شهدت العلاقات العربية الصهيونية مرحلتين:

الأولى هي مرحلة الصراع العسكري.

والثانية هي مرحلة البحث عن بديل سلمي للصراع العسكري.

ولما كان الحرب والصراع وكذلك البحث عن السلام منهجَين ترتب عليهما انقسام العالم العربي لأسباب كثيرة ودوافع متنوعة؛ فإن مرحلة الصراع العسكري اختلف حولها الباحثون، كما اختلفوا حول العلاقة بين نتائج الصراع العسكري والدخول إلى منهج البحث عن سلام مع الكيان الصهيوني.

 

في هذه الدراسة نأمل أن نُجري تقييمًا لمرحلة البحث عن السلام مع الكيان الصهيوني، وأن نضع حدًّا للعلاقة بين الطابع العسكري للصراع والاتجاه إلى التسوية السلمية، وقد يكون مفيدًا في التمهيد في دراسة هذه النقطة أن نسجِّل عددًا من الحقائق في مبحث أول، وهي تلك الحقائق التي أصبحت ثابتةً في تحليل العلاقات العربية الصهيونية، أما تقويم تجربة السلام بين العرب والصهاينة فهو موضوع المبحث الثاني:

 

المبحث الأول: الحقائق السياسية في تحليل الصراع العربي الصهيوني

الحقيقة الأولى

هي أن "إسرائيل" تجسيد لمشروع صهيوني استيطاني إحلالي؛ أي أنه مشروع مدروس سجَّل في وثائق رسمية هدفه، وأهم هذه الوثائق هي "إعلان قيام دولة إسرائيل في 15 مايو 1948م"، وفي هذا الإعلان سجّل زعماء المشروع قبل أن يصبحوا الآباء المؤسسين للدولة العبرية أن الأمة اليهودية هي شعب الله المختار، وأن فلسطين ملك لها، ولكن الظروف قضت بتشتيتها، وأن قرار التقسيم الذي عمل زعماء الصهاينة للحصول عليه والجهاد من أجله كان بعد أول اعتراف من المجتمع الدولي بأن الأمة اليهودية كانت في فلسطين منذ 4 آلاف عام، وأنه لا يهم النسبة التي منحها القرار لليهود في فلسطين؛ لأن العبرة بمبدأ الاستحقاق وليس بحجم الاستحقاق.

 

الحقيقة الثانية

أن زعماء الحركة الصهيونية وقد صاغوا مشروعهم وضمنوا له أركان النجاح قد أكدوا أن الصراع في فلسطين صراعٌ بين قوميتين؛ قومية يهودية وقومية عربية، والحركة الصهيونية هي حركة التحرر الوطني اليهودي، وبهذا المنطق أطلقوا على إعلان "قيام إسرائيل" إعلان الاستقلال عن بريطانيا، وكأن اليهود هم الذين احتلتهم بريطانيا وهم الذين تحرروا منها في فلسطين فأقاموا دولتهم على ما تيسر من الأرض ثمنًا لجهدهم في التحرير المزدوج، من البريطانيين من ناحية ومن الغاصبين الفلسطينيين المدعومين من القبيلة العربية "الباغية" من ناحية أخرى.

 

يؤكد الفكر الصهيوني أيضًا أن القومية الفلسطينية جزءٌ من القومية العربية، وأنه أولى بالفلسطينيين أن يلتمسوا وطنًا لهم في العالم العربي الذي تتسع مساحته لأكثر من ثمانية ملايين كم2، وألا يزاحموا أصحاب الحق الذين قرَّروا استرداده وهم اليهود في فلسطين.

