- المستهلكون: المنتجات تزيد وتنخفض فجأةً والتكهُّنات في غير محلها

- أصحاب المتاجر: نحاول جذب المستهلك بالعروض.. ولكن دون جدوى

- الخبراء: ضبط الأسعار مهمة الحكومة وتخلِّيها عن السوق كارثة

 

تحقيق- إسلام توفيق:

كان من الإيجابيات الملموسة للأزمة المالية العالمية انخفاض سعر البترول والذهب وانخفاض سعر الدولار؛ مما انعكس إيجابًا على انخفاض أسعار بعض السلع الغذائية بمصر، إلا أن هذا الانخفاض لم ينعكس على الشعب المصري الذي عزف عن البيع والشراء؛ لعدم توفر سيولة مادية لديه أو لخوفه من المستقبل.

 

فعلى الرغم من انخفاض أسعار العديد من السلع الغذائية بنسبةٍ تراوحت ما بين 7%: 20% مثل منتجات الألبان والدواجن والعروض الكبيرة التي قد تصل إلى خصم 40% من سعر بعض المنتجات الأخرى، تبعًا لعروض المتاجر ومحال البقالة الكبرى؛ إلا أن العزوف عن الشراء والتخزين لا يزال قائمًا من قِبَل المستهلكين.

 

(إخوان أون لاين) حاول رصْد أسباب عزوف المصريين عن الشراء والتخزين، على الرغم من انخفاض أسعار بعض السلع، ومدى تأثير ذلك في الأسواق الكبيرة التي تقدِّم خدمتها للمواطنين.

 

لا سيولة

في البداية تؤكد عفاف سيد (ربة منزل) والتي كانت تتسوَّق في أحد المتاجر الكبرى أنها كانت سابقًا تأتي لتتسوَّق لشهر أو شهرين كاملين؛ الأمر الذي لم يعد الآن رغم انخفاض بعض الأسعار؛ نظرًا لعدم وجود سيولة مادية حقيقية، فضلاً عن السوق والأسعار المتقلِّبة للمنتجات، خاصةً الطعام والشراب الممثل الأكبر للتسوُّق والبيع والشراء.

 

وأشارت إلى أن ما يحدث الآن في الأسواق أمرٌ لم تَرَه منذ سنوات؛ فالأسعار زادت أكثر من 60% خلال 3 أشهر، "وبعدها نجد أن الأسعار انخفضت في سلع، وبقيت في سلع أخرى، ولم يصبح معلومًا الآن ما السلعة التي سيزيد سعرها وما السلعة التي سينقص سعرها".

 الصورة غير متاحة

 الغلاء وارتفاع الأسعار أصبح حديث المصريين جميعًا

 

واتفقت معها نوال عيد (الموظفة بإحدى المصالح الحكومية) على أن الأسعار في تقلُّب غريب لم تَرَه منذ أكثر من عشرين عامًا، مشيرةً إلى أن التقلُّب في الأسعار أصبح غيرَ واضح المعالم، ولا يمكن تحديد ما إذا كانت سلعة ما سيرتفع سعرها أو سينخفض؛ الأمر الذي أصبح واضحًا في الذهب والحديد الذي أكد الجميع أنه قد يصل إلى ضعف سعره في الوقت الذي انخفض سعره ولم يرتفع.

 

وعن رغبتها في البيع والشراء قالت إنها ليس لديها الرغبة والقدرة على البيع أو الشراء، خاصةً أنها حتى وإن كانت تملك سيولةً ماليةً فهي تخاف عليها ولا تريد التفريط فيها؛ خوفًا من المستقبل الذي أصبح غير مضمون.

 

دخل محدود

ووصف طه سعيد والذي يعمل معلمًا بإحدى المدارس الحكومية ما يحدث في الأسواق المصرية بالمعادلة الصعبة، ويحكي أنه قديمًا كان لا يستطيع شراء ما يريد بسبب ارتفاع أسعارها، أما الآن فعلى الرغم من انخفاض بعض الأسعار إلا أنه لا يستطيع أيضًا أن يشتريَها.

 

وقال إنه منذ زمن قريب كان لذي الدخل المحدود أن يعيش عيشةً آمنةً تحقق رغباته، أما الآن فلا يستطيع أن يعيش عيشةً هادئةً إلا أصحاب الدخل الكبير، ومن دون ذلك لا يستطيعون إلا أن يدعوا ربهم أن يتغمدَهم برحمته، بعد أن زادت مصاريف الحياة وكثرت الاحتياجات.

 

احتياجات مجنونة!

