- عبد الله الخطيب: تغيير المناهج والبيئة أفسد كل شيء.
- د. موسى فرحات: مصادرة الأوقاف أضاعت استقلال الأزهر.
- د. رجب أبو مليح: دور الأزهر الحقيقي قيادة الأمة جميعًا.
- د. حمدي والي: اليهود والأمريكان وراء دعاوى التغيير.
تحقيق- نورا النجار:
كان الأزهر الجامع والجامعة مقصد العلم وطلابه والسياسة وأهلها، ومحط أنظار الوطن الإسلامي ومهوى أفئدته.
في ساحة الأزهر جمع ابن حجر العسقلاني وقدَّم كتابه الأشهر "فتح الباري في شرح صحيح البخاري"، وعلى منبره وقف زعماء مصر وقياداتها يهتفون للحرية وينادون بالاستقلال، وكما سجل علماؤه الجوهري وعمر مكرم سطورًا رائعة في صد الحملة الفرنسية وإحباطها؛ خرجت من باحته ثورة 1919م، واستمرت سلمًا وحربًا حتى تم الجلاء وخرج المحتل الإنجليزي من مصر.
مآذن الأزهر الأربعة وجدرانه الشامخة تحكي تاريخًا هو الأنصع لمسجد بعد الحرمين والأقصى الشريف، فقبل عشرة قرون بنى القائد الفاطمي جوهر الصقلي الجامع الأزهر، وتحديدًا في الرابع والعشرين من جمادى أولى عام 359هـ الموافق 4 أبريل عام 970 ميلادية، وكان مؤسس قاهرة المعز يهدف من تشييده نشر المذهب الشيعي في ربوع مصر ومنها إلى باقي الدولة الإسلامية، من خلال حلقات العلم التي بدأت في رحابه منذ 975م، وكانت الدولة الفاطمية تتولى رعاية طلابها والإنفاق عليهم.
ومع سقوط الدولة الفاطمية على يد صلاح الدين الأيوبي وجيش نور الدين محمود، تحول الأزهر عام 378هـ- 988م إلى جامعة تدَرَّس فيها العلوم الشرعية بمنهج أهل السنة والجماعة على يد الوزير (النابه)، واستمرت مسيرته جيلاً بعد جيل يتقدمها شيوخه الأعاظم وأئمته النوابغ الذين جعلوه أعلى سلطة فقهية وروحية في الوطن الإسلامي لا سيما أصحاب المذهب السني.
ولأن دوام الحال من المحال فقد تبدلت الأيام على الأزهر الشريف، ورحل عنه محمد عبده وشلتوت وعبد الحليم محمود، وأصبح الأزهر ملحقًا بسلطات الرئيس وسيادته.
ومنذ ذلك الحين والتراجع بل السقوط هو سمة منارة الأزهر ومنابره، وبعد فتاوى دعم الاستشهاد وإعلان مقاطعة الأجنبي وتحريم الربا بكافة صوره، صار أزهرنا في صف التطبيع والمجيز لربا البنوك، وانشغل علماؤه بفتاوى الرضاع وضرب الزوجة لزوجها!!.
(إخوان أون لاين) يناقش أسباب تراجع دور الأزهر كمنبر دعوي فقهي، معنيٍّ بشئون الأمة وقضاياها، وطرح أسئلةً تشغل كثيرين حول الضربات الجديدة التي أنهكت ذلك الصرح الشامخ الذي طالما صمد هو ورجاله أمام محاولات النيل منه على مر العصور.. هل العيب في المناهج التربوية التي تصنع رجال الأزهر؟، أم أنها قوى سياسية ضاغطة تحاول النيل من مكانته وهدمها؟، هل أصبح الأزهر شيخًا هرِمًا لا يقوى على الدفاع عن نفسه؟، وما السبيل لاستعادة مكانته من جديد؟.
اسأل عن القرآن
الشيخ محمد عبد الله الخطيب

في البداية يتحدث الشيخ محمد عبد الله الخطيب عن أسباب التراجع فيقول: السبب الرئيسي لهذا التراجع المخزي ما يتربى عليه الطلاب الآن من مناهج تغيرت كثيرًا في قيمها عن الماضي؛ فقد كنا قديمًا لا نحلم بالالتحاق بالأزهر الشريف إلا إذا تجاوزنا اختبارًا للقرآن الكريم حفظًا وتلاوةً، أما الآن فالأمر متروك على غاربه يدخل من يشاء، وبالتالي تغير الجيل واختلفت القيم هي الأخرى بتغيير المناهج.
ويضيف: كذلك تغيرت البيئة التي يعيشها العلماء وأبناء الأزهر؛ فقد كنا ونحن شبابٌ نخطب في المساجد ونعتلي المنابر ونصدع بالحق بلا وجل ولا خوف مهما كانت العواقب، وكنا لا نخشى الفاقة؛ فقد كان الأزهر يكفل طلابه من الناحية المادية ليقوم بتصفية أذهانهم للدراسة الفقهية والدعوة، وهو عكس الخوف على الرزق والحياة الذي يطارد الأجيال اللاحقة.
