- مطلوب من مصر التدخل المباشر والسريع

- أصابع الاتهام تشير إلى الصهاينة والأمريكان

- الخطورة إذا سلَّحت الشركات سفنها عبر القناة

- الحكومة تعاني من "البلادة" في التفكير

- 10% قيمة تراجع دخل قناة السويس خلال شهر

 

تحقيق- خالد جمال:

لم يَدُرْ بأذهان أي مصري أن تتعرَّض قناة السويس ثالث أكبر مصدر للدخل القومي المصري لتهديدات في وقتِ سلمٍ بعيدٍ تمامًا عن أي حروب، إلا أن هذا ما يحدث الآن بالفعل وباعتراف رئيس هيئة القناة بعد مراوغات عديدة من الحكومة.

 

والتهديد ليس فقط بسبب الأزمة المالية العالمية التي تؤثر في كلِّ الدول، وإنما هناك أسباب أخرى؛ منها القرصنة في خليج عدن وأمام سواحل البحر الأحمر وتحديدًا أمام شواطئ الصومال وكينيا.

 

ما يحدث مع قناة السويس حاليًّا يُعيد إلى الذاكرة حوادث عديدة كانت فيها القناة مسرحًا لمعارك سياسية وعسكرية، أسفر بعضها عن توقف الملاحة في القناة، كما حدث بعد قرار الرئيس الراحل جمال عبد الناصر تأميمَ القناة، والذي تسبَّب في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م، وكذلك عندما نشبت حرب يونيو عام 1967م؛ حيث أُغلقت القناة ثمانية أعوام كاملة.

 

ولم تكن تلك سوى أمثلة لمحطات في تاريخ قناة السويس الذي تقول صفحاته الأولى إن مليونًا ونصف المليون مصري شاركوا في حفر القناة التي كانت مجرد فكرة أقنع صاحبها "ديليسبس" واليَ مصر الخديوي سعيد بتنفيذها قبل 149 عامًا.

 

وتقول أيضًا إن مائة وعشرين ألف مصري لقَوا حتفهم أثناء حفر القناة، إلى أن افتتحت في احتفال أسطوري في السابع عشر من نوفمبر عام 1869م.

 

ونعود إلى الحاضر؛ حيث قامت شركات ملاحية دولية من النرويج والدنمارك على إثر تزايد أعمال القرصنة في خليج عدن بتحويل سفنها إلى طريق رأس الرجاء الصالح، ونتيجةً لذلك انخفضت بالفعل إيرادات قناة السويس، ولا شك أن الأزمة السياسية في الصومال ستلعب دورًا كبيرًا في استمرار أعمال القرصنة في المستقبل القريب.

 

وربما لهذا السبب تدرس هيئة قناة السويس تأجيل إعلان رسوم المرور الجديدة بالقناة للعام القادم "2009م" لبحث تداعيات قضية القرصنة.

 

أما بالنسبة للأزمة المالية العالمية فتأثيرها وتهديدها للقناة أوضح وأكبر من تهديد عمليات القرصنة إلى الحد الذي دفع الفريق أحمد فاضل رئيس هيئة قناة السويس إلى القول إن القناة تواجه الآن بداية العاصفة التي "نرجو ألا تطول".

 

يُضاف إلى الأزمة المالية وقراصنة خليج عدن المزاعم الصهيونية الخاصة بحفر قناة "البحرين" للربط بين البحر الأحمر والبحر الميت كمرحلةٍ أولى، ثم ربط البحر الأحمر بالمتوسط بعد ذلك، وبإنشاء هذه القناة يكون الصهاينة قد أوجدوا بديلاً أرخص وأسرع لقناة السويس بما يهدد وبقوة حركة الملاحة عبرها.

