في قديم الزمان والعصر والمصر جاعت بلاد المسلمين؛ حتى كاد أن يظهر العظم من تحت اللحم، وحتى سُمع صوت البطن يصرخ من هجمة الجوع القاسي والمفترس؛ فأرسل فاروق الأمة لواليه ابن العاص أن أفيضوا علينا مما حبا الله أرض الكنانة من نعيمٍ وثمارٍ وخيراتٍ جمة، فكان المدد الإسلامي من رجال صدقوا الله فصدقهم، ونصروه فنصرهم، وتمسكوا بكتابه وهدي حبيبه؛ فأذلَّ لهم العَاَلَم الكافر، وأعلى بهم الكون المسلم، وكان التكافل سمتهم، والأخوَّة والمحبة ديدنهم، وتمثل فيهم قول نبيهم "المسلم للمسلم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا.."، فأصبحوا بذلك سادة العالم وأسياده، وكانت أستاذية العالم بعد خلافتهم هي حالهم.
فلما غَيرْنَاَ تغيرنا، ولما بَدَّلْنَاَ تبدَّلنا، ولما بَعدْنَاَ بُعِّدْنَا، وتمر السنون ويصبح "كان يا ما كان" مما هو كائنٌ وكان، ويدور الدولاب ويتقلب ليظهر غول المجاعة وشبح هولها في بقعةٍ صغيرةٍ من العالم الإسلامي، من جنوب بقعةٍ طاهرةٍ من جنة الله في الأرض، تئنّ تحت وطأة الاستعمار العالمي الصهيوني، وتصرخ من ظلم القريب، وسلبية الصديق، وسكوت من يُفترض أنه المعين بعد رب العالمين؛ فكان الرد المنطقي- في عالمِ كثر فيه الخبث، وزاد فيه الذل، واستعمر فيه الهوان، وضاعت فيه الأخوَّة، وتاهت فيه التكافل والنصرة- أنه لا عون ولا مدد، بل وإغلاق المعابر والمنافذ والحدود في وجه المدد الشعبي والجماهيري؛ الذي حاول أن يمسح ويخفي عورة الأنظمة الفاسدة والمفسدة، والتي ما تركت محفلاً ولا مناسبةً، إلا وأكدت أنها من بقايا الاستعمار، ومن زعماء شياطين الإنس؛ الذين يفعلون ما لا يستطيع أن يقوم به إخوانهم من الجن بهذه الجرأة والوقاحة.
إن واقع غزة، وآلامها وجوعها، وحصارها وجرحاها وجرحها، وحجاجها الممنوعين.. لهو من السبَّة الواضحة في جبين العالم الإسلامي المتفرج والساكت كالشيطان الأخرس، وسيأتي الزمن الذي يقف فيه الطفل الغزي والأم المكلومة والشيخ الضاحك على ذلِّ الأمة حسرةً وألمًا أمام رب الأرباب؛ في يوم لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون؛ ليقتصوا من أشباه الزعماء من ظلمٍ شاركوا في تأكيده، بل وتنفيذه، حتى يحفظوا أرواحهم وأموالهم الحرام وكراسيهم، وحتى يُرضوا أسيادهم وآلهتهم ساكني قبلتهم وملاذهم بالبيت الأسود الصهيوأمريكي، وستمتد المظلمة لرب الملوك والرؤساء والأمراء، وتصل إلى الشعوب والجماهير التي سكتت ولم تلد من تمخُّضِها إلا فأرًا لا يُسمن ولا يُغني من جوعٍ ولا يرفع حصارًا، ولا يمنع ظلمًا، ولا ينكأ عدوًا، ولا يرحم طفلاً هزيلاً يبكي من ألم بطنه ولوعة قلبه.
فالويل كل الويل لمن رضي بذلك ولم يحرك ساكنًا، ولم يحارب ظلم إخوانه حتى يلقى الله وليس في مقدوره مقدور وليس في حيلته حيل، فكن يا مسلم كعاقلٍ يعمل لرضا ربه في دنياه فتكون بوابته لرضاه في آخرته، واتخذ من فلسطين العزيزة وأهل غزة المجاهدين الكرام مفتاحًا لجنتك ورضا ربك، وكن ناصرًا لهم ومؤيدًا لهم ومحاربًا لعدوك وعدوِّهم، لتلقى ربك وقد أعذرت وقدمت، لعلك تلقى الرضا والقبول، والجنة والسرور، والخير المستور، وذلك هو الفوز العظيم.