يحتاج الإنسان بين الحين والآخر إلى الراحة كي يعاود نشاطه ويستطيع المواصلة بعيدًا عن الانغماس في غمار الدنيا وانشغالها وزحمة المشكلات التي تفقد الإنسان الزاد أو يكاد يقل.. هكذا حال المسلم؛ تتخلل أيامَه أيامٌ تجعله يستمد منها الزاد ليُكمل مشوار عباداته؛ فهو يحتاج بين وقت وآخر إلى محطات وقود يتزوَّد منها بالطاقة ليُكمل المسيرة إلى ربه.
ولهذا فإن الله رحيم بعباده؛ فهو يحب أن يجعل لعباده فرصًا للتوبة والتزود لباقي العام؛ فهو يحب أن يرى عباده يتقربون إليه بالطاعات؛ لذلك جعل الله لنا كل عام أيامَ خير وبركة، يضاعف الله لنا فيها الثواب لترغيبنا في العمل فيها؛ أيام نفحات وهبات وعطايا بلا حدود من رب الأرض والسماوات، حتى يعود العصاة، ويتوب المذنبون، ويتزوَّد الصالحون؛ حيث ورد عن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: "إن لربكم في أيام دهركم لنفحات؛ ألا فتعرضوا لها"، وها نحن في نفحة من نفحات الله عز وجل؛ ألا وهي العشر الأول من ذي الحجة.. فهيا نشمِّر عن ساعدينا كي ننال أعلى الدرجات في الجنة، بل هيا نجعل هذه العشر محطة تزوّد بالصالحات والتقوى؛ حتى نسير بقية العام في طاعة الله وعلى درب رسول الله.
فالعمل في هذه الأيام هو خيرٌ من العمل طوال أيام السنة الأخرى؛ قال الله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28)﴾ (الحج)، قال بن عباس: أيام العشر (فتح الباري 2/457)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله منه في هذه الأيام العشر"، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟!، قال: "ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء" (رواه البخاري).
مظاهر غريبة
ولكن سرعان ما تنتهي هذه الأيام المباركة ويعود حالنا كما هو، فنحن تشتدُّ همَّتنا في فترات وتهبط بعد انقضائها، وكأن ديننا أصبح مواسم، نعبد رب العباد ونكون في قمة الطاعة في هذه الأيام، ونعود في الانحدار بعد انتهائها، كما تظهر على الساحة مظاهر غريبة للتحايل على الدين؛ فنرى مثلاً من ترتدي الحجاب في رمضان، فإذا انقضى رمضان خلعته، ومن يتقرب إلى الله في مثل هذه الأيام بصيام يوم عرفة، فإذا صامه قال لنفسه الآن قد كفَّر الله عني ذنوب عامين؛ عام مضى وعام لم يأت بعد، فيطلق لنفسه العنان ليفعل ما شاء من الذنوب والمعاصي، معتقدًا أن هذه الذنوب قد غفرها الله له مسبقًا، ولا يدري المسكين هل تقبَّل الله منه هذا الصيام أو لا، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ﴾ (المائدة: من الآية 27)، ولا يدري أن من علامات قبول الطاعة الاستمرار في الطاعة، وأن الأعمال بالخواتيم.
قصة أخرى حقيقية يرويها أحد الزملاء فيقول: كان جارنا لا يصلي، ثم أكرمه الله بأداء فريضة الحج، ولما عاد ظننت أنه سوف يحافظ على الصلاة، ولكني فوجئت بتركه الصلاة، ولما دعوته إلى الصلاة يومًا، قال: "لا أحد يقول لي: تعالى صلي، دا أنا صليت في الحرم صلاةً تكفيني العمر كله!!"، وهو يقول هذا الكلام لما سمعه من أن الصلاة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة!.