 

بعبارة أخرى فإن الحركة الصهيونية قد نظرت إلى القومية العربية على أنها تجميع للعرب لإعادة اغتصاب فلسطين من اليهود، وبذلك لا يمكن الجمع بين القومية اليهودية والقومية العربية؛ لأن فلسطين هي نقطة الصراع والاحتكاك؛ أي أن الفكر الصهيوني يعتبر القومية العربية قوميةً عدوانيةً توسعيةً يجب التصدي لها، بينما يعتبر الحركة الصهيونية حركة تحرر وطني حقيقي لكل يهود العالم للعودة إلى "أرضهم التاريخية فلسطين".

 

وهذه الحقيقة هي التي تجعل عدم الفهم المتبادل بين العرب واليهود سببًا في أن يتحدث كلٌّ بنفس اللغة، ولكن بمضمون مختلف، فعندما يُجمع العرب واليهود على ضرورة السلام؛ فإن كلمة السلام لها مضمون عند العرب يعني عودة الأرض إلى أصحابها، بينما يعني عند اليهود عودة الأرض الفلسطينية إلى أصحابها اليهود، ثم تعقَّدت كلمة السلام بعد ذلك في الفكر الصهيوني؛ بحيث ارتبطت بأمن الكيان بالمفهوم الذي يحدده.

 

الحقيقة الثالثة

في ضوء الحقيقتين السابقتين فإن الكيان الصهيوني يعتبر أن رفضه في المنطقة والعمل على عدم استقراره عدوانٌ مستمرٌّ وإرهابٌ دائمٌ، تمامًا مثلما يعتبر اللص أن تصدي صاحب الدار له سفاهةً وتطاولاً، وكان يتعين على صاحب الدار أن يسلِّم بحقه في السرقة.

 

ومؤدى ذلك أن المشروع الصهيوني لا يمكن أن يقوم على الطابع السلمي، ولا يمكن أن يتوقف، وأنه يستخدم كل الوسائل لتحقيق أهدافه، وأنه يقيس جدوى كل وسيلة بقدر ما تحققه هذه الوسيلة من تقدُّم لهذا المشروع في تحقيق أهدافه، وأهمها التهام كل فلسطين وإبعاد سكانها منها، والهدف الثاني هو إحكام السيطرة السياسية على دول المنطقة تأمينًا لقاعدة المشروع الإقليمية.

 

الحقيقة الرابعة

رُتِّب على ما تقدم أن المشروع الصهيوني يقوم على أساس القوة الشاملة العسكرية والسياسية والاقتصادية وغيرها، ويضمن تحالف قوى النظام الدولي في كل مرحلة معه، كما لا يتورَّع عن استخدام أي طريق مهما كانت أخلاقياته؛ ما دام يؤدي إلى إضعاف الخصم، وإلى تقدم المشروع الصهيوني.

 

معنى ذلك أن نظرية الصراع هي التي تحكم المنطق الصهيوني، وأن عملية السلام في نظر "إسرائيل" هي في الواقع عملية إخضاع الطرف الآخر لأهدافه بوسائل غير عسكرية.

الحقيقة الخامسة

هي أن الصراع العسكري بين العرب و"إسرائيل" لم تتحقق له الشروط والظروف التي تجعل هذه الصراع متكافئًا، ولسنا بحاجة إلى الإفاضة في المواجهة العسكرية الأولى بين بعض الجيوش العربية الوليدة والعصابات الصهيونية، ولكن خلاصة تقييم هذه المواجهة وفقًا لكل الدراسات والمذكرات والملاحظات ممن عاصروها وتوفروا على دراستها؛ تقطع بأن الجيوش العربية قد زُجَّ بها في مذبحة تحت نظم عربية خاضعة للحركة الصهيونية، وهذا هو السبب في أن الجيوش التي ساهمت في هذه المواجهة هي التي أسقطت النظم السياسية، كما حدث في سوريا ومصر، انتقامًا لسمعة الجيش وأملاً في إصلاح الداخل قبل التصدي للخارج.