ويرى الشيخ الخطيب أن كثرة تغيير المناهج وتبديلها من وقت لآخر وضع على كاهل الطالب أعباء إضافية فانشغل الطلاب بالدروس الخصوصية وبتوفير نفقاتهم في الرحلة الجامعية من خلال الاشتغال بمهن مختلفة؛ وبالتالي أصبح العلم والدعوة من آخر أولوياتهم، ناهيك عن الضغوط السياسية الداخلية والخارجية التي يتعرض لها الأزهر للحد من دوره ونشاطاته، وهدم صورته في أعين الجميع من خلال تغيير المناهج وتضييق الميزانية المخصصة لدعم نفقات الأزهر، وأصبح القليلون الآن هم من يستطيعون الصمود في مواجهة هذه الضغوط بخلاف علمائنا في الماضي الذين كانوا أجلاء حقيقة في التصدي للباطل وقول الحق مهما كانت العقبات.
وحول استعادة الريادة للأزهر يقول: لا بد من تغيير جذري للمناهج التي يتربى عليها الطلاب الآن، وتهيئة ظروف حياة كريمة للعلماء حتى لا يستطيع أحد أن يمارس ضغوطه عليهم؛ وبالتالي يصبحون منابر للحق دونما قيود.
الأوقاف
ويعزو الدكتور موسى فرحات رئيس قسم الحديث وعلومه في كلية أصول الدين بالمنصورة التراجع الحالي إلى الضعف الشديد في الحكومات المصرية، التي كان حريًّا بها رعاية الأزهر لما له من دور كبير لا يمكن تجاهله أو نسيانه في الدعوة والتعليم بالعالم الإسلامي منذ ما يزيد عن ألف عام.
ويعيب على الحكومات تقليل نفقات الأزهر الذي كان قديمًا يرعى طلابه وعلماءه ماديًّا من أوقاف المسلمين؛ حتى تتفرغ أذهانهم وعقولهم كاملة للدراسة، أما الآن فقد أصبح الأزهريون موظفين لدى الدولة، وفرضت الحياة الاقتصادية الصعبة ضغوطها على الطلاب والعلماء على حد سواء؛ مما أثر على مستوياتهم العلمية والعملية.
ويطالب د. موسى فرحات حكومات الدول الإسلامية جميعها بتوجيه الجهد والرعاية إلى الأزهر وطلابه؛ فهو مؤسسة إسلامية وليست مصرية فقط، حتى يتسنى لطلابه الإبداع في مجالهم، وتجاوز المحنة الحالية ليبقى من جديد شامخًا مهما حدث ومهما كان حوله من ضغوط سياسية أو مادية.
الأزهر للقيادة
د. رجب أبو مليح

ويوضح د. رجب أبو مليح المستشار الشرعي للفتوى أن الدور الأهم للأزهر ليس في رعاية العلم وتخريج العلماء وهو ما يتم بصورة نسبية حاليًّا، لكن الدور الحقيقي هو قيادة الأمة وريادتها وتوجيهها في شتى مجالات الحياة.
ويرى أن هذا الدور الأهم قد غاب وضعف في الوقت الراهن؛ لأسباب كثيرة بعضها داخلي وبعضها خارجي، إلا أنه أكد أن السبب الرئيسي هو سيطرة الدولة وتأميمها لهذه المؤسسة- جامعًا وجامعةً- فأصبحت بمن فيها موظفين حكوميين، وتمكنت من السيطرة عليهم بالترهيب والترغيب مما عطل دور الأزهر محليًّا وعالميًّا، ولن يعود حتى تتخلص من هذا القيد.
ويطالب برجوع الأوقاف للأزهر مرة أخرى حتى يستقل بنفقاته ونفقات أبنائه عن هيمنة الدولة وسلطانها، وأن تكون رئاسة الجامع والجامعة بالانتخاب الحر النزيه، وقال: ساعتها سنضع أقدامنا على أول طريق للإصلاح، يتبعها خطوات أخرى مثل إصلاح مناهج التعليم والاهتمام بالأستاذ الجامعي والطالب الجامعي وغير ذلك.
علمنة وأمركة
د. حمدي والي أستاذ الأدب العربي بجامعة 6 أكتوبر يعلق على الأمر قائلاً: تراجع الأزهر ليس وليد اللحظة بل هو من عشرات السنين؛ بسبب ما تفعله به الدولة منذ أن قيدته كمؤسسة حكومية تمارس عليها الضغط المادي لتكبيل العلماء وكتم أصواتهم بخفض أجورهم من حين لآخر، وتغيير المناهج في اتجاه علمنتها، وقصرها على العلوم التجريبية والتطبيقية ووأد دوره الشرعي الفقهي.
وعن التدخلات الخارجية في الأزهر يقول: الاستهداف الخارجي لا يقتصر على الأزهر الشريف فقط، بل يمتد إلى كل المؤسسات الإسلامية فيحاول التدخل في تعديل المناهج باسم تغيير الخطاب الديني وما شابه، إلا أن كل هذا ستار يختفي وراءه أياد خفية تحاول تغيير قيمنا الإسلامية، وإحلال أخرى ترضى المحتل الصهيوني والعدو الأمريكي.
وحول توقعاته لمستقبل دور الأزهر الريادي يقول: أتوقع عودة ريادة الأزهر من جديد، إلا أن هذا يتوقف على مدى وعي الأمة بالمخاطر المحيطة بها؛ فالهدم يأتي سريعًا لكن البناء يحتاج لفترة أطول، ويحث الغيورين على دينهم إلى التنبه لمثل هذه المخاطر ومواجهتها بمزيد من الصبر والعمل الدءوب، ومواصلة تربية النشء المسلم بدءًا من الكتاتيب وحتى الجامعة، مطالبًا بتطوير مستوى معلمي الأزهر وإمدادهم بالدورات التدريبية؛ كي يساهموا في صناعة أجيال ناضجة تستطيع إعادة دور الأزهر كمنارة إسلامية من جديد.