وحتى لا نكون من عُبَّاد المواسم الذين لا يعرفون الله إلا وقت الموسم، فإذا انقضى الموسم عاد إلى ما كنا عليه؛ ظنًّا منه أن ما فعله من خيرٍ في هذه الأيام يكفيه بقية عمره، فسوف نورد بعض الأعمال المستحب فعلها في هذه الأيام وكيفية الاستفادة منها بقية العام، ولنا أن نعلم أن لنا حدًّا لا ينبغي أن ننزل دونه في العبادة؛ ألا وهو الفرائض، فلا ينبغي أن يفرط المسلم فيها بحجة أنه أكثر من التطوع في هذه الأيام، أما النوافل والتطوع، فنزيد منها في أيام النفحات، ثم يكون لنا منها نصيب بعد ذلك طيلة العام.
الأعمال المستحب فعلها في هذه الأيام
الصيام:
يسن للمسلم أن يصوم هذه الأيام أو بعضها إن استطاع؛ لأن الصيام من أفضل الأعمال.. فقد قال الله في الحديث القدسي: "كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به" (رواه البخاري).
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على صيام هذه الأيام، فصيام يوم تطوعًا يبعد المسلم عن النار سبعين سنة كما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه: "من صام يومًا في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا" (متفق عليه)، ويجب أن نستفيد من صيام مثل هذه الأيام بأن نعوِّد أنفسنا على صيام السنن طوال العام حتى ولو صيام الثلاثة أيام القمرية كبداية لتدريب النفس على الصيام ثم نعوّدها على صيام الإثنين والخميس كما كان النبي يصوم الإثنين والخميس؛ حيث قال: "أحب أن يُرفع عملي وأنا صائم".
التكبير
يسن التكبير والتحميد والتهليل والتسبيح أيام العشر، ويكفينا أن الله سبحانه وتعالى جليس من يذكره، وصفة التكبير: الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد، ولها أيضًا صفات متعددة واردة في السنة.
ويجب ألا يقتصر الذكر فقط في الأيام العشر، بل أن نجعل ألسنتنا رطبةً بذكره وقلوبنا عامرة بذكره.
الإكثار من الأعمال الصالحة عمومًا:
لأن العمل الصالح يحبه الله تعالى، وذلك مثل الصلاة وقراءة القرآن والذكر والدعاء والصدقة وبر الوالدين وصلة الأرحام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك من طرق الخير وسبل الطاعة؛ لأن كل هذه الأمور تجعل منك مسلمًا قدوةً، وتزيد من إيمانك وحبك لله عز وجل فيزيدك الله حبًّا وتثبيتًا لك ويعطيك شعورًا بالسعادة القلبية التي يفتقدها كل مَن لا يحب الله، فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾ (طه).
الأضحية:
ومن الأعمال الصالحة في هذا العشر التقرب إلى الله تعالى بذبح الأضاحي والتبرع بثلثها للفقراء والمساكين؛ مشاركةً منا لآلامهم، ورغبةً منا في إسعادهم، والصدقة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "تطفئ غضب الرب".. وتُشرع في يوم النحر وأيام التشريق، وهي سنة نبينا إبراهيم عليه السلام حين فدى الله ولده بذبحٍ عظيم، وقد ثبت عن أنس رضي الله عنه أنه قال: "ضحَّى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين؛ ذبحهما بيده، وسمَّى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما" (متفق عليه).
ويجب علينا عند ذبح الأضحية أن نذبح معها شهواتنا وأهواءنا، وأن تكون النية خالصةً لله عز وجل حتى يتقبَّلها الله منا خالصةً وتأتي في قلوبنا ثمرة التقوى؛ قال الله تعالى ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ (الحج: من الآية 37).
أسباب الفتور بعد المواسم
لماذا عندما نقبل على الامتحان أو نتقدم إلى وظيفة نستعد لها أشد استعداد؟ ولكن عندما نقبل على الله نقبل بقلب يملأه الفتور وكأننا نؤدي شيئًا ونحن مضطرون إلى عمله، ولو أننا نضع الآخرة نصب أعيننا لما كان حال عباداتنا مواسم؛ فما أسباب هذا الفتور الديني الذي يُصيبنا؟!
نُرجع هذا الأمر إلى:
1- كثرة الوقوع في المعاصي وخاصةً صغائر الذنوب.. قال تعالى: ﴿وما أصابكم من مصيبةٍ فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه" (رواه أحمد).
