- السفير بسيوني: أيهما الأحق الآن؛ رفع الحصار أم الترويج للمبادرة؟!

- د. المشاط: المناخ غير مناسب والحملة هدفها التطبيع المجاني

- د. طارق فهمي: رسالة فاشلة من منظمة التحرير إلى الرأي العام الصهيوني

- عصمت سيف الدولة: الترويج قربان عربي مجاني للإدارة الأمريكية الجديدة

 

تحقيق- محمد سعيد:

شهدت الأيام الماضية حملةً إعلانيةً مُوسَّعةً للترويج لمبادرة السلام العربية التي تقدَّمت بها المملكة العربية السعودية خلال القمة العربية الثانية عشرة ببيروت عام 2002م، والتي تتضمن الاعتراف الرسمي العربي بالكيان الصهيوني مقابل عودة الأراضي العربية لحدود 67.

 

حيث عمَّت صفحاتِ الصحف الحكومية المصرية إعلاناتٌ مكثفةٌ للترويج لمبادرة السلام العربية، ومن قبلها نشرت منظمة التحرير الفلسطينية الأسابيع الماضية إعلانات مدفوعة الأجر باللغة العبرية في 4 صحف صهيونية تُروِّج للمبادرة ذاتها.

 

الغريب في الأمر أن الترويج لهذه المبادرة- التي رفضها الكيان الصهيوني من قبل- يأتي متزامنًا مع تشديد الحصار الصهيوني على قطاع غزة واستمرار قطع إمدادات الوقود والغذاء، وتوقف الحوار الفلسطيني- الفلسطيني، وكذلك استمرار التنسيق بين الأجهزة الأمنية في الضفة مع قوات الاحتلال، وهو ما يُثير العديد من الشكوك والتساؤلات حول توقيت إعادة طرح مبادرة الاعتراف بالكيان الصهيوني رغم مرور 6 سنوات على الإعلان عنها، والهدف من ذلك، خاصةً في ظل استمرار الحصار الخانق على الشعب الفلسطيني في غزة، ومن وراء تلك الحملة؟ وهل الحديث عن المبادرة الآن يستهدف عزل حماس عن الملعب السياسي العربي، خاصةً مع إصرارها على رفض الاعتراف بالكيان الصهيوني وتمسكها بالثوابت الوطنية؟

 

 

الخبراء والمتخصصون أكدوا أن حملة الترويج لطرح المبادرة العربية من جديد تقف وراءها منظمة التحرير الفلسطينية بالتنسيق مع سلطات الاحتلال الصهيوني للتغطية على الجريمة البشعة التي يرتكبها الكيان الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، فضلاً عن استغلال فشل الحوار بين فتح وحماس لنصب الفخ لحركة المقاومة الإسلامية حماس، في محاولةٍ لإحراجها؛ فإما أن تقبل الاعتراف بالكيان الصهيوني أو يتم الدعوة إلى انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة كخطوةٍ تمهيديةٍ لعزلها عن المشهد السياسي بعد تزوير الانتخابات.

 الصورة غير متاحة

 السفير محمد بسيوني

 

بدايةً.. يرى محمد بسيوني سفير مصر السابق لدى الكيان الصهيوني أن التوقيت الحالي للإعلان عن إحياء المبادرة صعب للغاية؛ فالشعب الفلسطيني في غزة يُعاني من حصارٍ خانقٍ، ويعيش ظروفًا اجتماعيةً وإنسانيةً صعبةً يستوجب سرعة التدخل الفوري والحازم على كافة المستويات العربية والإقليمية والدولية لإنقاذ ما يزيد عن مليون ونصف المليون من أهالي قطاع غزة الذي يهدده شبح الموت؛ نتيجةً للحصار الصهيوني الخانق على القطاع.

 

واستنكر بسيوني إعادة الترويج للمبادرة العربية، خاصةً مع رفض الكيان الصهيوني لها من قبل، قائلاً "أيهما أفضل؛ الضغط على الكيان الصهيوني لرفع الحصار عن قطاع غزة؟ أم الترويج لمبادرة السلام العربية؟!!".

 

وأضاف بسيوني: نحن نؤكد أننا أصحاب حق ونريد سلامًا مبنيًّا على العدل دون تفريط في ثوابتنا القومية والوطنية، مشيرًا إلى أن تجدد الحديث حول مبادرة السلام العربية في هذا التوقيت يمثِّل نقطةً فاصلةً في الصراع العربي الصهيوني.

 

رسالة فاشلة

ويؤكد الدكتور طارق فهمي (مسئول ملف فلسطين بالمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط) أن حملة الإعلانات الخاصة بالمبادرة العربية، سواء في الصحف المصرية الرسمية أو الصحف الصهيونية، تتضمن عدة أهداف؛ في مقدمتها نقل رسالة إيجابية إلى الرأي العام الصهيوني مفادها أن السلطة ما زالت الوجه المألوف كمفاوضٍ يمكن الحديث معه، معتبرًا أن هذه الخطوة لن تُجديَ نفعًا في ظل الظروف الحالية، فضلاً عن تأخر توقيت هذه الرسالة.

 

ويضيف فهمي أن تلك الدعوات الفلسطينية المنادية بإعادة طرح المبادرة جاءت من شخصيات فلسطينية في المهجر رأت أن المبادرة يمكن أن تكون حلاًّ ولو بشكلٍ مؤقتٍ للقضية الفلسطينية في الوقت الحاضر.

 

ويستطرد فهمي حديثه قائلاً: إن تلك الدعوة قد لاقت قبولاً محدودًا من الأوساط الصهيونية، وخصوصًا شيمون بيريز رئيس الكيان الصهيوني الذي قام بدوره بإعادة الترويج للمبادرة، وهو ما حدث في مؤتمر حوار الأديان الذي جمعه بالعاهل السعودي، واعتبارها "ملهمة وواعدة وبداية جادة لتحقيق تقدم حقيقي"- على حدِّ قول بيريز- مضيفًا أن بيريز يواجه مأزقًا من اليمينيين المتشددين الذين يرفضون الحوار مع العرب.

