الحمد لله الذي أحلَّ الحلال وحرَّم الحرام، والصلاة والسلام على نبي الرحمة ونبي الملحمة وعلى آله وصحبه، وبعد..
لقد جاءت الشريعة الإسلامية صالحةً لكل زمان ومكان ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا﴾ (المائدة: من الآية 3).
وجاء القرآن والسنة يحملان القواعد العامة الحاكمة لهذا الدين، وكذلك الأحكام التفصيلية لبعضها، وأكثرها في العبادات وبعض المعاملات.
وإن كان لمستجدات الحياة أثر كبير، خاصةً فيما يعرف بالسياسة الشرعية وتعامل الدول بعضها مع بعض، وكما أن الشرع يراعي الإنسان حال ضعفه وقوته، فهو كذلك يراعي الدول حال القوة والضعف وحال الإكراه والإجبار، وفي كل الأحوال المختلفة، ولكن كل هذا محكوم بالقواعد الكلية والضوابط الشرعية الحاكمة، وفي ضوء ذلك تتم دراستنا حول الاتفاقية الأمنية المزمع توقيعها بين العراق وأمريكا.
بين يدي الدراسة
![]() |
|
الشيخ عبد الخالق الشريف |
2- منذ متى يطلب المحتل اتفاقيةً هي لصالح الضعيف الذي سيطر المحتل على أرضه واستباح شعبه وأهلك نسله دون إذن بل بعدوان وظلم؟!
3- كيف يمكن أن يُتخيَّل حكومة نشأت في ظل الاحتلال تصل إلى اتفاقية فيها صالح الشعب العراقي أو مصلحته؟! بل لن نجد منها إلا السعي إلى تحقيق أهداف من يسَّر لها طريق الجلوس على كرسي الحكم.
تمهيد:
1- يعلم الجميع أن النبي رفض الاستعانة بكافر في قتال الكفار (صحيح مسلم: 1817)، فكيف يمكن الاتفاق والاستعانة بدولة لا تدين بالإسلام، وليس لها في باب الأخلاق ما يشهد بأن عند القائمين عليها أدنى ما يجعلهم أهل عدل ورحمة أو بعيدين عن الظلم، بل أفعالهم في فلسطين ومساعدتهم لليهود هناك، وسوابقهم بالعراق تشهد على الفساد الأخلاقي والسلوكي الساعي إلى دمار العراق، وعلى من نستعين بهؤلاء الأمريكان؟ على الشعب العراقي أم على من؟!
2- كل الذي حدث أنهم بعد الهجوم العالمي عليهم يريدون وضعًا قانونيًّا يرسِّخ احتلالهم ويؤصِّل وجودهم ويمكِّنهم من الغاية التي من أجل تحقيقها أوهموا العالم بوجود أسلحة دمار شامل لم يجدوها، وإنما يصنعون الوهم ليحكموا به الضعفاء، وَهْم كالقاعدة، وَهْم كإيران، ووَهْم حقوق الأقليات في البلدان المسلمة فقط، وحرية الديانات وغير ذلك.
دراسة لبنود الاتفاقية
1- دولة قوية داخل دولة هشة:
هذا ما يمكن الوصول إليه من خلال دراسة الاتفاقية الأمنية؛ فالقوات الأمريكية لها سلطات مطلقة؛ فالولاية القانونية على القوات الأمريكية والمتعاونين معها لهذه القوات (مادة 12- 1)، ومن يُلقى القبض عليه من القوات أو ممن يعمل معهم يُسلَّم إليها فورًا (مادة 12- 6)، وكل ما يسعى الطرف العراقي إلى تعديله "أن يتم القبض خلال 24 ساعة"، ولا تطبَّق القوانين العراقية على القوات الأمريكية أو الفرد المدني منهم، وخروجهم ودخولهم لا رقابة عليه (مادة 14)، كل ما يتم هو تسليم كشف للعراق، ولهذه القوات استيراد وتصدير كل ما تراه دون تفتيش (مادة 15)، والقوات الأمريكية تُنتج الكهرباء والمياه لنفسها، وكذلك تغطية أنظمة الاتصال لنفسها دون تدخل عراقي (مادة 11- 1)، وكذلك فإن طائرات القوات الأمريكية لا تتعرض للتفتيش (مادة 9- 2) ولها مهمة مراقبة والسيطرة على المجال الجوي العراقي (مادة 9- 4)، وللقوات الأمريكية أن تشتريَ بعقود وفقًا للقانون الأمريكي (مادة 10)، ولهذه القوات حق ردع القوى الداخلية والخارجية وأفراد القاعدة والمجموعات الخارجة عن القانون وفلول النظام السابق (مادة 14).