 

الحقيقة السادسة

أن "إسرائيل" تمكنت بتأمين وسائل قوتها وإعلامها العالمي وتوظيف القوى العالمية، خاصةً القوى الأمريكية، من أن تسجِّل ضد العرب عددًا كبيرًا من النجاحات؛ أخطرها الاختراق "الإسرائيلي" للجبهة العربية، وإحداث خلل في مركز القيادة السياسي والعسكري، ثم إطلاق القوى السرطانية في الجسد العربي؛ بحيث يقوم الجسد بمقاومة تلقائية بما بقي عنده من خلايا قليلة سليمة؛ تميز بين الدخيل الغازي للجسد والعضو النافع لهذا الجسد.

 

الحقيقة السابعة

هي أن محصلة الصراع العربي "الإسرائيلي" وإن كانت تبدو لصالح "إسرائيل" والمشروع الصهيوني من الناحية الحسابية؛ إلا أنها في التحليل الأخير قد أنتجت عددًا من الملاحظات والدروس التي يمكن أن تؤدي إلى تغيير المعادلة في السنوات القادمة، خاصةً مع التغيرات في السياسات والخرائط الإقليمية والعالمية، والتي لا يتسع المقام لبحثها في هذه الورقة.

 

غير أن أهم الدروس التي خلص إليها العرب داخل المنطقة العربية وخارجها هو أن الصراع مع المشروع الصهيوني وقاعدته "إسرائيل" صراع على الوجود وليس صراعًا من أجل ترسيم الحدود بين الطرفين، رغم أن هذه النتيجة كان يُنظر إليها في مرحلة من مراحل التدهور العربي على أنها تطرف ينافي الواقعية وسذاجة لا تليق بالواقع العربي المتدهور؛ بل اتهم أصحاب هذه النظرية بأنهم يخدمون المخطط الصهيوني الذي يصر على مصطلح السلام، وهو مصطلح ليس ضد الحرب أو الصراع.

 

يتصل بهذه النظرية أن المشروع يستهدف كل مقومات الجسد العربي؛ فلا فرق بين الأجزاء المجاورة لفلسطين وتلك البعيدة عنها، يتصل أيضًا بهذا الدرس أن الصراع سوف ينتهي لصالح الأمة العربية الباقية ضد موجة من موجات الاستعمار التي وظَّفت الدين والتاريخ توظيفًا غير سائغ، وتحاول بذلك أن تغيِّر حقائق الجغرافيا والتاريخ، وهذه محاولةٌ علي المدى الطويل لا يسندها واقعُ هذه المنطقة التي امتصَّت كل الغزاة في جوفها وصهرت الجميع في ثقافة واحدة صامدة هي الثقافة العربية الإسلامية، وبذلك لا يجب أن نجري تقويمًا للمشروع الصهيوني في حدود فصول الحاضر، وإنما من منطق تاريخ المنطقة التي لا يعيش فيها إلا الشعوب التي تسكن هذه المنطقة منذ ملايين السنيين؛ مصداقًا لقوله تعالى: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ) (الرعد: من الآية 17).

 

الحقيقة الثامنة

هي أن هذا الصراع قد استفز الطابع الديني لشعوب المنطقة، ورغم تسامحها الديني التاريخي إلا أن تسلُّح المشروع الصهيوني بنزعة دينية متناقضة وخيال ديني سقيم وصناعة دينية مفتعلة لا يمكن تجنبه، والفضل في ذلك يرجع إلى المشروع الصهيوني مما دفع إلى السطح بحالة من الجدل الديني لا تخلو من خلل.

 

فإذا كانت التوراة كتابًا مقدسًا وهي الكتاب الأول المقدس؛ فلا يجوز لهذا الكتاب المقدس إن كان صحيحًا وغير محرَّف وغير مكتوب على هوى أرباب المشروع الصهيوني أن يرخِّص لمجموعة من المغامرين بحق إلهي في إبادة شعب مستقر منذ آلاف السنين؛ يعتنق هو الآخر كتابَين مقدَّسين آخرين؛ هما القرآن والإنجيل.

