* "المحامين" أول الضحايا.. والقضاء وتفصيل القانون أدوات التنفيذ
* ضياء راشون: هناك اتجاه حكومي لتأميم الانتخابات بصفة عامة
* طلعت السادات: التعديلات التشريعية هي الباب الخلفي للاختراق
* علي كمال: الحزب يستغل المشتاقين للمناصب لإثبات تواجده
* د. مجدي قرقر: سيناريوهات الهيمنة على النقابات مفضوحة
تحقيق- حسن محمود:
لم تكن دعوة الرئيس محمد حسني مبارك في المؤتمر السنوي الخامس للحزب الحاكم لإدخال تعديلات تشريعية على قانون ديمقراطية التنظيمات النقابية المهنية بهدف التغلُّب على الصعوبات التي تحُول دون إجراء انتخابات في عدد من النقابات وتفعيل دورها.. وتأكيد جمال مبارك أمين لجنة السياسات بالحزب على ذلك من خلال دعوته لإعادة النظر في القانون رقم 100 لسنة 1993م.. وما استتبع ذلك من اعتراف ماجد الشربيني عضو الأمانة العامة للحزب بأن الحزب الوطني نجح في اختراق النقابات، واستدلاله على ذلك بما يحدث بنقابة المحامين، مؤكدًا أن الجميع يتسابق لنيل تأييد الوطني..
لم تكن هذه التصريحات سوى للتأكيد على خطة اختراق يتم تنفيذها لاحتكار الحزب الوطني كافةَ النقابات المهنية والسيطرة عليها وتكميمها؛ بدءًا بنقابة المحامين.
ولهذه الخطة حكاية وملامح؛ بدأت بتحالف الحزب مع سامح عاشور المرشح الحالي لمنصب نقيب المحامين في إعداد مشروع قانون المحاماة الجديد؛ حيث قدَّمه عاشور بالاتفاق مع كلٍّ من إبراهيم الجوجري وعبد الأحد جمال الدين نائبَي الحزب الحاكم بمجلس الشعب، وتم تحديد جلسة لمناقشة مشروع القانون خلسةً؛ دون الالتزام بالدَّور واللائحة، ودون الرجوع إلى الجمعيات العمومية ورأي المحامين؛ لتمرير أول بنود القانون التي تفرِض شبح الحراسة على النقابة لمدة عام بقيادة عاشور ونقباء الوطني الفرعيين لفرض الهيمنة والوصاية على المحامين.
ووصف المحامون قانون المحاماة الجديد حينذاك بأنه "لصوصيةٌ من النظام، ومحاولةٌ لسرقة نقابة المحامين من الجمعية العمومية، وتسليمها للنظام وأعوانه؛ حتى يصبح شأنها مثل النقابات الأخرى المُجمَّدة".
وقامت ثورة للمحامين ولم تهدأ إلا مع تدخل رئاسي بتنسيق مع الدكتور فتحي سرور رئيس مجلس الشعب ليتم إلغاء المادة الأولى، وتشكيل لجنة قضائية لبدء إجراء الانتخابات بالنقابة.
ولم يقف الوطني عند هذا الحد؛ حيث قرَّر استكمال خطته في المعركة الانتخابية، وعمل على إعداد قائمة له في انتخابات المحامين، يقودها سامح عاشور النقيب السابق، على أن يختار فيها أربعة أو خمسة من أنصاره، بعد مفاجأته بقائمة قومية للجنة الشريعة الإسلامية حازت تقدير المراقبين.
ليس هذا فحسب.. بل قام أحمد عز أمين التنظيم في الحزب الوطني بنفسه خلال الأيام السابقة لقرار وقف الانتخابات بتحرُّكات مكثَّفة داخل الوحدات الفرعية والصغيرة والأمانات العامة للحزب لجلب التأييد لرموزه المرشَّحة في انتخابات المحامين وقائمته التي أعدها للنقيب سامح عاشور، وهو الشيء الذي دفع منافسي عاشور إلى التأكيد أن عاشور مرشح الوطني.