 

ويؤكد فهمي أن قبول بيريز إعادة طرح المبادرة لن يفيد شيئًا، خاصةً أن خيوط اللعبة بأكملها في يد رئيس الوزراء الصهيوني، وبما أن استحقاق رئاسة الوزراء لم يتحدَّد بعد، وهو ما ستسفر عنه الأيام المقبلة، فإن الحديث عن عملية سلام أو حتى تشاور حول المبادرة مجرد محاولة لصرف الأنظار عما يحدث في غزة وإظهار الكيان الصهيوني في صورة المنادي والحريص على عملية السلام، وهو ما تخالفه الإحصاءات والتقارير الصادرة عن الرأي العام وقادة الكيان الصهيوني.

 

وأشار فهمي إلى أن الإحصاءات الصادرة عن مركز إسحاق رابين ومركز موشى ديان وغيرها من المراكز، تشير إلى أن 85- 90% من الشارع الصهيوني لا يريد السلام، وينظر إلى عملية التهدئة وكأنها مرحلة مؤقتة يعيد فيها ترتيب أوراقه ويعود بعدها إلى العنف والقتل والدمار الذي دأب عليه.

 

تطبيع مجاني

 

د. عبد المنعم المشاط

من ناحيةٍ أخرى يؤكد الدكتور عبد المنعم المشاط رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة القاهرة أن الوضع الحالي لن يمكِّن المبادرة العربية من الظهور مرةً أخرى في ظل التعنت الصهيوني ووضعه شروطًا مسبقةً للحوار ومطالبته باستبعاد حركة المقاومة الإسلامية حماس من المعادلة الفلسطينية، وهو أمرٌ صعب، بل مستحيل، خصوصًا بعد إثبات حماس وجودها على الساحة السياسية وعلى ساحة المقاومة.

 

ويضيف الدكتور المشاط أن الأسلوب الذي اتبعته منظمة التحرير الفلسطينية أو الصحف الرسمية المصرية لترويج المبادرة يعكس حالة الضعف التي وصل إليها العرب الذين لم يعودوا قادرين على الحديث مع الكيان الصهيوني، فيحاولون اللجوء إلى الرأي العام الصهيوني، وكأنَّ حكومةَ الكيان لا تُعبِّر عن منتخبيها.

 

ومن ناحيةٍ أخرى تُمثِّل تلك الإعلانات والدعوات الداعية إلى إحياء المبادرة في ظل الحصار الذي تمر به غزة تطبيعًا مجانيًّا مع الكيان، وهو ما يُعبِّر عن حالة التردي التي وصلت إليها الأمة العربية.

 

ويرى المشاط أن إعادةَ طرح مبادرة السلام العربية من جديدٍ يُمثِّل خطوةً إيجابيةً في حدِّ ذاتها؛ حيث ينطوي عليها مطالباتٍ أجمع عليها الزعماء العرب من انسحاب الكيان الصهيوني بالكامل من جميع الأراضي العربية المحتلة منذ 1967م، وقيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وعاصمتها القدس الشرقية؛ الأمر الذي يُمثِّل نقلةً نوعيةً في الصراع العربي الصهيوني.

 

انتزاع الاعتراف

 الصورة غير متاحة

م. محمد عصمت سيف الدولة

وينطلق المهندس محمد عصمت سيف الدولة الباحث في الشئون الفلسطينية من نقطةٍ أخرى محددة، قائلاً: إنه عبر تاريخ القضية الفلسطينية منذ 1947م منذ قرار التقسيم مرورًا بهزيمة 67 ونصر أكتوبر واتفاقية كامب ديفيد التي اعترفت فيها مصر بالكيان الصهيوني، وبحقه في الوجود ثم مدريد وأسلو وانتهاءً بالمبادرة العربية.. كان الهدف من البداية هو انتزاع اعتراف الدول العربية بالكيان الصهيوني، وهو ما تم بالفعل في 2002م من خلال مبادرة السلام العربية التي قدمتها السعودية.

 

وأعرب سيف الدولة عن شكوكه في الأمر برمته قائلاً: "إن انسحاب حماس من الحوار الفلسطيني في القاهرة لأسباب منطقية في ظل رفض السلطة الفلسطينية بالضفة الاستجابة للحوار، أعقب ذلك إحكام الحصار على غزة وقطع إمدادات الوقود ومنع دخول المواد الإغاثية، بالإضافة إلى التنسيق الأمني المشترك بين الكيان الصهيوني والأجهزة الأمنية بالضفة لتصفية المقاومة، فضلاً عن تجدد الحديث عن المبادرة؛ الأمر الذي يؤكد وجود مخطط صهيوني فتحاوي، وللأسف عربي، للقضاء على حماس من أجل إقرار المبادرة، وبالتالي الاعتراف بحقِّ الكيان في الوجود والتخلص من حماس العائق القوي للوجود الصهيوني".

 

ويرى سيف الدولة أن الإعلانات التي قامت منظمة التحرير الفلسطينية بنشرها في صحف صهيونية والإعلانات التي نُشرت في الصحف القومية المصرية للترويج للمبادرة شكلٌ من أشكال تقديم الأنظمة العربية للإدارة الأمريكية الجديدة التي ستتولى القيادة في يناير المقبل، بل هو "نيولوك" للنظام العربي الرسمي الذي أغفل المبادرة لفترات متفاوتة بحثًا عن مبادرات ترعاها الإدارة الأمريكية مثلما حدث في أنابوليس.