إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر أبا الأنبياء سيدنا إبراهيم بعد أن رفع قواعد البيت الحرام بأن يؤذن في الناس بالحج قال الله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27)﴾ (الحج)، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله القائل في الحديث الذي يرويه أبو هريرة- رضي الله عنه-: "الحجاج والعمار وفد الله، إن دعوه أجابهم، وإن استغفروه غفر لهم" ( رواه النسائي وابن ماجة، وابن خزيمة، وابن حبان) اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الأبرار الأطهار وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

أما بعد: فعن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: "سئل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أي العمل أفضل قال: إيمان بالله ورسوله. قيل ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله. قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور" (فتح الباري 3/381/1519.الحج/ فضل الحج المبرور).

 

وعن عائشة أم المؤمنين- رضي الله عنها- أنها قالت: "يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: لا، ولكن أفضل الجهاد حج مبرور" (فتح الباري 3/381/1520.الحج/ فضل الحج المبرور).

 

إن المتأمل في الشعائر التعبدية في الإسلام، يجد أنها تعمل على تطهير الإنسان مما سبق أن وقع فيه من خطايا، أو ارتكب من ذنوب، وكذلك تمنحه من الأجر والثواب ما يرفع درجته يوم القيامة، حيث أنها تهيئ له في حياته لحظات إيمانية ينخلع فيها من شهواته وأهوائه التي تنحرف به عن أداء رسالته أو القيام بمهمته في الحياة والتي تحددت في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)﴾ (الذاريات).

 

فالوضوء: يطهر الجوارح من آثامها فعن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن، فغسل وجهه، خرجت من وجهه كل خطيئة، نظر إليها بعينه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه، خرج من يديه كل خطيئة، كان بطشتها يداه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه، خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقيًا من الذنوب"( مسلم بشرح النووي 3/132/244).

 

والصلاة: تغسل الإنسان من أدرانه: فعن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجْتَنَبَ الكبائر"( مسلم بشرح النووي 3/118/233).

 

والصيام: كذلك فعن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" (فتح الباري 3/115/1901).

 

وفي الزكاة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (سورة التوبة: من الآية  103).

 

أيها المسلمون: إذا كانت العبادات السابقة تغسل ابن آدم من خطاياه، ولكنه قد يبقى عالقًا به كبير جرم، أو عظيم ذنب، فكانت فريضة الحج التي تهدم ما قبلها، وترجع المسلم طاهرًا من الذنوب والخطايا كيوم ولدته أمه. عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: "من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه"( فتح الباري 3/382/1521).

 

وعن ابن شُمَاسة المَهْرِي، قال: حضرنا عمرو بن العاص- رضي الله عنه- وهو في سياقة الموت، فبكى طويلاً وحول وجهه إلى الجدار، فجعل ابنه يقول: يا أبتاه أما بشرك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بكذا؟ أما بشرك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بكذا؟ قال: فأقبل بوجهه وقال: إن أفضل ما نُعِد شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، إني قد كنت على أطباق ثلاث، لقد رأيتني وما أحد أشد بغضًا لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- مني، ولا أحب إليّ أن أكون قد استمكنت منه فقتلته، فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار، فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي- صلى الله عليه وسلم- فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه، قال: فقبضت يدي، قال: "مالك يا عمرو؟" قلت: أردت أن أشترط. قال: "تشترط بماذا؟" قلت: أن يُغَفر لي، قال: "أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟ وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ وأن الحج يهدم ما كان قبله؟"( مسلم بشرح النووي 2/136/121).

 

وعن عبد الله، يعني ابن مسعود- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة"( رواه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، وقال الترمذي:حديث حسن صحيح).

 

وبر الحج والعمرة إنما يكون بإطعام الطعام وإفشاء السلام، فعن جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة. قالوا: يا نبي الله ما الحج المبرور قال: إطعام الطعام، وإفشاء السلام"( مسند الإمام أحمد 3/325).

 

إخوة الإسلام: إن ثواب أعمال الحج عظيم وما من عمل يؤديه المسلم في هذه الرحلة إلا ويزيد رصيده من الحسنات، والوقوف على هذا الأجر يدفع بالمسلم إلى العمل، ويخفف عنه مشاقه، وكلما ازداد الأجر، تضاعف النشاط، وقويت الهمة في أداء الأعمال بحب وشوق، وجزى الله صحابة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- خيرًا حيث سألوا عن ذلك الأجر.

