أ. د. حلمي محمد القاعود

 

عندما يتحدث الشاعر القديم الشجاع عن هزيمته من الداخل، وتآمر قومه عليه، وأنهم كانوا "عونًا على دمه"، وساعدوا الأعداء بخذلانهم له وتواطئهم ضده؛ فقد كان يحكي حال غزة العربية المسلمة، التي بلغ فيها السيل الزبى، ووصلت فيها عمليات الإبادة الجماعية حدًّا لا يمكن السكوت عليه.

 

العالم الخارجي والأجانب يتحدثون عن كارثة غزة الصابرة الصامدة، وشعوبنا وحكوماتنا تلزم الصمت المطبق، وتحتفي بالممثِّلين والمطربين وتكرم أبواق الحكومات في التلفزة والإذاعة والصحافة، ولا تنبس ببنت شفه عما يجري لمليون ونصف المليون عربي مسلم ينتمون إلى الشعب الفلسطيني الأسير ولا تستنكره، ولا تطالب برفضه، ولا تدعو إلى فك الحصار المميت!.

 

غزة تعيش في الظلام ولا تجد الكهرباء، ومستشفياتها توقفت، وعشرات المرضى في العناية المركزة على وشك الموت؛ بسبب توقف المولدات الكهربائية وعدم وجود قطع غيار؛ مما أدَّى إلى توقف أجهزة الغسيل الكلوي وحضَّانات الأطفال المبتسرين (حديثي الولادة)، فضلاً عن عدم وجود المتطلبات الأساسية للحياة خارج المستشفيات من غاز ووقود وأدوية وأغذية؛ مما دفع مخابز غزة التي بقيت تعمل بعد توقف 20 مخبزًا (نصف المخابز تقريبًا) إلى استخدام القمح الرديء المخصص لعلف الحيوانات والطيور لتقدمه إلى الجمهور؛ نتيجةً لنفاد الدقيق الصالح.

 

وصف أمين منظمة المؤتمر الإسلامي ما يجري لشعب غزة بـ"العار"، وانتقد الرجل الصمت الدولي إزاء الإغلاق الصهيوني للمعابر في غزة، وقال في تصريحات له: "نحن نشعر بالعار؛ لأن العالم كله لا يستطيع أن يتحرك أمام مواقف لا تأخذ في الاعتبار أي قانون دولي إنساني، داعيًا اللجنة الرباعية إلى التحرّك لمواجهة المواقف الصهيونية المتعنتة" (صحف 23/11/2008م).

 

أما وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين التابعة للأمم المتحدة (الأنروا) فقد حذَّرت من كارثة إنسانية هي الأسوأ والأكبر في قطاع غزة منذ اندلاع الانتفاضة الفلسطينية قبل ثماني سنوات، وحذَّرت من أن مخازنها باتت خالية، وطالبت المجتمع الدولي بالإسراع في تقديم العون (صحف اليوم نفسه).

 

وقالت متحدثة باسم الأمين العام للأمم المتحدة "بان كي مون" في مؤتمر صحفي عقدته مساء 22/11/2008م: إنه على الرغم من أن "مون" عبّر عن إدانته لإطلاق الصواريخ الفلسطينية من قطاع غزة على الأهداف المدنية، إلا أنه لا يقرّ بأن يكون ذلك سببًا في تجويع المدنيين وعقابهم بالصورة التي يشهدها قطاع غزة في الوقت الراهن، وكان "بان كي مون" قد شنّ أعنف هجوم لعدم استجابة حكومة الاحتلال الصهيوني لندائه بالسماح بدخول المساعدات الإنسانية للمحاصرين بالقطاع، وذلك على الرغم من اتصاله برئيسها "إيهود أولمرت" في هذا الصدد!.

 

وإذا كان العالم يصرخ من أجل غزة- باستثناء واشنطن ولندن وباريس وبرلين- فإن العرب وفي مقدمتهم سلطة الحكم الإداري الذاتي المحدود في رام الله لا يلقون بالاً للمسألة، ولا يولونها اهتمامًا يتساوى مع اهتمامهم بتأجيل مباراة الأهلي والزمالك.