 

ولذلك فإن "إسرائيل" أصبحت وعاءً للتناقض بين الاتجاه العلماني الصهيوني والاتجاه الديني الصهيوني، فكلاهما يأتي إلى نقطة التلاقي من طريقين مختلفين؛ الأول يأتي من طريق الغلبة السياسية، والثاني يأتي من طريق القدسية الدينية الموهمة، ولذلك فإن بعض المشاهد قد أثارت دهشة التيار العقلاني العربي الذي يريد أن يفصل بين الدين والسياسة، والذي عجز عن أن يفهم كيف أن الجنود الصهاينة الذين اشتركوا في العدوان الأثيم على لبنان عام 2006م كان يقرءون صفحاتٍ من التوراة قبل أن يبدءوا أعمالهم الإجرامية ضد سكان الجنوب اللبناني، فكأنهم يستعينون بالله على عمل إجرامي كاللص الذي يدعو الله أن يوفقه إلى سرقة مريحة آمنة.

 

والغريب أن العالم كله لم يعلِّق على هذا المشهد، بينما لو تصوَّرنا أن جنود حزب الله الذين يدافعون عن أرضهم قد ظهروا يقرءون آيات من القرآن الكريم لكان العالم كله قد اتهمهم بالإرهاب، وبأن قرآنهم يحضهم على ذلك بسبب القراءة المتحيزة والمنحرفة للآية الكريمة (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (60)) (الأنفال)؛ هذا التسييس للدين يجعل من الصعب تديين السياسة في العالم الإسلامي؛ مما سمح لبعض التفسيرات والجماعات أن تصل إلى الحد الأقصى، وأن تقول إن الصراع مع اليهود وليس مع المشروع الصهيوني هو إحياء لسنة نبوية، وأن عدم السعي إلى قهرهم وإنهاء سيطرتهم كيهود وليسوا كجماعة سياسية وغاصبة هو تفريط في هذا الدين.

 

ولا يتسع المقام لبيان الجدل الهائل الذي أثاره السلوك الصهيوني في العالم الإسلامي، ولكننا نكفي أن نشير إلى أن العالم الإسلامي لم يكن طرفًا في الصراع العربي "الإسرائيلي" قبل استيلاء "إسرائيل" على القدس، ولهذا السبب تجري جهود علمية يهودية مكثَّفة لإلغاء موضوع القدس من الدوافع الدينية للمسلمين في عدائهم لـ"إسرائيل"؛ مما وسَّع نطاق المعركة، وأكد أن الصراع بين العرب واليهود وهو صراع على البقاء في المنطقة وليس على توزيع المستحقات في تسوية سياسية.

 

الحقيقة التاسعة

هي أن المشروع الصهيوني بمنطقه الأصلي يتجه نحو تحقيق المرحلة الثالثة فيه؛ حيث كانت المرحلة الأولى هي قيام الدولة العبرية التي لم تتوقف عن التوسع، وكانت المرحلة الثانية هي استثمار نتائج عدوان 1967م ومحاولة إحباط نتائج 1973م لتثبت دعائم الدولة العبرية وهيمنة المشروع الصهيوني.

 

أما المرحلة الثالثة فهي التي عبَّر عنها الرئيس بوش في كلمته أمام الكنيست "الإسرائيلي" في 15 مايو 2008م في الذكرى الستين لإنشاء "إسرائيل" وهي تحويل "إسرائيل" إلى دولة يهودية؛ بما يعني القفز على كل قواعد التسوية السياسية التي يتحدث عنها العالم العربي وتأكيد شرعية جديدة وهي شرعية القوى الغاصبة.

 

الحقيقة العاشرة

هي أنه إذا كان المشروع العربي الوحدوي قد انتصر منذ عام 1967م ثم أصيب بضربة قاضية بمعاهدة السلام المصرية "الإسرائيلية" عام 1979م؛ فإن المشروع الصهيوني قد حقَّق على الأرض مكاسبَ هائلةً؛ أخطرها تعميق القطيعة والشقاق والعداء بين الفلسطينيين والرهان النهائي على هذه الورقة حتى يتم تصفية القضية الفلسطينية نهائيًّا.