أما ناصرة الخليفة (ربة منزل) فقالت إنها لا تشتري إلا الاحتياجات الضرورية فقط، سواءٌ من الطعام والشراب أو من احتياجاتها أو احتياجات أسرتها؛ خوفًا من المستقبل، وإيمانًا منها بأن ما تدَّخره اليوم سينفعها غدًا، وأن ما تنفقه اليوم يصعب أن تحصل عليه في الغد، في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها الاقتصاد المصري والبورصة.

 

وفي ردٍّ على سؤال: "لماذا لا تفكرين في تخزين المواد التي ينخفض سعرها كالبيض والجبن؟"، قالت إنه قديمًا كان يقال على الطماطم "مجنونة يا قوطة"، والآن أصبحت كل المنتجات "مجنونة"؛ "فقد أُقبل على التخزين الآن فأجد أن أسعارها قد انخفضت فأكون أنا الخاسرة، حتى وإن زاد سعرها فسأكون مثل أي بيت وأية أسرة، والأسعار على الجميع".

 

لا للتخزين

واتفق معها عباس سعد مدير أحد مراكز التنمية البشرية على أن الأسعار أصبحت مجنونةً ولا تطاق؛ فعلى الرغم من انخفاضها إلا أنهم لا يستطيعون شراءها، ولا يستطيعون أن يلبوا احتياجات بيتهم منها.

 

وأكمل في نبرة حزن: "أتمنى أن تثبت الأسعار حتى وإن كانت على السعر العالي، وألا يلعب التجار والمستوردون بأعصابنا حتى أتعبوها".

 الصورة غير متاحة

 

وفي نفس السياق نفت سعاد عبيد الموظفة بأحد البنوك فكرة تخزين السلع؛ خوفًا من ارتفاع سعرها، والتي أكدت أنه من الخطأ شراء الذهب مثلاً عند انخفاض سعره ثم بيعه عند ارتفاعه، مشيرةً إلى أن المخاطرة كبيرة، مدلِّلةً على كلامها بكذب التكهُّنات التي قالت بارتفاع أسعار الذهب ووصول الجرام منه إلى 200 جنيه؛ في الوقت الذي انخفض فيه الآن ليصبح بـ113 جنيهًا فقط، فضلاً عن أن زينة السيدات أصبحت في "الإكسسوار" لا في الذهب؛ لانخفاض سعرها كثيرًا، إضافةً إلى كونها "موضة" في كل العالم.

 

وعن تسوقها لبيتها قالت إنها تتبع نفس الأسلوب في بيتها ولا تُقدِم على خطوة تخزين المنتجات، خاصةً أن الطعام والشراب قد يفسد إذا خُزِّن بكميات كبيرة، فضلاً عن أن الأسعار ليس لها حدٌّ في انخفاضها أو ارتفاعها.

 

منشار!!

ويؤكد عادل فتحي الموظف بإحدى شركات الكمبيوتر أن الأسواق المصرية والتجار باتت تشبه المنشار "طالع واكل نازل واكل" في دماء الشعب المصري، موضحًا مثاله بأنه على الرغم من انخفاض الأسعار عالميًّا بصورة كبيرة إلا أن هذا الانخفاض لم تشهده الأسواق المصرية إلا في بعض السلع، والتي تُعتَبر غير ضرورية.

 

وأشار إلى أنه على الرغم من سرقة المصريين و"مص دمهم" إلا أنهم لا يجدون ما يكفي احتياجاتهم من سيولة، وأنه كاد أن يفقد عقله بسبب بعض السلع التي انخفضت ولا يستطيع شراءها؛ توفيرًا للسلع الضرورية التي تستهلك منه أموالاً أكثر.

 

خوف

ويعترف مصطفى عويس الطالب بكلية التجارة بجامعة عين شمس بأن غلاء المعيشة وراء عزوف كثير من المواطنين عن الشراء رغم انخفاض الأسعار في بعض السلع، وقال إنه من سنوات- وهو من يتسوَّق لوالدته- كان يأتي لها شهريًّا بخزين كبير يكفيها طوال الشهر، وكان يخصص يومًا كاملاً يوميًّا للتسوُّق لوالدته؛ الأمر الذي اختفى الآن وأصبح يتسوق أسبوعيًّا ويحضر ما يكفيهم فقط.

 

وقال إن الكميات التي كان يُحضرها منذ سنوات تضاءلت إلى الضعف، على الرغم من أن الاحتياجات زادت نظرًا لعدم توافر سيولة حقيقية تسمح بالتسوق مثل الماضي، وعدم الإحساس بالأمان في المستقبل.

