قالت الصغيرة لي: مَن الذي سرق القمر؟

قلتُ: العرب.

قالت: ماذا يفعلون به؟

قلتُ: يعلقونه للزينة على حوائط بيوتهم!

 

بهذه الكلمات افتتح الكاتب الصهيوني يوري إيفانز قصته "الأمير والقمر"(*)، وهي قصة قصيرة للأطفال، ينهض بناؤها على حدث بسيط، غياب أو سرقة القمر، فيأتي فارس صهيوني أو محارب قديم من شعب إسرائيل، ويستطيع أن يسترجع القمر، ولكن من الذي سرق القمر، إنهم- كما تصرح بذلك القصة في أولها- العرب، ومن ثَمَّ تستغني القصة عن الأحداث الجانبية، والوصف الزائد، وتعتمد على التركيز، والترميز لإيصال الفكرة بيسر، بحيث لا تؤدي إلى تراكم الأحداث الذي يزعزع الفكرة، أو يشتت انتباه الطفل.

 

ويمكن- بناءً على ما تقدم- أن نصف القصة، بأنها قصة موقف، لا قصةَ أحداث، وهذا الموقف مرسوم بدقة في ذهن الكاتب، أي أنها فكرة ذهنية مُسْبَقَة، وفق رؤية صهيونية جاهزة، وبكلمةٍ أخرى، إن الفكرة (سرقة القمر) لا تطوّرها الأحداث، أو تبلورها، ومن ثَمَّ تبدو القصة من ناحية بنائها الفني مهزوزة، لا توسِّع من خيال القارئ الطفل، ولا تُثير انتباهه، ولا تشدّه إلى آفاقها، بل تشحنه (بخيال مريض)، إن صحَّ التعبير.

 

إن الخيالَ المريض الذي سعت القصة إلى بنائه من خلال فكرتها الرئيسية هو زرع العداء في أذهان الأطفال الصهاينة تجاه العرب، وجعلهم يشعرون أن العرب سارقون لحقوقهم، وأن الأسلوب الوحيد الذي يجب أن يُتبع معهم هو الحرب؛ لأنهم قتلة جبناء، وهذا واضحٌ تمام الوضوح في مفردات القصة البالغة (370 كلمةً)، إذ يمكن نرصد في مفردات هذه القصة حقلين دلالين: أحدهما سلبي، والآخر إيجابي:-

 

أما الحقل الدلالي السلبي فيتضمن ألفاظًا تختص بالعرب وتتعلق بهم، ومنها: (سرق- يعلقونه للزينة- سرقوا حلمها- لا لِمَ يتحقق الحلم بعد- سرقوا القمر- بصق الأمير على الأرض- الجبناء كلهم لصوص وقتلة- الذي سرق القمر هو الذي قتل الأمير الصغير).

 

أما الحقل الإيجابي فيتضمن ألفاظًا تختص بالصهاينة وشعب إسرائيل، ومن مفرداته: (تضيء أرض إسرائيل- تكره العرب- محارب قديم في أرض إسرائيل- أنت يهودية حقًّا- ضرب الأمير برمحه- أطفال شعب إسرائيل لا يكذبون- لم تبكِ الصغيرة فقد تحقق حلمها وأشرق القمر على أرض إسرائيل).

 

إنَّ المقارن بين حقلي الكلمات التي تدور في إطارهما القصة يتبين إلى أي مدى يلصق الكاتب بالعرب معاني (السرقة- الجبن- القتل) وهي معانٍ سلبية تحمل الطفل على كراهية هؤلاء العرب، وتصورهم سارقون وجبناء، في حين أن المعاني والمفردات التي تختص بالصهاينة (شعب إسرائيل) تنحو نحو الإيجابية (الضوء- الصدق- شروق القمر).

