- مستقبل الاستقلال القضائي الكامل قادم

- لن يستطيع أحد هزّ مواقف القضاة الثابتة

- زيارات مقبل شاكر انتخابية والمعركة فاصلة

- الدولة بيدها الحل ولا بد من استخدامه سريعًا

 

حوار- حسن محمود:

الحوار مع شخصية بوزن المستشار هشام جنينة نائب رئيس محكمة النقض يكتسب أهميته ليس بسبب شخصيته ومنصبه الحالي وتوجهه الاستقلالي في الساحة القضائية فقط، بل لأنه أول حديث له في مرحلة حاسمة؛ حيث نفتح معه ملف الانتخابات الملتهب داخل النادي، خاصةً بعد أن أجمع رموز الدفاع عن استقلال السلطة القضائية على اختياره ليكون مرشحًا لرئاسة النادي بعد إصرار المستشار زكريا عبد العزيز على عدم الترشح مجدَّدًا.

 

والمستشار جنينة سليل أسرة قضائية تحظى بالتقدير داخل الساحة القضائية، ويمارس العمل العام داخل النادي منذ عام 1984م، حتى وصل إلى منصبه الحالي؛ سكرتير عام النادي.

 

سخونة القضايا وقوة الرد جعلت الحوار ثريًّا وعميقًا ومهمًّا؛ في لحظة حاسمة من عمر القضاء المصري كما أحب هو بنفسه أن يصفها:

 

* وصف العديد من المراقبين الموقف الحالي للسلطة القضائية والمدافعين عن استقلالها الكامل بالموقف الصعب والحرج، فهل أنت متفائل؟

** نعم متفائل، والتفاؤل صفة لازمة للحياة، ولا بديل عنها في هذه الأوقات الحاسمة، لا بد من الأمل في تحقيق مستقبل متميز لاستقلال القضاء في مصر، طالما نحن مصرُّون عليه.

 

* ما الذي يدعو للتفاؤل؟ وما تقييمكم الشخصي لموقف استقلال القضاء؟

** أنا متفائل لأن هذه الضغوط التي يتعرَّض لها النادي ليست جديدةً عليه أو علينا؛ فالنادي طول عمره منذ نشأته في عام 1939م وحتى الآن في مرحلة شدٍّ وجذب مع الدولة بمؤسساتها؛ لكون النادي بات يمثل ضمانةً وحصانةً وملاذًا لرجال القضاء، ولاستقلاله الكامل غير المنقوص عن إصرار السلطة التنفيذية على التغوُّل على السلطة القضائية، ونحن نقيِّم الموقف بهذا المنظار، ونعلم أن استقلال القضاء الكامل يتعرض لمحن كثيرة يجب أن نصمد أمامها.

 

مواقف راسخة

* ولكن هل عنف هذه المحن وشدتها وصل إلى درجة إقامة أحد القضاة المحسوبين على وزير العدل دعويين قضائيتين ضد النادي في دائرة طلبات القضاة؟

** "بإصرار" والله مهما حدث لن يستطيعوا أن يهزُّوا النادي في مواقفه الثابتة المدافعة عن الاستقلال الكامل، وبخصوص القضيتين فهما تخصان اشتراكات وافقت الجمعية العمومية على رفعها من 2 جنيه إلى 20 جنيهًا، وليس مجلس الإدارة، ولك أن تتخيل القيمة الشرائية للجنيه، ونسبة الارتفاع التي حدثت وثارت عليها ضجة مفتعلة، وسأفاجئك حينما أقول للجميع إنه لا يشترط طبقًا للائحة الداخلية للنادي- "أطلعني على نصِّها"- موافقة نِصاب "النصف + 1" كما يقول البعض لوسائل الإعلام.

 

ودعونا نوضح حقائق غائبة في هذا الصدد، وهي أن النادي تعرَّض لحصار مالي أثر على الخدمات الاجتماعية والترفيهية والأساسية التي تقدم للنادي ولم يكن لنا سبيل إلا الاستجابة للمعونات التي طرحتْها على النادي بعضُ منظمات حقوق الإنسان واستقلال القضاء، أو أن يدعم رجال القضاء ناديهم عن طريق زيادة الاشتراك.