وكانت تحركات عز إحدى الآليات القوية في رسم خطة يتم تنفيذها عبْر القضاء الإداري لتأجيل نطق المحكمة بالحكم وللتضييق على مرشحي الإخوان المسلمين وأنصارهم.
جاء وقف الانتخابات في 26 أكتوبر الماضي ليكشف اللعبة برمَّتها؛ فالحزب قيَّم الوضع الانتخابي لمرشحي منصب النقيب وفرص فوز قائمته ورموزه، ووجد أن الفشل الذريع هو حليفه بعد تردي أسهم مرشحيه على منصب النقيب وقائمته.
بعد قرار وقف الانتخابات رتَّب عاشور الأمر مع الحزب الوطني جيدًا، ووعدهم برفع أسهمه في الفترة المقبلة؛ مقابل أن يعطوه فرصة لذلك، وألا يختاروا مرشحًا آخر بديلاً عنه، فبدأ حملة تلميع له جمع في أولى خطواتها أنصاره من النقباء الفرعيين للمحامين؛ بمشاركة قيادات من الحزب، منهم أبو النجا المحرزي وكيل نقابة المحامين بالجيزة، وفي مخالفة صارخة لاختصاصات اللجنة القضائية دخل عاشور النقابة في سهولة ويُسر وجلس على كرسي النقيب؛ الذي قام بنقله إلى قاعة الاجتماعات ليؤكد للجميع أنه النقيب القادم، وهي التصرفات التي أذهلت الجميع؛ بمن فيهم الصحفيون الموالون له وللحزب الوطني.
والسؤال الذي يطلُّ برأسه الآن: هل نجح الحزب الوطني في اختراق النقابات خاصةً نقابة المحامين؟ وما هي ملامح هذه الخطة؟ هذا ما سيجيب عنه التحقيق التالي:
بدايةً يعترف المحامي إبراهيم أبو فارس عضو الحزب الوطني والمرشح على عضوية المجلس بأن الحزب الوطني يهدف إلى اختراق النقابات المهنية، قائلاً: إن الأمر بات واضحًا في نقابة المحامين، وظهرت رائحة الصفقات في قانون المحاماة الجديد وتفصيله كأنه يراد به فردٌ بعينه أُعجِبَ به الحزب واعتبره من رجاله المخلصين.
ويشير أبو فارس إلى أن هذا الاختراق واضح بتدخلاته المتكررة في كل شيء في النقابات المهنية وإلغاء الإشراف القضائي؛ كي يحوِّل النقابات المهنية إلى محليات يزوّر انتخاباتها كيفما يشاء أو انتخابات الشورى!.
السر الخفي
علي كمال

ويؤكد علي كمال عضو مجلس نقابة المحامين السابق أن الحزب الوطني مصرٌّ على أن يضع أنفه في النقابات المهنية، وظهر ذلك أخيرًا في انتخابات نقابة المحامين، موضحًا أن هذا يظهر جليًا من نشاط بعض أعضاء الحزب من المحامين الذين يتشوَّقون لعضوية مجلس النقابات.
ويضيف أن الأمر لا يعدو أن يكون رغبةً لدى بعض الأفراد؛ صادفت هوى لدى النظام، فتمَّ تزيين الواقع وعمل بعض اللقاءات في بعض المحافظات؛ ليبدو أن هناك تنظيمًا داخل الحزب للمهنيين وهناك قواعد بكل قرية وكل كفر، وهذا ليس صحيحًا ولا يوجد إلا على الجداول والبيانات المضللة.
ويستطرد كمال حديثه قائلاً: رغم كل هذا فإن القيادات المهنية تخفي عن قياداتها بالحزب أن خوض الانتخابات تحت اسم الحزب الوطني هو أمرٌ مكروهٌ لدى المحامين والمهنيين بل والشعب المصري عمومًا، ودليل ذلك حرص النقيب السابق سامح عاشور على أن يصرِّح أن وجود "سعيد الفار أو عمر هريدي في قائمته" بأشخاصهما وليس بحزبهما!.
