المراهقون السياسيون فقط هم الذين لا يدركون السياسة الحكيمة وراء مشاركتنا في حصار غزة، والمزايدون والمغرضون فقط هم الذين يريدون توريط مصر في هذه المشكلة.
فالحقيقة واضحة: مصر ليست هي من تحاصر غزة، ولكنه الكيان الصهيوني؛ لأن الغذاء والدواء والوقود كان يأتي إلى غزة من ناحية الكيان ولا من ناحية مصر، وهو الآن هي مَن يُوقف إمداد غزة بها، فإذا تفلسف أحد الساذجين أو العاطفيين، وقال إن الحصار يحتاج إلى قوسين، وإن مصر من واجبها أن تمد غزة بالغذاء والدواء والوقود أجبته بالحجج الدامغة التي تكشف خطأ هذا الاعتقاد.
فأولاً: فتح مصر معابرَها وإمدادُها غزةَ بالوقود والغذاء يعفي الكيان الصهيوني من مسئوليتها الدولية والقانونية بصفته قوة احتلال "محترمة" لا بد أن تقوم بدورها على أكمل وجه في إدارة شئون الإقليم الذي تحتله "وإذلاله وإخضاع شعبه".
وثانيًا: تنسيقنا مع حركة حماس التي تدير قطاع غزة لفك الحصار ورفع المعاناة عن سكانه إنما هو تقويةٌ لها؛ مما يكرِّس حالة الانقسام الفلسطيني؛ فلا بد من إحكام الحصار وتجويع أهل غزة وشن الحملات الإعلامية الشرسة والمتتابعة على حماس؛ أملاً في تأليب سكان القطاع عليها حتى تخضع الحركة وتزحف راكعةً طالبةً من سلطة أبو مازن والكيان الصهيوني الصفح فتنتهي بذلك حالة الانقسام الفلسطيني.
وثالثًا: أليست سياسات حماس الخاطئة هي التي أوقعتها في هذا الوضع؟! هل نحن مطالبون بتحمل أخطاء غيرنا؟! فلتعد حماس إلى رشدها ولتدخل في بيت الطاعة الصهيوني والأمريكي، فلتعترف بالكيان الصهيوني وتلقي السلاح ولتدخل فيما دخلت فيه فتح من قبلها.
ثم أليست هذه هي حماس التي قذفت جنودنا "الذين يحاصرونهم" بالحجارة واخترقت حدودنا "لفك الحصار" بالعنف؟! أليست هذه حركة حماس التي تصر دومًا على إحراج الطرف المصري وتوجيه الانتقادات المستمرة إليه؟! كيف بعد ذلك نساند هذه الحركة وكيف نطمئن أنها لن تهاجم مصر مرةً أخرى؟! ولا يقول أحد لي إن الكيان الصهيوني قتل جنودنا ومواطنينا على الحدود مرات عدة، أو أنه دأب على الهجوم على مصر وتهديدها وإهانة رئيسها ووزرائها؛ فالوضع مختلف؛ فالكيان تربطنا به معاهدة سلام واتفاقيات تطبيع لا يمكن الغدر بها "والوفاء من شيم الرجال"، أما حماس فلا ولم ولن تربطنا بهم يومًا مثل هذه الاتفاقيات.
وأخيرًا.. لماذا مصر دائمًا هي المطالبة بتقديم تضحيات من أجل العرب؟! ولماذا تطالب مصر وحدها بفك الحصار؟! ألأنها المنفذ البري الوحيد لغزة "غير الكيان الصهيوني؟! فليفك العرب الحصار من البحر إن أرادوا، أما نحن فثابتون على موقفنا كمحاصِرين لغزة ولن نحيد عنه.
أيها المصريون.. كفانا إهدارًا لجهودنا وطاقاتنا ومواردنا، فلنرفع جميعًا في وجه المزايدين والمغرضين شعار مصر أولاً "واللي تعوزه الدويقة يحرم على غزة"، ولا يقل لي أحد: "إننا منذ أكثر من ثلاثين عامًا ونحن نرفع هذه الشعار، فلماذا تتدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية في مصر؟!"؛ لأني حقيقةً لست أدري.. "أنا حافظها كده".
وختامًا.. أي مصري يشعر بالحرج أو بالخزي أو العار بسبب مشاركة مصر في حصار غزة فليظل يردد هذه الأسباب ويرددها ويقولها لمن حوله حتى يصدقها "أو على الأقل يصدق أيًّا منها" فيموت ضميره ويرتاح!!.