 

وقد أفادت دراسات عديدة بأن قناة السويس مصدر مهم للاقتصاد المصريِّ، وممرٌّ إستراتيجي يربط نصف الكرة الأرضية غربه بشرقه، وكونها تحت السيطرة المصرية يجعل الكيان الصهيوني دائمَ التفكير في إيجاد بديل لهذا الممر المائي المهم، الذي قد يُستعمل عربيًّا- من وجهة نظر صهيونية- ضد مصالح الكيان في المنطقة.

 

كل هذه التحليلات والدراسات جعلتنا نتساءل عن مصير قناة السويس وسط هذه التهديدات والمؤامرات، وإذا تساءلنا عن مصير قناة السويس فبالتالي نتساءل عن مصير مصر؛ لما تمثله القناة من بعد أمني وإستراتيجي واقتصادي مهم لمصر.

 

تراجع واضح 

 الصورة غير متاحة

أعمال القرصنة تهدد بانخفاض إيرادات قناة السويس

في البداية يؤكد سمير معوض مدير عام غرفة ملاحة بورسعيد أن قناة السويس تراجع دخلها بنسبة 10% خلال شهر واحد؛ حيث حقَّقت في أكتوبر 2008م نحو 467.5 مليون دولار مقابل 469.6 في سبتمبر من نفس العام نتيجة أعمال القرصنة من جهة والكساد العالمي من جهة أخرى.

 

إلا أنه يرى أن السفن لن تتراجع عن المرور عبر القناة؛ لأن رحلة السفينة عن طريق رأس الرجاء الصالح قد تُعرضها إلى مخاطر أكبر؛ مما يترتب عليه زيادة قيمة التأمين، بالإضافةِ إلى زيادة معدلات استخدام الوقود؛ حيث سيزداد وقت الرحلة من 12 يومًا إلى شهر.

 

وللحد من الآثار السلبية المتوقعة على قناة السويس يقترح معوض أن تبحث قناة السويس عن مجالات جديدة للاستثمار فيها بحيث لا يكون الاعتماد بالكامل على مجرى القناة لتوزيع المخاطر، وكذلك الاستعانة بالخبراء لوضع إستراتيجية ممتدة الرؤى في المستقبل لحمايةِ القناة واستثمارها بشكلٍ جيدٍ وشامل.

 

تدخل مصري

ويرى الدكتور محمد عبد السلام الخبير الإستراتيجي بمركز (الأهرام) أن التأثير الاقتصادي على قناة السويس بسبب أعمال القرصنة في خليج عدن واضح جدًّا نتيجة تحويل شركات شحن كثيرة طريق ملاحتها إلى رأس الرجاء الصالح بدلاً من قناة السويس، ومن المتوقع أن تليها شركات أخرى تنتظر التعامل الدولي مع القراصنة.

 

وأضاف د.عبد السلام أن الأزمة المالية العالمية قد فاقمت الأزمة، وهذا يعتبر تهديدًا غيرَ مباشر لأحد أهم الموارد السيادية لمصر.

 

وبالنسبة لقناة البحرين يؤكد د.عبد السلام أن هذا المشروع غير جاد ومجرد حبر على ورق وكلام خيالي؛ لأن الكيان الصهيوني حتى الآن لم يتخذ خطوات فعَّالة في هذا الشأن مثل رصد الميزانية أو تكوين لجنة لدراسة تنفيذ المشروع على الأرض.

 

وشدد د. عبد السلام على ضرورةِ تدخل مصر بشكلٍ محددٍ لحل أزمة القرصنة وإلا ستُفاجأ بحلفٍ إستراتيجي دولي مصر ليست عضوًا فيه يتعامل عسكريًّا مع الأزمة بما يُمثِّل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري والعربي للدول المطلة على البحر الأحمر.

 

وأشار د. عبد السلام إلى تصريحات المسئولين في مصر التي تتحدث عن إمكانية تدخل عسكري في المنطقة، وأوضح أن هناك قرارًا عربيًّا بالتعامل مع المسألة؛ مما يُشكِّل خطًّا إقليميًّا ودوليًّا للقضاء على هذه الظاهرة، مضيفًا أن الخيارات كثيرة في تعامل المجتمع الدولي مع الأزمة، وكلها تصبُّ في اتجاه التعامل العنيف أو العسكري، وأول هذه الخيارات هو تأمين السفن المبحرة عبر خليج عدن والبحر الأحمر تأمينًا عسكريًّا كثيفًا لضمان صد أية هجمة من القراصنة.