 

فعن أنس بن مالك- رضي الله عنه- قال: كنت قاعدًا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في مسجد الخيف أتاه رجل من الأنصار، ورجل من ثقيف، فسلما عليه، ثم قالا: يا رسول الله! جئنا نسألك. قال: "إن شئتما أخبرتكما بما جئتما تسألاني عنه، وإن شئتما سألتماني". قال: أخبرنا يا رسول الله نزداد إيمانًا ويقينًا! قال للأنصاري: "جئت تسأل عن مخرجك من بيتك، تؤم البيت الحرام، وما لك فيه، وعن طوافك وما لك فيه، وعن ركعتيك بعد الطواف وما لك فيهما، وعن طوافك بين الصفا والمروة ومالك فيه، وعن وقوفك بعرفة وما لك فيه، وعن رميك الجمار وما لك فيه، وعن رميك الجمار وما لك فيه، وعن طوافك بالبيت وما لك فيه" يعني الإفاضة. قال: والذي بعثك بالحق ما جئت إلا لأسألك عن ذلك. قال: "أما مخرجك من بيتك تؤم البيت الحرام، فإن ناقتك لا ترفع خفًّا، ولا تضعه إلا كتب الله لك به حسنة، ومحا به عنك خطيئة، وأما طوافك بالبيت، فإنك لا ترفع قدمًا، ولا تضعها، إلا كتب الله لك بها حسنة، ومحا عنك خطيئة، ورفع لك بها درجة، وأما ركعتاك بعد طوافك، فكعتق رقبة من بني إسماعيل، وأما طوافك بين الصفا والمروة فكعتق سبعين رقبة، وأما وقوفك عشية عرفة، فإن الله تعالى يهبط إلى سماء الدنيا، فيباهي بكم الملائكة، ويقول: انظروا إلى عبادي جاءوني من كل فج عميق، شعثًا غبرًا، يرجون رحمتي ومغفرتي، فلو كانت ذنوبهم مثل الرمل، وعدد القطر، ومثل زبد البحر، ومثل نجوم السماء لغفرتها لهم، ويقول: أفيضوا عبادي مغفورًا لكم، ولمن شفعتم فيه، وأما رميك الجمار، فإن الله يغفر لك بكل حصاة رميتها كبيرة من الكبائر الموبقات الموجبات، وأما نحرك فمدخور لك عند ربك، وأما طوافك بالبيت (يعني الإفاضة)، فإنك تطوف ولا ذنب عليك، ويأتيك ملك، فيضع يده بين كتفيك، ويقول: اعمل لما بقي فقد كفيت ما مضى"( الدر المنثور 1/412. وعزاه إلى البزار وابن مردويه).

 

أيها المسلمون: وليس كل حاج يرجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، بل ربما عاد يحمل خطايا على خطاياه، والمعول في ذلك على أمرين: الأول: طيب نفقته في رحلة الحج: روي عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "إذا خرج الحاج حاجًّا بنفقة طيبة، ووضع رجله في الغرز فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه منادٍ من السماء: لبيك وسعديك، زادك حلال وراحلتك حلال، وحجك مبرور، غير مأزور، وإذا خرج بالنفقة الخبيثة، فوضع رجله في الغرز، فنادى: لبيك، ناداه منادٍ من السماء: لا لبيك ولا سعديك زادك حرام ونفقتك حرام وحجك مأزور غير مبرور"( الترغيب والترهيب 2/180. وعزاه إلى الطبراني في الأوسط).

 

 الصورة غير متاحة
 
وهذا كان يجعل السلف الصالح- رضوان الله عليهم- على وجل وخشية وهم يقصدون بيت الله الحرام، فعن سفيان بن عيينة- رضي الله عنه- قال: أحرم علي بن الحسين- رضي الله عنهما- للحج فلما استوت به راحلته اصفر لونه، وانتفض ووقعت عليه الرعدة، ولم يستطع أن يلبي فقيل له: لم لا تلبي؟ فقال: أخشى أن يقال لي: لا لبيك ولا سعديك.

 

الأمر الآخر: خلو حجه من الرفث والفسوق والجدال، فقد قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِي يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ (197)﴾ (البقرة)  عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في قوله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ قال: "الرفث الإعرابة- الإفحاش في القول- والتعريض للنساء بالجماع، والفسوق: المعاصي كلها، والجدال: جدال الرجل صاحبه"( الدر المنثور 1/395 . وعزاه إلى الطبراني).

 

وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: "خرجنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حجاجًا، وكانت زاملتنا- وهي البعير الذي يحمل عليه الطعام والمتاع- مع غلام أبي بكر، فجلسنا ننظر حتى تأتينا، فاطلع الغلام يمشي ما معه بعيره، فقال أبو بكر- رضي الله عنه-: أين بعيرك؟ قال: أضلني الليلة، فقام أبو بكر يضربه، ويقول: بعير واحد أضلك وأنت رجل؟ فما يزيد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على أن تبسم، وقال: انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع"( الدر المنثور 1/398. وعزاه إلى الحاكم). وعن جابر- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "من قضى نسكه، وقد سلم المسلمون من لسانه ويده، غفر له ما تقدم من ذنبه" (الدر المنثور 1/397. وعزاه إلي عبد بن حميد في مسنده).