 

كان السيد محمود عباس في القدس المحتلة يتفاوض قبل أيام (على ماذا؟) مع رئيس وزراء الكيان الصهيوني، وكان واضحًا من الصور أن الودَّ بين الرجلين وصل إلى مرحلة حميمية عميقة؛ لدرجة أن الأخير طوَّق الأول من الخلف بذراعه، حتى صارت يده فوق كتفه، وأذيع عقب اللقاء أن العدوَّ سيفرج عن خمسين ومائتي أسير فلسطيني تعبيرًا عن حسن النوايا الصهيونية، في الوقت الذي كان فيه جيش الاحتلال يقبض على عشرات الفلسطينيين في الخليل ونابلس والقدس، ولم يُشِر اللقاء بين الرجلين إلى حصار غزَّة وإبادة شعبها بكلمة واحدة!.

 

أما العرب فكانوا مشغولين بحوار الأديان في واشنطن(!)، ومصافحة أو عدم مصافحة السفاح النازي اليهودي شمعون بيريز؛ الذي قاطعه طلاب جامعة أكسفورد وهو يلقي محاضرةً يعلم فيها العرب حسن السير والسلوك، ووصفه الطلاب بأنه مجرم حرب من أجل غزة المحاصرة بالموت والجوع!!.

 

ملك الأردن التقى في عمان برئيس وزراء الكيان الصهيوني ووزير القتل الصهيوني، وطلب منهما أن يترفَّقا في هجومهما العسكري المنتظر على غزة؛ بحيث لا يكون هجومًا كاسحًا.. أهالي غزة ينتحبون على بوابات الحدود ويستجدون الشفقة والرحمة من أصحاب الضمير، ولكن العرب صمّوا آذانهم واستغشوا ثيابهم، واستغرقوا في مناقشة قضايا هامشية عن الخصخصة والعولمة وإدارة أصول أموال الدولة، والتحريض على المواقع الإسلامية وحظر النشر في قضية الغانية اللبنانية القتيلة.

 

لماذا يرتكب العرب جريمةً كبرى ضد أهل غزة، ويشاركون الصهاينة القتلة في إبادتهم ومحوهم؟! هل لأنهم انتخبوا منظمة حماس الإسلامية في انتخابات ديمقراطية نزيهة أمام العالم كله؟! أم لأنهم ارتضوا الإسلام منهجًا وعقيدةً، وفكرًا وسلوكًا، والإسلام محظور دوليًّا ومحليًّا؟!

 

من المؤكد أن الجريمة المشتركة بين العرب والصهاينة على قطاع غزة كانت للسببين معًا؛ فالإسلام هو الخطر الذي يتوحَّد أمامه العرب والعجم، ويستنفر الأساطيل والبوارج وحاملات الطائرات العملاقة، ولا بأس من إبادة مليون ونصف المليون مسلم في قطاع غزة، من أجل عيون العلمانية والليبرالية والتنوير والتقدم.. وإلا فسّروا لنا سرَّ هذا الصمت الرهيب الذي اشتكى منه أمين منظمة المؤتمر الإسلامي واستنكره أمين الأمم المتحدة وحذَّرت منه الأونروا؟!

 

إن الغزاة النازيين اليهود لا يهابون من الضرب في أعماق غزة ولبنان وسوريا، ومع أن العرب لديهم جيوش جرَّارة وأسلحة مكدّسة في الصحارى والمخازن، إلا أنها لا تتحرك أبدًا إلا في اتجاه الشعوب العربية المسلمة وقمعها، أو قصور الحكم للاستيلاء على السلطة وإذاعة البيان رقم 1؛ فهل يفسر لنا أحد ذلك؟!

 

كان المطلوب من قادة حماس أن يبصموا على اتفاق يستأصل المقاومة ويطلق يد السيد رئيس السلطة الإدارية المحدودة في رام الله في القضاء على المقاومين، والاستسلام الكامل والناجز للعدوِّ النازي اليهودي، والتخلي عن القدس وحق العودة والمياه والحدود.. ولكن يبدو أن قادة حماس يعيشون عصرًا آخر غير عصرهم، ولذا كان القرار بإبادتهم مشتركًا، وحرمانهم من كل شيء حتى أداء فريضة الحج؛ التي سمحت بها مصر لأهل غزة في العام الماضي ولم تسمح بها هذا العام؛ إمعانًا في إذلال الشعب الأبيِّ، وعونًا على دمه، كما يقول الشاعر العربي القديم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

 

الله أكبر.. وتحيا الجامعة!

عند كتابة الكلمات الأخيرة في هذا المقال جاءت الأنباء بالحكم التاريخي الذي أصدرته محكمة القضاء الإداري بطرد الاحتلال البوليسي من الجامعة المصرية وتحريرها من قبضة رجال الأمن.. لم أملك إلا أن أهتف: الله أكبر.. وتحيا الجامعة.

-------------

drhelmyalqaud@yahoo.coms