2- التشدد في الدين: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "إياكم والغلو في الدين؛ فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين" (رواه أحمد)، والغلو يكون بالانهماك في الطاعات وعدم إعطاء البدن الراحة الكافية للقيام بهذه الطاعات، فتؤثِّر الطاعات في الإنسان تأثيرًا عكسيًّا ولا تؤدي الغرض الذي من أجله تم فعلها، فتصيب النفس بحالةٍ من الكسل والفتور.
3- صحبة أصحاب المعاصي والذنوب: لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم مَن يخالل" (رواه الترمذي)، فإنك إن صاحبت صاحب المعصية فإما أن يجذبك إليها وتقع معه فيها، وإما أن تراه يفعلها ولا تنكرها عليه؛ وكلاهما منكرٌ ويؤدي إلى الفتور.
4- عدم تذكر الموت وأهوال الآخرة: وذلك لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إني نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإن فيها عبرة" (رواه أحمد)، وفي رواية: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروا القبور فإنها تُزهِّد في الدنيا وتُذكِّر الآخرة" (رواه الترمذي)، فتذكُّر الموت والآخرة يجعل الإنسان على صلةٍ وثيقةٍ بالله؛ لأنه أيقن تمامًا أنه مهما طال به العمر فإنه ملاقي الله عزَّ وجل، وعدم تذكُّر الموت والآخرة يؤدِّي إلى نسيان الهدف من الحياة وينتابك الشعور بأنك تعيش كأي شيء في الكون قُدر له العيش، وبالتالي يصل الأمر إلى الفتور والكسل.
هذه الآثار على المستوى الفردي، أما على مستوى الأمة فيصبح الشخص أداةً للبناء والعمل والإصلاح والدعوة إلى الخير، أما أن يصبح ساكنًا وخاملاً ولا يُصلح لشيء أو أن يكون شخصًا يُفسد حال الأمة، فبالتالي يقل عدد المصلحين في الأمة، وهذا يؤثِّر تأثيرًا مباشرًا في الأمة وعلى نهضتها وحضارتها وصعودها، يقول أحد الصالحين: "يا ملح الأرض لا تفسدوا؛ فإن الملح إذا فسد لا يصلحه شيء".. فإن فسد المصلحون فمن يصلحهم ويقوِّمهم؟!!
علاج الفتور
فالحل الأمثل لهذه الفتور الديني هو أن يبدأ كل فرد منا كلَّ عملٍ من الأعمال التعبديّة بشحنِ النفس تجاه هذا العمل وتذكر فضله وثوابه ونأخذ مثال الصلاة لو وعينا أحاديث الرسول لعرفنا قيمتها؛ فقد قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: "أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟" قالوا: "لا يبقى من درنه شيء"، قال: "فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهنَّ الخطايا" (رواه مسلم).
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تغشَ الكبائر" (رواه مسلم)، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" (متفق عليه).
ولكي تعلم قيمة العبادة التي تُقدم عليها دوِّن في ورقةٍ: لماذا أفعلها؟ ودوِّن كل ما تعرفه عن هذه العبادة ثم ابحث عن فوائد أخرى لهذه العبادة وستحصل في النهاية على فوائد كثيرة كنتَ غافلاً عنها وأنت تقوم بهذا العمل، فيساعدك هذا على استشعار قيمة هذا العمل وحجم الثواب الذي ستحصل عليه من ورائه، وسيزيد ذلك من إيمانك ومن إقبالك عليه.
فهلموا بنا نطبق هذا خلال هذه الأيام ونعتبرها بمثابةِ الزاد لباقي العام كي نواظب على العبادات والأعمال الصالحة، ولا نجعل هذه الأعمال منحصرة في أيام معدودة فقط.
نسأل الله العلي العظيم أن يُثبت قلوبنا على دينه، وأن يرزقنا العمل الصالح، وأن يتقبله منا، ويرزقنا حسن الخاتمة.. اللهم آمين.