ويضيف: إذا كان الحزب الوطني يرغب في خوض انتخابات النقابات المهنية فمرحبًا به، ولكن يجب عليه أن يخوضها بشرف، وأن يكون صندوق الاقتراع هو الحاكم بينه وبين منافسيه، وليس التزوير أو التلاعب بالقوانين وأحكام القضاء.
![]() |
|
طلعت السادات |
ويوضح النائب طلعت السادات عضو مجلس الشعب والمرشح على منصب النقيب أن التعديلات التشريعية التي أعلنها الرئيس ستكون تعديلات كارثية ضد النقابات المهنية، مشيرًا إلى أنها تشبه التعديلات الدستورية التي أقرت في عام 2006، بهدف تكريس تواجد الحزب الوطني في النقابات المهنية وبسط سيطرته على كافة النقابات.
ويرى السادات أن تقنين الاختراق بالقانون بات واضحًا، وبدأ بتنسيق الوطني مع عاشور في قانون المحاماة الجديد، وإعلان الرئيس عن تعديلات بهدف تمكين الحزب من الدخول بقوة في النقابات.
ويشير إلى أن نقابة المحامين كانت نموذجًا في ذلك، وإلا ما معنى إلغاء سامح عاشور لمؤتمر عن المحاكمة الشعبية لأحمد عز وتهميش مجلس نقابة المحامين طوال الدورة الماضية لدرجة عدم عقد جلسات المجلس إلا لمرات قليلة جدًّا.
سيناريوهات الهيمنة
![]() |
|
د. مجدي قرقر |
ويرى د. مجدي قرقر الأمين العام المساعد لحزب العمل وعضو "مهندسون ضد الحراسة" أن الحزب الوطني يهدف إلى بسط هيمنته وسيطرته على النقابات المهنية رغم أنه من حقه كمثل الأحزاب الأخرى أن يدخلها بعد خلع رداء الحزب على أبواب النقابات، ولكن الحزب لا يرضى بذلك.
وأوضح أن ملامح هذه السيطرة تتمثل في دفع بعض الموالين للحكومة بطلب لفرض الحراسة على النقابات وامتناع الحكومة عن تنفيذ أحكام القضاء للنقابات المهنية في إجراء انتخابات داخل النقابات والتدخل في القضاء بما يمنع استقلاله ويعطل إجراء الانتخابات كما هو الحال في نقابات الأطباء والمهندسين والمحامين مؤخرًا.
واعتبر أن دعوة الحزب لتعديلات تشريعية في مؤتمر الحزب ما هو إلا إنزال لقوانين للنقابات بالباراشوت في حين أن هذا المؤتمر اغتصب حق الجمعيات العمومية في إبداء آرائها في الأسلوب الأمثل لإجراء الانتخابات المعطلة وهو حق أصيل لها لا يحق للأحزاب التدخل فيه.
تأميم الانتخابات
![]() |
|
ضياء رشوان |
ويرى ضياء رشوان الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية أن قبول الحزب لتعديل تشريعي مؤشر خطير للمستقبل ترفضه الأوضاع النقابية والقانونية.
وأكد أن هذا التشريع سيولد من رحم تعديلات دستورية يقبع الشيطان في تفاصيلها، كونها تشريعات مخيفة وأكثر سوءًا من التعديلات الدستورية نفسها التي رفضها الجميع في مصر عدا الحزب الحاكم.
وأكد رشوان أن هناك اتجاهًا قويًّا في الفترة المقبلة لا يعرف أحد تفاصيله بعد للسيطرة على المجال المنتخب سواء كان عامًّا أو نقابيًّا، وهذا ما هو ظهر في نقابة المحامين بصورة أو بأخرى، مشيرًا إلى أن القانون القادم سيكون شبه ديمقراطي ليحقق هذا الغرض.