 

ولما طرحنا الأمر على الزملاء رفضوا بالإجماع المعونات؛ مع توجيه الشكر لهذه المبادرة الطيبة من هذه المنظمات، وأصرُّوا على دعم ناديهم بزيادة الاشتراك، وهو الذي تحقق بالفعل حتى وصل عدد المسدِّدين للاشتراكات حتى الآن 7 آلاف زميل من 10500 قاضٍ، وهو ما يعني أن حقيقة الواقع تؤكد زيادة نسبة الموافقة على النصاب المدَّعَى بأكثر من نصفه.

 

زيارات انتخابية

* ولكنَّ الأمر وصل إلى توجيه اتهامات من المستشار رفعت السيد رئيس نادي قضاة أسيوط بإدارة النادي من خارج مجلس الإدارة!.

** "تبسَّم ابتسامة خافتة" وقال: لو كان المستشار رفعت السيد يرى أن النادي يتم إدارته من خارج مجلس الإدارة فليرشِّح نفسه في الانتخابات القادمة ليتولَّى هو بنفسه إدارة الأمور، ومن حظنا لو فاز!!، أما عن تلك الاتهامات فلا تحتاج إلى الرد؛ فهي ترد على نفسها.

 

* أشرتم إلى الانتخابات، وهي قضية المرحلة، فكيف إذن تقرءون تحركات المستشار مقبل شاكر أو ممدوح مرعي وزير العدل في الفترة الماضية، خاصةً ما يتردَّد حول أن ترشيح الأول تم بدعم الثاني في الانتخابات؟

** النادي لم ولن يتأثر بأي ضغوط؛ سواءٌ من مجلس القضاء الأعلى أو وزارة العدل، والدليل استمراره في رسالته وخدماته، مثل افتتاح التوسعات الأخيرة في النادي النهري بالعجوزة والنادي البحري بالإسكندرية وتأسيسه على أحدث طراز وافتتاح ملحقات له.

 

أما عن تحركات المستشار شاكر فنحن لن نمنع أحدًا من الزملاء بأن يلتقي بزملائه في أندية الأقاليم، ولكن طبعًا اللقاءات تحمل عدة معانٍ في هذا التوقيت بالذات، خاصة أنه لم يسبق لأحد من المجلس الأعلى زيارة الأندية الفرعية، وبالتالي أثارت الزيارات علامات استفهام كبيرة، وأعطت دلالات واستنتاجات تدور حول أنها زياراتٌ انتخابية لمجرد قرب موعد إجراء الانتخابات، وكان المستشار شاكر موجودًا منذ سنتين بالمجلس الأعلى للقضاة ولم يقُم بمثل هذه الزيارات!.

 

التفاف حول الاستقلال

* في ضوء هذه التحركات المبكرة كيف ترى اختياركم من قِبَل رموز استقلال القضاء للترشح على رئاسة النادي وأن تستعد للمرحلة القادمة؟

** مبدئيًا القضاة متمسكون بالاستقلال الكامل غير المنقوص للقضاء؛ في ظل قوانين تحاول تكبيلهم وسلطة تحاول تهميش دورهم وجعل سلطتهم تابعةً لها، وعندما حصلتُ على ثقة الزملاء لم يكن لارتباط هذه المجموعة باستقلال القضاء، بل جموع القضاة متفقة على الاستقلال الكامل للسلطة القضائية، ومن يشذُّ عن هذا الاتجاه لا يمثل تيارًا على الإطلاق بقدر ما يمثل نشازًا عن هذا الإجماع، فالقضاة ملتفُّون حول ضرورة استقلال القضاة وليس هناك تياران.

 

وما يجده البعض من خروج بعض الأصوات الشاذة هو اختلاف على الوسيلة لتحقيق هذا الاستقلال الكامل، وليس اختلافًا على أهمية استقلال القضاء.

 

خادم للقضاة

* إذا فتحنا ملف تجربتكم داخل أركان النادي وطموحاتكم في الفترة المقبلة.. ماذا نقرأ فيه؟

** لقد شرفتُ طوال سنوات عديدة بأن أكون خادمًا للقضاة، وأصررتُ طوال وجودي في موقعي أن أؤدي واجبي تجاه زملائي على النحو الذي يُرضيهم ويحقِّق لهم الاستقلال الكامل، وبالتالي فالمرحلة القادمة لاستكمال دوري في مجال العمل العام؛ الذي بدأ في 1984م وحتى الآن والذي عايشت فيه رموزًا عدةً للقضاة.