وهنا يكون السؤال: هل هذا اتفاق بين دولتين؟ أم سيطرة دولة على أخرى بصيغة قانونية تمكِّنها من فعل ما تشاء؟!
2- نشرت جريدة عكاظ السعودية بعض الملاحق السرية لهذه الاتفاقية، ورد ذلك في برنامج (مرآة الصحافة) الذي تبثه قناة (الجزيرة)، وكان مما حوت هذه الملاحق:
أ- أن للقوات الأمريكية حقَّ هجوم أية دولة أو منظمة تهدد أمن العراق أو القوات الأمريكية.
ب- أن القوات الأمريكية تقوم بتدريب وتنظيم القوات المسلحة الأمريكية وقوات الأمن الداخلي لمدة عشر سنوات.
وهذا يعني سيطرة القوات الأمريكية على وزارة الدفاع والداخلية العراقي، ويعني أيضًا تهديد المنطقة وإمكانية مهاجمة إيران وسوريا وأية دولة أخرى من العراق.
3- أن الاتفاقية تشير في كثيرٍ من بنودها إلى احتفاظ القوات الأمريكية بالأماكن التي تكون فيها ومعداتها والمواد والأجهزة، وكل ذلك خاضعٌ لها وليس للعراق سلطان عليها، ولم تحدد عددًا أو مساحاتٍ أو أماكنَ، وهل القواعد الأجنبية إلا ذلك؟! بل هنا بأسلوبٍ مفتوح لا يُعرف له نهاية.
من هذا كله يتبين أن الاتفاقية ما هي إلا أمرٌ باحتلال أمريكا للعراق، وإذا كنا قد أُمرنا بالدفاع عن شبرٍ من الأرض إذا هوجم من العدو، فهل يُسلَّم له كل شيء ليدمِّر العراق وكل ما حوله؟!
بعد الذي بيَّنَّاه نريد أن ننظر إلى الاتفاقية وفق الضوابط الشرعية:
1- الولاء والبراء: لقد أُمرنا بالبراء من الكفار، ولا يكون بيننا وبينهم ولاء، وإن جازت حسن المعاملة بالمثل ما لم يكونوا محاربين، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (الممتحنة: 1).
والآيات في ذلك كثيرة، ألم يُشِرْ الرئيس الأمريكي إلى أنها حرب صليبية؟! ماذا تفعل أسلحته التي يمد بها الكيان الصهيوني بكل الدول التي حوله؟! فحين تُوقَّع هذه الاتفاقية فهي ولاء ونصرة وتأييد وتمكين له ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (آل عمران: 118).
2- نصرته وتمكينه على كل دول الجوار.. هذا سيكون حال القوات الأمريكية التي لها أن تهاجم من تشاء بالوهم، فتصبح كل دول الخليج وإيران وسوريا والأردن من أيسر ما يكون هجومها، وقيام الكيان الصهيوني مع القوات الأمريكية بكل ما يريدون بهذه الدول، وحينئذٍ نتساءل: أين قول النبي صلى الله عليه وسلم: "المسلم أخو المسلم...".
3- ما فرص وهدف وما صالح حكومة العراق في التمكين للقوات الأمريكية؟! أهي تخاف الكويت أم السعودية؟! أهي تخاف إيران أم الأردن؟! من هو العدو الذي تخافه حكومة العراق كي تمكِّن أمريكا من احتلال أرضها؟!
4- أن هذه الاتفاقية ستمكِّن من تقسيم العراق، وقد بدت بوادره بموافقة الأكراد على هذه الاتفاقية.
5- وهل كل ما ستقوم به الحكومة العراقية مكافأةٌ لأمريكا على تدمير اقتصادها، وهتك حرماتها، وقتل شعبها؟! وما القتل الجماعي ولا سجن أبو غريب ولا النهب والسلب والسيطرة على الاقتصاد العراقي وإشاعة الفساد في كل مكان إلا علامةٌ على ذلك، فهل من أجل ذلك تتم مكافأة الأمريكان باحتلال العراق؟!
اللهم إنا نُشهدك بحرمة هذه الاتفاقية وفقًا للقواعد الشرعية على ما أعلن فيها، وإن كنا نعلم أن ما خفي أعظم، ولا بديل عن خروج القوات الأمريكية بكل توابعها وعودة الشرعية إلى العراق الموحَّد.
اللهم احفظ أمتنا من أعداءنا الذين لا يمكثون فينا إلا بسبب فساد بعضنا، وولائهم لهم، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