 

عروض للجذب

وعلى صعيد الخبراء وأصحاب المحال أكد محمد عبد الباري مدير أحد متاجر "مترو" أنهم يسعون منذ شهور لجذب المستهلكين عن طريق العروض والتخفيضات التي قد تصل إلى 40%، فضلاً عن الامتيازات التي يقدمونها للمشترين بأكثر من 300 جنيه؛ الأمر الذي لا يجدونه إلا نادرًا في ظل الأزمة المالية الطاحنة التي يلاقيها الشعب المصري وعدم توافر سيولة مادية لديهم.

 

وقال إنهم يسعون بشتى الطرق إلى توفير جوٍّ من البيع الآمن والميسر للمستهلكين، إلا أنهم لا يجدون تفاعلاً كبيرًا منهم؛ نظرًا للأسباب السابقة، خاصةً من ذوي الدخول المحدودة الذين يتسوَّقون أقل القليل ومن العروض فقط وعلى قدر احتياجاتهم اليومية فقط.

 

سعي بلا فائدة

الأمر نفسه أكده محمود رجب مدير أحد فروع متاجر "أولاد رجب" في أن أصحاب الدخول المحدودة، وهم الفئة الأكثر من الشعب المصري هم من يحضرون للاستفادة من العروض، سواءٌ في منتجات الألبان أو الزيوت، وأنهم يتجهون نحو العروض فقط.

 

وقال إنهم يسعون مع الشركات المنتجة والمستوردة بشتى الطرق لتقليل الأسعار للاستفادة منها في عروض تخدم الشعب الذي أصبح يلاقي عجزًا وشللاً من التقلب الملحوظ في الأسعار الذي بدأ منذ سنوات وارتفع أكثر من 60% وانخفض مرةً أخرى بعد الأزمة المالية العالمية.

 

أزمة جديدة

 الصورة غير متاحة

أزمات طاحنة تعصف بالشعب المصري

وأرجع غريب فؤاد صاحب أحد محال الذهب بوسط المدينة تراجع أسعار الذهب محليًّا لارتباطها بالأزمة المالية العالمية، والتي تأثرت بشكل كبير بانخفاض أسعار النفط والدولار، مشيرًا إلى أنه على الرغم من هذا الانخفاض، إلا أن هناك عزوفًا عن الشراء من قبل المصريين تحسبًا لمزيد من التراجع في الأسعار مستقبلاً.

 

وقال إنه على الرغم من توقعنا الكبير بارتفاع أسعار الذهب ووصول منشورات إلينا تفيد بارتفاعه؛ إلا أن الأزمة المالية العالمية جاءت لتنفي كل هذه التكهنات وتضع كل أصحاب المحال في مأزق كبير مع المستهلكين الذين رفضوا شراء المصوغات الذهبية خوفًا من أزمة جديدة أو تفاقم الأزمة الحالية؛ مما قد يؤدي إلى انخفاض جديد وخسارة جديدة لهم.

 

مجرد وقت

من جانبه يرى مصطفى العجواني عضو غرفة تجارة القاهرة أن أغلب التجار والمستوردين توجد لديهم أرصدة من البضائع بالأسعار القديمة، وأنه عندما ينتهي المستوردون من تصريف تلك الكميات ستنخفض الأسعار دون أي تدخل حكومي.

 

وعن الدور الذي يجب أن تتخذه وزارة التجارة والصناعة لتخفيض الأسعار؛ أوضح العجواني أنه لا يوجد شيء اسمه اتخاذ إجراءات حكومية أو إدارية في السوق لتحديد الأسعار، محذِّرًا من الآثار السلبية على الأسعار، وأضاف أنه لا يمكن إلزام المنتجين بتخفيض أسعارهم بشكل فوري؛ لأن الأمر خاضع لحسابات التكلفة والأرباح في كل مصنع.

 

رقابة الدولة

ويضيف د. صلاح الجندي أستاذ الاقتصاد بجامعة المنصورة أن حرية الاقتصاد لا تعني الفوضى، وطالب بضرورة قيام الدولة بدور رقابي على الأسواق، وأعطى مثالاً بمباراة كرة القدم، فبرغم حرية اللاعب في الملعب إلا أنه لا بد من وجود حكَم للفريقين حتى لا يتحول الملعب إلى ساحة قتال.

 

ويرى أن الاحتكار والمضاربات الضارة والغش التجاري هي الأزمة الحقيقية للأسواق المحلية، وقال إن اقتصادنا له خصائصه الخاصة، وطالب باتخاذ الإجراءات اللازمة لتتماشى مع ظروفنا المالية والاقتصادية، ودراستها بدقة قبل اتخاذ القرار.