 

وهذا هو معنى ما قاله شمعون بيريز رئيس "إسرائيل" في شرم الشيخ عقب لقائه مع الرئيس مبارك يوم 24 أكتوبر 2008م؛ من أن صلب الصراع العربي "الإسرائيلي" هو بين الفلسطينيين و"الإسرائيليين"؛ مما يعني عند بيريز أن الإطار العربي يمكن أن يطبِّع مع "إسرائيل"؛ لأنه لا علاقة له بالصراع، كما يعني أن "إسرائيل" يمكن أن تصفي القضية الفلسطينية مع الفلسطينيين ولا شأن للعالم العربي في ذلك، وهذا هو الخط الذي بدأت "إسرائيل" منذ قيامها ولا بد من الاعتراف بأنها حققت فيه نجاحًا باهرًا.

 

غير أن هناك عددًا من المؤشرات بأن المشروع الصهيوني يتعرَّض هو الآخر للانهيار، والسبب في ذلك هو عدم اقتناع العالم المتزايد بالمنطق "الإسرائيلي"، وعدم اقتناعه بأن اليهود يجب أن يحصلوا على كل فلسطين، فضلاً عن عمليات التطهير العرقي التي تنفذ بها "إسرائيل" المشروع الصهيوني.

 

يضاف إلى ذلك اهتزاز ثقة المواطن "الإسرائيلي" في قوة "إسرائيل"، خاصةً بعد الضربة الكبرى التي ألحقتها المقاومة اللبنانية بـ"إسرائيل"، والتي أدَّت إلى أزمة سياسية داخلية عميقة انتهت بسقوط أولمرت واعتزاله الحياة السياسية.. تلك المواجهة بين المقاومة اللبنانية المتواضعة وبين المشروعين الأمريكي والصهيوني وما احتشد لهما من أدوات القوة الدولية والرعاية الدبلوماسية، والتعاطف الرسمي العربي لبعض الدول العربية ولجوء المواطن "الإسرائيلي" لأول مرة إلى الملاجئ وضرب المدن "الإسرائيلية" بالصواريخ، وعجز "إسرائيل" عن منع هذه الصواريخ بأي صورة.

 

كل ذلك سوف تظهر نتائجه وتداعياته بعد سنوات، فضلاً عن صمود المقاومة الفلسطينية، وصمود سوريا وإيران بدعم من المقاومة العربية؛ بحيث أصبح الصراع العربي "الإسرائيلي" هو صراع بين المشروع الصهيوني ومعه نظم عربية وبين معسكر المقاومة ومعه سوريا وإيران.

 

المبحث الثاني: تقويم مرحلة البحث عن السلام بين العرب و"إسرائيل"

تقتضي الدقة أن نفرق بين مصطلح السلام العربي "الإسرائيلي" الذي لم يتحقق وبين مرحلة البحث عن هذا السلام، وقد أوهمت "إسرائيل" العالم كله بأنها منذ قيامها تبحث عن السلام مع العرب، وأنهم هم الذين يصدون ويعزفون، كما تؤكد "إسرائيل" أن هزيمة العرب العسكرية كانت ضروريةً حتى يقتنعوا بأن البديل الآخر المرّ هو القبول بسلام تفرضه "إسرائيل"؛ لاعتبارها الطرف المنتصر والطرف الأقوى، وأن قوة "إسرائيل" تتنامى بينما تتفرق الصفوف العربية وتتآكل الأوراق العربية.