 

أما عن الخيار الثاني فيقول د. عبد السلام إن محاصرة قوة دولية كبيرة لشواطئ الصومال أمرٌ مطروح حتى تمنع هذه القوة خروج القراصنة من داخل الصومال إلى الشواطئ ومنعهم كذلك من الاختباء داخل الصومال، والخيار الثالث يتمثل في توجيه ضربة عسكرية قوية إلى معاقل القراصنة، ولكن الضرب في أغلب الأوقات لا يأتي بنتيجة.

 

وأوضح د. عبد السلام أن طريقَ المفاوضات غير مناسب في هذه الأزمة، فهي مشكلة عاجلة جدًّا ومباشرة جدًّا ولا تحتاج إلى خططٍ طويلة المدى، ولكن لا بد من رد فعل مباشر.

 

أصابع الصهاينة

 الصورة غير متاحة

 د. أكرم الشاعر

ويشير الدكتور أكرم الشاعر نائب دائرة بورسعيد إلى أن عدم تدخل أمريكا عسكريًّا ضد القراصنة يضع الكثير من علامات الاستفهام على سكوت أمريكا عنهم برغم القوة العسكرية الأمريكية، بالإضافةِ إلى أن أصابع الاتهام تشير إلى الصهاينة الذين يريدون الإضرار بمصالح مصر الاقتصادية والإستراتيجية ويعزز من ذلك الإمكانات الرهيبة التي يمتلكها القراصنة والتساؤلات عن الجهة التي تمولهم.

 

وأكد د. الشاعر أنه لو كان هدف القراصنة هو المال فقط فإن لديهم المقدرة على السيطرة على طريق رأس الرجاء الصالح، أما لو كان الهدف هو مصر واقتصادها وسيادتها فإن الأمر ينذر بوضعٍ خطيرٍ تشهده الأيام القادمة، مشيرًا إلى أن الأزمة المالية العالمية كان من الممكن أن تزيد دخل القناة لولا عمليات القرصنة؛ لأن الأزمة المالية أبرزت توجه العالم نحو البعد عن الرأسمالية الأمريكية، وبالتالي توجههم سيكون إلى أسواق شرق آسيا، ويصبح المرور بقناة السويس هدفًا جوهريًّا ومحوريًّا فيزيد دخل القناة.

 

وطالب د. الشاعر بضرورة تدخل عسكري إفريقي للقضاء على القراصنة وحماية خليج عدن والمنطقة كلها لمنع محاولات أمريكا والاتحاد الأوروبي الحضور العسكري هناك، وهذا يُذكرنا بالإمبراطورية البرتغالية التي كانت تخطط للسيطرة المائية على العالم، بالإضافةِ إلى أن الدول العربية هي التي تطل على سواحل البحر الأحمر، ومن واجبها التدخل وعدم انتظار أحد يسيطر على المنطقة ويُهدد أمنها القومي.

 

وحذَّر د. الشاعر من تأثير التهديد الذي يواجه القناة على ميناء شرق التفريعة لما يُمثله من بُعدٍ إستراتيجي لمصر يتعلق بسيناء؛ حيث إن الوجود المصري في سيناء أفضل من الحديث عن الأضرار المادية والاقتصادية.

 

اقتصادي فقط

 

اللواء عادل سليمان

ويختلف اللواء عادل سليمان المدير التنفيذي للمركز الدولي للدراسات المستقبلية والإستراتيجية مع الرؤية السابقة؛ حيث يؤكد أن تهديد أعمال القرصنة على قناة السويس سيكون اقتصاديًّا فقط، مستبعدًا أي تهديد عسكري أو إستراتيجي على مصر، وأضاف سليمان أن دراسات قناة البحرين الصهيونية قديمة ولم تثبت جدواها، كما أنها لا تُسبب أي تهديدٍ لقناة السويس أو لمصر.