 

وفي تصوري أن الطفلَ الصهيوني بعد أن يقرأ القصة أو يستمع إليها سيقارن بين هذين الحقلين، وستكون النتيجة التي يصل إليها بعد أن شُحن ذهنه بحقل الكلمات السلبية عن العرب هي الكراهية بل مناصبة العداء لهذا الجنس البشري الجبان القاتل الذي يسرق شيئًا ليس من حقه، بل يستغله استغلالاً سيئًا، فقد سرق القمر ليعلقه للزينة.

 

والحق أن قراءة النص بتمعن يمكن أن تكشف عن القيم التي نهض عليها، فهو مُعبَّأ بالحقد والكره للعرب منذ السطور الأولى، ففي أول مقطعٍ من القصة- وقد مرَّ بنا "قالت الصغيرة.. العرب"، يبدو الكاتب واعيًا للعبته جيدًا، إذ وضع مُسْبقًا مضمون القصة التدميرية، ودفع النص ليتكئ عليه، يعني أن سرقة القمر من قِبل العرب، كان مضمونًا مفضوحًا ومحسوبًا بدقة.
أما المقطع الثاني، فيبدو فيه العرب أنانيين:

 

قالت: ماذا يفعلون به؟

قلتُ: يعلّقونه على جدران بيوتهم.

قالت: ونحنُ؟

قلتُ: نحوله إلى مصابيح صغيرة تُضيء أرض إسرائيل كلها.

 

فالعرب يُعلقون القمر على جدران بيوتهم، بينما يحوّله الصهاينة إلى مصابيح مضيئة، أو قل إنهم لا يتذوقون الجمال، ويضحّون به من أجل أنانيتهم، في مقابل الصهاينة الذين ينتفعون به وينفعون به من حولهم (وهم بالطبع شعب إسرائيل).

 

ثمة قيمة أخرى تشتمل عليها قصة الأمير والقمر، ولا تكاد قصة من قصص الأطفال الصهيوني تخلو منها، وهي تثبيت الحلم الصهيوني "إسرائيل الكبرى"، إذ يشحن الكاتب القارئ بالعداء والكره، لكل مَن يحاول (سرقة حلمها وحلم أبنائها، لكن من يستطيع أن يسترد الحلم المسروق من (الأعداء العرب)؟! إنَّ الكاتب وضع المهمة على عاتق (الأمير الصغير)، المحارب القديم في أرض إسرائيل.

 

وفي ظل هذه القيم التي يسعى الكاتب الصهيوني إلى غرسها في ذهن الطفل، تصبح الحرب- كقيمة- نتيجة طبيعية، وتأتي تحصيلاً لحاصل كل القيم الأخرى، وقد ألقى الكاتب هذه المهمة أيضًا على عاتق (الأمير الصغير).

 

ولنا أن نتأمل في صفات هذا الأمير كما حددها النص، إن الأمير الصغير يستطيع أن يحقق حلم المحارب القديم، ويُبسط سيطرته على أرض (إسرائيل الكبرى) ليعيش عليها (شعب الله المختار).

 

والتأمل في هذه الصفات يشف عن مزجٍ واضحٍ من الكاتب بين التعاليم الصهيونية والمعتقدات الدينية، أي أنه يمزج بين المغزى السياسي والمغزى الديني، أليست الصهيونية فلسفة سياسية بثياب دينية؟.

 

لقد اختار الكاتب (الأمير الصغير)، لتنفيذ أفكاره، وبهذا الاختيار يكمن لب القصة، والمثل الأعلى للجيل الصهيوني الجديد الذي يحاول استرداد القمر المسروق، إن البطل يؤمن بالقوة، والعنف، والحرب، والتفوق، ألا يمثل هذا البطل الوجه البشع للإمبريالية والنازية معًا؟ ألا يمثل هذا النموذج: السوبرمان الذي لا يقهر في القصة الأمريكية؟.

 

إن نص (الأمير والقمر)، إذ يشيع القيم البالية المتخلفة عن روح العصر: الحقد، والأنانية، والكره، والحرب، يكشف عن تمويه فظيع للأجيال القادمة، والقيم المريضة في الأدب الصهيوني وعالمها المكتظ بالدمار، والقتل والموت والحرب.