 

تقتضي الأمانة أيضًا أن نشير إلى أن نصر أكتوبر العربي عام 1973م أضاف إلى "إسرائيل" بعدًا جديدًا خطيرًا، وهو أن العرب لديهم جسارة المواجهة، وأن الجندي العربي بإمكانياته القليلة لا ترهبه أسلحة "إسرائيل" وأنه مقتنع، ولذلك خططت "إسرائيل" لضرب ترسانة القوة العربية في قيادتها ورأسها عندما توجهت إلى مصر، بل إن هذا التوجه في نظر البعض كان قائمًا منذ تولى الرئيس السادات الحكم في سبتمبر 1970م، وأن حرب أكتوبر في نظر هذا البعض وفي نظر السادات طبقًا لروايتهم كانت محاولةً لإقناع واشنطن بأن السادات جديرٌ بصداقتها وهذه هي النقطة المفصلية في الخلاف المصري السوري خلال حرب 1973م؛ إذ لم يكن السادات وفقًا لهذه النظرية يهدف إلى التحرير وإنما يهدف إلى استخدام القوة العسكرية لكي يستثمرها في تقارب سياسي، وهو أمرٌ لم يكن موضع اتفاق من قبل بين القيادتين المصرية والسورية عام 1973م.

 

والحق أن عملية السلام بين العرب و"إسرائيل" قد بدأت رسميًّا بقرار مجلس الأمن رقم 242 لعام 1967م ثم تأكدت بالقرار 338 عام 1973م، ولكن القرار الأول والثاني أديا إلى انقسام العالم العربي منذ البداية حول قبول القرار من عدمه؛ أي حول استمرار المواجهة العسكرية رغم النكسات أو السعي إلى تسوية سياسية مع الاحتفاظ  بقرار استخدام القوة العسكرية، وكان منطق "إسرائيل" بالنسبة لقرار 242 يتجه إلى تكريس المكاسب "الإسرائيلية" في إطار قانوني وبموافقة عربية من خلال مفاوضات ثنائية غير متكافئة، وعلى أساس تفسير المنتصر للقرار 242، بينما العالم العربي تعامل مع هذا القرار تعاملاً رومانسيًّا، فأراد أن تنسحب "إسرائيل" فورًا ودون شروط، ما دامت هي المعتدية ثم يكون للعرب حرية التسوية معها من عدمه، وهذا يتناقض مع منطق نظرية العلاقات الدولية.

 

فعملية السلام التي بدأت عام 1967م كانت تهدف في نظر "إسرائيل" إلى تحقيق تسوية سياسية شاملة يقر فيها العرب بحق "إسرائيل" في الوجود وفق حدود مقترحة، على أساس أن تتفضل "إسرائيل" بإعادة بعض الحقوق والأراضي بقدر ما يسمح به أمنها وراحتها.

 

أما المحطة الثانية في عملية السلام فهي المعاهدة المصرية "الإسرائيلية" عام 1979م التي حرمت العالم العربي من الورقة المصرية الكبيرة، وتركت الساحة العربية بعد تحييد مصر نهبًا لعوامل القوة "الإسرائيلية"، وبذلك لم يبالغ الفقه الصهيوني الذي أجمع على أن اتفاقية السلام المصرية "الإسرائيلية" كانت أهم من انتصار إقامة الدولة العبرية عام 1948م، وأن هذا الحدث عام 1948م كان مهددًا وبحاجة إلى ضمانة حقيقية لم تحصل عليها "إسرائيل" إلا عام 1979، وقيمة هذه المعاهدة بالنسبة لإسرائيل هي أنها أضفت عليها الشرعية السياسية والنفسية والقانونية من جانب دولة تمثل ثلث العالم العربي في السكان ومعظم العالم العربي في الثقل السياسي والعسكري؛ مما أربك صنَّاع القرار خاصةً في سوريا التي بقيت وحدها مع الفلسطينيين في ساحة المواجهة.

