة والأمية والفقر وعجز في الميزان التجاري وفقدان الانتماء، ويضع خطةً قويةً محكمةً بالاستعانةِ بعلماء مصر لتنفيذ هذه الخطة والاستفادة من طاقات الشباب المهدرة.
تفعيل المقاطعة
![]() |
|
م. هيثم أبو خليل |
ويؤكد أن نشر ثقافة المقاطعة لهذه الإعلانات دور المدونين ونشطاء الفيس بوك ومنظمات المجتمع المدني من أحزابٍ ونقاباتٍ وجمعياتٍ للمرأة ونوادٍ وغيرها ليهبوا جميعًا متعاونين؛ للحفاظ على المجتمع من الانهيار، فهم حائط السد الشعبي لوقف هذا الابتذال مدام النظام المصري بوزارة الثقافة والإعلام في غيبوبة.
ويستند أبو خليل على قوة تأثير المقاطعة بواقعة مشروب "فيروز" بعد مقاطعته لمدة ثلاثة أعوام بسبب إعلاناته الإباحية، والنتيجة تغيَّر شكل الإعلان نهائيًّا، مؤكدًا أن أي منتج يريد في النهاية المكسب وليس تحدي شعور الناس.
وعن نجاح حملة "نحن رجال بدون أن نشرب بيريل" يقول الناشط الإلكتروني: إن الحملةَ حققت نجاح كبيرًا وتفاعلت معها مواقع إعلامية وكُتَّاب وصحفيون.