 

أما عن الطموحات فهي تتجه نحو تحقيق آمال القضاة فيما يخص توفير سبل رعاية صحية واجتماعية، وتحقيق استقلال كامل للقضاء غير منقوص، وعدم إقحام القضاء في السياسة.

 

أخطر معركة

 الصورة غير متاحة

* كيف ترى المشهد الانتخابي؟ وهل هي معركة صعبة فعلاً؟

** لا شك أن هذا المعركة هي من أخطر المعارك التي يمر به القضاة؛ نتيجة استشعارهم أن للدولة موقفًا مسبقًا نحو ناديهم، تمثَّل في قطع الدعم عنه وعن كافة أنشطته، وهو توقف غير مسبوق في تاريخ القضاة وغير مبرَّر في آن واحد، خاصة أن نادي القضاة ليس له مورد مالي، وأنه منذ نشأته في 1939م وكان هناك التزام قانوني وأدبي بدعمه ماليًّا حتى في أيام الملكية ووقت المذبحة الشهيرة للقضاء لم يقدِم أي نظام على هذه الخطوة غير المسبوقة التي تدل على مؤشر في منتهى الخطورة لدور نادي القضاة.

 

* الكل يرتقب إذن ويتساءل عن موعد الانتخابات.

** الانتخابات سيتم تحديد موعد إجرائها في الاجتماع المقبل للنادي، وتصوري أنها ستنعقد في غضون نهاية ديسمبر أو أول يناير من العام الجديد.

 

* هناك سؤال يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالعملية الانتخابية، وهو: كيف يتم الحفاظ على هيبة وكرامة القضاء في مصر بعد الاعتداء على القضاة كما حدث في الأقصر وسوء معاملة القضاة أمام لجان التفتيش؟

** المحافظة تأتي عندما تحترم الدولة رسالة القضاء ورجاله، والاحترام له صور عديدة تؤدي إلى زيادة الثقة والاحترام لرجال القضاء، من بينها: ألا يحاكَم أحد إلا أمام قاضيه الطبيعي، وأن تنفذ الأحكام في مصر، خاصةً تلك التي تصدر على غير هوى السلطة، وأن تهتم الدولة بمؤسسات العدالة، وبإيجاد مكان ومناخ لائقين بالقاضي حتى تصبَّ المحصلة في بعث الثقة والإجلال والإكبار للقضاء، لكننا نبحث عن هذا الدور ولا نجده.

 

* لكن فريق الحكومة في الساحة القضائية يقول إن نزولكم الشارع كان السبب في سقوط الهيبة!.

** هذا قول غير صحيح.. نزول القضاء كان تعبيرًا عن رفضهم لتغوُّل السلطة التنفيذية على القضائية ورفضٌ للاعتداء على القضاة أثناء الانتخابات، وإهمال الدولة مطالب تعديل قانون السلطة القضائية، وليعلم الجميع أن وقوفنا هذا جاء بعد رفض المستشار أحمد خليفة وقوفنا داخل دار القضاء العالي كنوعٍ من الاحتجاج، وأنا اتصلت به شخصيًّا، لكنه رفض أن تكون أسوار الدار مكانًا لنا. 

 

مفتاح الحل

* لك كلمة أخيرة.. لمن؟

** كلمتي ستكون للدولة.. أنا أتمنى أن تكون علاقة الدولة ومؤسساتها بالسلطة القضائية علاقةً قائمةً على الاحترام والتقدير الكامل لهذه السلطة قولاً وعملاً؛ بكل ما تحمله العبارة من معانٍ، والاحترام له مقتضيات، ونظرة تقدير وإكبار تعمل على زيادة الثقة، وغير متصور أن تصرَّ الدولة على جعل السلطة القضائية سلطةً تابعةً غير مستقلة استقلالاً كاملاً؛ كي لا يستمر الصدام الذي يرجع إلى تغوُّل السلطة التنفيذية على القضائية.

 

* لماذا الدولة؟!

** الدولة مفتاح الحل؛ لأن من بيده القرار في يده الحل، ولكن لا بد من استخدام هذا المفتاح.