 

كان طبيعيًّا أن تتجه عملية السلام إلى المحطة الثالثة وهي توقيع اتفاق أوسلو في 13 سبتمبر 1993 لاعتبارات اختلف الفلسطينيون عليها حتى الآن، ولكن أوسلو جزء من منطق إسرائيلي يعتقد أن استئناس الساحة الفلسطينية هو أقرب الطرق لتوسع المشروع الصهيوني؛ حيث نظرت "إسرائيل" إلى رئيس السلطة على أنه المسئول عن تأمين "إسرائيل" وتأمين ظهرها من أي مغامرات فلسطينية، فلما عجز عرفات واكتشف المأزق مؤخرًا لم يتمكن من التوفيق بين المصلحة "الإسرائيلية" والفلسطينية فكانت نهايته، وتلك نهاية أي رئيس سلطة من بعده؛ حيث لا يتوقع مطلقًا أن يساعد رئيس السلطة المقاومة بينما يعيش في حماية "إسرائيل"، ولهذا السبب كان أبو مازن متسقًا مع نفسه عندما اختار طريق التفاهم مع "إسرائيل" وعنوانه عملية السلام.

 

كانت المحطة الفلسطينية ضرورية حتى تصل عملية السلام إلى وادي عربة في الأردن؛ حيث وقَّعت "إسرائيل" والأردن معاهدة 1994م؛ أي بعد أقل من عام من أتفاق أوسلو؛ فما هي المكاسب والخسائر لأطراف هذه الاتفاقات وإلى أي مدى أسهمت في تحقيق السلام بين العرب وإسرائيل؟!

 

لا شك عندي في أن "إسرائيل" هي الفائز الأكبر في هذه المحطات الثلاثة، وأن الجانب العربي بقطع النظر عن معسكر معين هو الخاسر الأكبر في أننا لا يجوز أن ننسى أن الصراع بين العرب و"إسرائيل" هو معادلة صفرية؛ أي أن ما تكسبه "إسرائيل" يخصم من الفريق العربي والعكس صحيح؛ فقد رأينا استمرار الاستيطان في فلسطين وتهويد القدس وتهديد المسجد الأقصى، وتمييع قضية القدس، وإهدار حق العودة، وتأمين الموقف الأمريكي المؤيد بشكل أعمى لما تفعله "إسرائيل" بما في ذلك السعي لإقامة دولة يهودية تقوم على كل فلسطين وتتخلص بلا رحمة من كل الفلسطينيين بدءًا بعرب 1948م.

 

تمكنت "إسرائيل" أيضًا من تأمين الجبهة المصرية والأردنية ومنع اشتعال العداء المصري والأردني الشعبي ضد "إسرائيل"، وأقامت الحكومتان المصرية والأردنية بحراسة "إسرائيل" وتأمين أعمالها في فلسطين ولبنان؛ بما يساعد على توحش "إسرائيل" في المنطقة.

 

من ناحية أخرى أستمر مؤشر تنامي القوة العسكرية "الإسرائيلية" واندماج "إسرائيل" في المشروع الأمريكي ومناهضتهما للرموز القومية والإسلامية، خاصة بعد المؤامرة المشتركة لهما في أحداث سبتمبر 2001م وتمكنت "إسرائيل" من تصفية الانتفاضة الفلسطينية بمساعدة عربية وفلسطينية،  كما نجحت نجاحًا كبيرًا في أن تحوِّل العداء الفلسطيني نحو "إسرائيل" إلى عداء داخلي بين رام الله وغزة، وجعلت كل طرف يعتبر نفسه منتصرًا كلما نال من الطرف الآخر وكلما تقرب من "إسرائيل".

 

هل معنى ذلك أن عملية السلام حتى الآن لم يفد منها الطرف العربي؟! الحق أن الطرف العربي في المفهوم الإستراتيجي لم يستفد، وقد يقول بعض المصريين إن عملية السلام مع "إسرائيل" قد منعت المواجهات العسكرية بين مصر و"إسرائيل"، وأعادت سيناء لمصر، ولكن الحقيقة هي أن سيناء التي عادت قد عادت ناقصة السيادة، كما أن وجودها في يد مصر مهدَّدٌ، وأن استهدافها من جانب "إسرائيل" جزء من مخططها المعروف.