 

لقد دأبت الصهيونية منذ زمن، وبالتحديد بعد الحرب العالمية الثانية على أن تضع السم في الدسم بذكاء، وتسمّم عقول الناشئة، لتجعلهم مهيئين لتقبل إيديولوجيتها المتخلفة، وهي بذلك لا تريد من كُتَّابها أن يكتبوا عن الزهور، والفراشات، والجمال والحب، خوفًا من جيرانهم العرب المدججين بالسلاح الذين سيقتحمون منازلهم ذات ليلة، كما يُصرِّح كتابهم!

 

نص القصة:

"الأمير والقمر" للقاص العبري "يورى إيفانز"

"قالت الصغيرة لي: مَن الذي سرق القمر؟

قلتُ: العرب.

قالت: ماذا يفعلون به؟

قلت: يعلقونه للزينة على حوائط بيوتهم!

قالت: ونحن؟

قلت: نحوله إلى مصابيح صغيرة تضيء أرض إسرائيل كلها.

ومنذ ذلك الوقت والصغيرة تحلم بالقمر وتكره العرب لأنهم سرقوا حلمها وحلم أبنائها.

هذا الصباح جاء أمير صغير إلى بيتنا وقال: هل تقبلونني ضيفًا؟

رضينا به لكن الصغيرة قالت: على أن تقول لنا مَن أنت؟

قال: أنا فارس من فرسان الأرض محارب قديم في أرض إسرائيل.

متُ صغيرًا لكنني أخرج مرةً في كل عام أطوف في هذه الأرض وأسأل إن كان شعبي يسكنها م لا.

قالت الصغيرة: نحن شعبك وأنا حبيبتك أيها الأمير.

قال الأمير: ما أروعك أطلب منك الملجأ ليلةً واحدةً فتفتحين لي قلبك أنت يهودية حقًّا.

قلت: نعم كلنا هنا شعب إسرائيل.

ضرب الأمير برمحه وقال: إذن نحقق الحلم الآن، أستطيع أن أعود إلى قبري مرتاح البال.

تشبثت به الصغيرة وقالت: لا.. لَمْ يتحقق الحلم بعد.

قال الأمير: كيف.

قالت الصغيرة: لقد سرقوا القمر.

قال الأمير (وهو يضرب برمحه مرةً ثانية): مَن؟

قالت الصغيرة: العرب.

بصق الأمير على الأرض قال: الجبناء كلهم لصوص وقتلة لكن لا بأس.

سألت الصغيرة: وماذا سنفعل؟

قال الأمير: انتظري الليلة سأعود لكِ بالحلم الجميل.

انتظرت الصغيرة ألقت رأسها على إطار النافذة.

وظلَّت تنظر إلى السماء.

ومرت الساعات ونام الأطفال والنساء والرجال والشيوخ، ولكن الصغيرة ظلت
تنتظر لم تيأس ولم تستسلم للنوم؛ لأنها تعرف أن أطفال شعب إسرائيل لا يكذبون.

 

بعد منتصف الليل بقليلٍ انشقت الغيوم فجأةً ورأت الصغيرة القمر لأول مرة رأته جميلاً ورائقًا، حدقت فيه طويلاً ثم ركضت إليَّ وقالت: استيقظ يا أبي استيقظ، وقادتني إلى النافذة
وقالت: أنظر يا أبي هل هذا وجه الأمير الصغير؟

قلت: يا بُنتي الذي سرق القمر هو الذي قتل الأمير الصغير.

لَمْ تبكِ الصغيرةُ فقد تحقق حلمها وأشرق القمرُ على أرضِ إسرائيل".

-----------------

* ترجم النص الأستاذ محمد الظاهر، وقدَّم له الناقد طراد الكبيسي في مجلة الأقلام العراقية 1979م.