 

وطالب مصر باتخاذ خطوات جادة لحماية مصالحها الاقتصادية المترتبة على ازدياد أعمال القرصنة، بالإضافةِ إلى الأزمة المالية العالمية.

 

 

استقرار الصومال

ويرى الخبير الملاحي وعضو مجلس الشعب السابق محمد أنور عصمت السادات أن حديث الصهاينة عن حفر قناة البحرين لتكون بديلاً عن قناة السويس لا يتعدى كونه تهديدًا وحملات إعلامية تشن لأهداف أخرى، مضيفًا أن قناة السويس لن يُؤثِّر فيها شيء إلا لو ازدادت أعمال القرصنة عن الوضع الحالي.

 

وأكد السادات أن حلَّ مشكلة القرصنة يعتمد في المقام الأول على حلِّ أزمة الصومال الداخلية والقيام بدوريات وقائية تراقب السفن المارة في خليج عدن وتشرف عليها الدول التي تطل سواحلها على البحر الأحمر.

 الصورة غير متاحة

محمد أنور عصمت السادات

 

وطالب السادات جامعة الدول العربية بأن تُعير الصومال اهتمامًا أكبر لتحقيق الاستقرار فيه وإبعاد القوى الخارجية عن الوجود هناك، مشيرًا إلى أن قناة السويس ممر مائي عالمي، ومن مصلحة أية دولةٍ في العالم أن تُحافظ على استقراره، ولكن يجب على الدول العربية ألا تترك المسألة تصل إلى أن تتدخل بعض القوى الخارجية في المنطقة لحمايةِ مصالحها، وأن تأخذ المبادرة ولا تنتظر أن يحدث مثلما حدث في دارفور ثم نصرخ بعد ذلك.

 

وحذَّر السادات من اتجاه شركات ملاحة كبيرة إلى تغيير طرق سفنها إلى طريق رأس الرجاء الصالح بدلاً من قناة السويس؛ مما يسبب عجزًا كبيرًا في إيرادات القناة التي تُمثل موردًا مُهمًّا للعملة الصعبة في الدخل القومي المصري.

 

كما حذَّر من خطورةِ دراسة بعض شركات الملاحة إلى تسليح سفنها؛ الأمر الذي يحتمل معه حدوث عمليات تهريب للأسلحة إلى موانئ الدول التي تمر فيها السفن، ومنها مصر.

 

بلادة تفكير!!

ومن الناحية الاقتصادية يرى الدكتور عبد الرحمن عليان عميد كلية التجارة وإدارة الأعمال بأكاديمية المستقبل أن الأزمة المالية العالمية أثَّرت على حركة التجارة العالمية؛ مما أضعف الواردات والصادرات وبالتالي قلَّت حركة السفن التي تنقل البضائع حول العالم.

 

وأضاف أن تأثير عمليات القرصنة في خليج عدن على حركة التبادل التجاري بين جنوب شرق آسيا والعالم العربي وأمريكا وأوروبا لن يتضح في هذه الفترة إلا بعد معالجة الأزمة، مؤكدًا أن أزمة قناة السويس لن يتم حلها إلا بعد أن تحل الأزمة المالية؛ لأن كل الموانئ والممرات المائية تأثَّرت وليس قناة السويس فقط.

 

واتهم عليان الحكومة بـ"بلادة التفكير" وعدم وجود سياسة مالية ونقدية واضحة وصحيحة لمواجهة الأزمة، كما أن المجموعة الاقتصادية لا تملك رؤيةً واضحةً لذلك.

 

وطالب بأن ينعقد المجلس الأعلى للسياسات المالية وينسق بين سياسات الحكومة وسياسات البنك المركزي لوضع رؤية موحدة ومشتركة في سبيل تفادي مخاطر الأزمة.