 

ونقطة الخلل في الموقف المصري هي أن قوة مصر وأوراقها التي كان يمكن أن تحقق كل الأهداف العربية قد تم اختزالها في هدف مصري واحد، وهو إعادة سيناء مهما كان حجم القيود التي ترزخ تحتها، كما أن مصر فقدت دورها الإقليمي، وهو أساس لتحقيق أهداف المجتمع المصري، فضلاً عن أن مصر لم توفر نفقات التسلُّح والمواجهة لأغراض التنمية، وإنما تدهورت مكانة مصر تدهورًا شاملاً وخطيرًا في الداخل والخارج،  واتسعت الهوَّة بين مواقف الحكومة ومواقف الشعب المصري من "إسرائيل" والمشروع الأمريكي.

 

هل معنى ذلك أنه يستحيل الاتفاق على مفهوم موحد عربي "إسرائيلي" للسلام؛ بحيث يعيش العرب واليهود معًا دون حاجة إلى صراعات جديدة؟!

 

أعتقد أنه يتعين لتحقيق ذلك توفر أربعة شروط:

الشرط الأول: أن تعلن "إسرائيل" أنها تريد إسرائيل 1947 أم إسرائيل 4 يونيو 1967، أم إسرائيل 5 يونيو، أم إسرائيل الدولة اليهودية، وهذا لن يتأتى إلا بتحقيق الشرط الثاني.

 

الشرط الثاني: أن يجتمع للعالم العربي كلمة واحدة وأوراق تسمح بالضغط والمساومة والمفاوضة؛ لأن "إسرائيل" لن تتنازل عما سلبته لمجرد أن العالم العربي يتلهَّف على السلام الحقيقي، ولهذا السبب فإن مبادرة السلام العربية سوف تكتسب قيمةً كبرى عندما تقدمها أيدٍ قوية واثقة لا أيدٍ يائسة مضطربة زائغة البصر محطمة الفؤاد.

 

الشرط الثالث: أن تدرك مصر الرسمية أن المشروع الصهيوني يهدد جوهر الوجود المصري، وأن التعاون معه يجب أن ينطلق من منطق القوة وليس من منطق المجاملة، ولذلك فإن مصر تستطيع أن تصوغ مشروعًا عربيًّا شاملاً بالتنسيق مع سوريا ومع الأطراف العربية التي تلتقي عند هذا الهدف.

 

والشرط الرابع: أن يتحرر العالم العربي من الكابوس الأمريكي، وأن يعتبر أن ما حدث من نصر مؤزَّر على "إسرائيل" عام 2006م درس للجيوش العربية وليس مغامرةً كما أسمتها بعض التصريحات العربية.

 

بهذه الشروط يمكن أن يتحدَّد مصير العلاقات العربية "الإسرائيلية"؛ فإما أن ترحل "إسرائيل" أو ترغم على سلام يكفل للعرب حقوقهم مقابل موافقتهم على إقامة هؤلاء اليهود ضيوفًا في فلسطين بين ظهرانيهم، على أن يلتزموا بآداب الضيافة وحسن الجوار.

 

خاتمة

أظن أن ملخص هذه الدراسة واضح، ويجب أن يكون جزءًا من حسابات سوريا وهي تتقدم نحو السلام مع "إسرائيل"، ونحن نثق في أن الحسابات السورية سوف تأخذ في اعتبارها تجربة السلام العربية مع "إسرائيل"، والتي كانت دائمًا في صالح "إسرائيل"؛ حتى لا تكرر سوريا نفس السيناريو ولكن بعبارات أخرى.

--------------

* مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق للشئون القانونية الدولية والمعاهدات والتخطيط السياسي.