- د. عمرو الشوبكي: الأزمة ستخلق عالمًا متعددًا وإيران على قائمة المستفيدين

- د. حسن عمر: ما يحدث فرصة العمر للعرب لإثبات وجودهم والتحكم في مواردهم

- د. إدريس: الوضع القادم يعتمد على القوة الناعمة بدلاً من العسكرية الخشنة

- د. محمد عبد السلام: احتمالات سقوط أمريكا جائزة ولكنها في النهاية قطب كبير

 

تحقيق- خالد جمال:

أمريكا.. الدولة الأولى.. قاد ثورتها حتى التحرير "جورج واشنطن"، وألَّف وحدتها "إبراهام لنكولن"، وأعلن هيمنتها "ريجان وروزفيلت" فيما سيذكر التاريخ يومًا أن "جورج بوش" وفريقه المحافظ هم أصحاب الضربة الأقوى لوحدة الولايات الأمريكية بسياسة حمقاء ضربت الجناح الاقتصادي للنسر الأمريكي بعدما قضت قبلها بشهور على هيبة الجناح العسكري في جبال تورا بورا وأودية العراق.

 

منذ أسس "أدم سميث" نظرية الاقتصاد العالمي والبحث عن الثروة والذاكرة يبرهن بالتواريخ أن الإمبراطوريات الكبرى وإن أثبت العسكر هيمنتها فالاقتصاد هو سبيل سيطرتها وفرض وصايتها على العالم كله؛ لذا لم يكن غريبًا أن تخرج التحليلات تناقش آثار السقوط الكبير الذي يننتظر الولايات المتحدة بعد الأزمة المالية التي سبَّبتها للعالم كله وحملت هي أشدَّ تداعياتها وأسوأ ما فيها.

 

التحليلات خرجت مدعومةً بتأثير الأزمة على الاقتصاد الأمريكي ومدى ارتباك "العم سام" في مواجهتها، والسؤال الذي طرحته في كل مرة: ماذا بعد سقوط الهيمنة الأمريكية؟ وهل توجد قوة قادرة على ملء الفراغ الذى ستتركه أمريكا؟ أم أن واشنطن قد تتعافى من كبوتها وتخرج أقوى من سابقتها؟ فيما سألنا نحن في تحقيقنا على استحياء: أين سيكون العالم العربي والإسلامي ودوره إذا تم السقوط الكبير؟!

 

متعدد الأقطاب

 الصورة غير متاحة

 د. عمرو الشوبكي

الدكتور عمرو الشوبكي الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية يرى أن الأحداث الجارية تُنذر بميلاد عالم متعدد الأقطاب تكون فيه أمريكا واحدًا منها، وليست القطب الأوحد، كما أنه لا توجد قوة على الأرض قادرة أن تحلَّ محلَّ أمريكا في السيطرة على العالم، وذلك تحت ضغط أحداث العراق ووضع حلف الناتو في أفغانستان، بالإضافة إلى الأزمة المالية التي عصفت بها.

 

وأضاف أن الدور الروسي والصيني ودور الاتحاد الأوروبي سوف يبرز في الفترة القادمة؛ لأنهم يحملون رسالةً مختلفةً عن الرسالة الأمريكية، فيما استبعد أن يكون للعالم العربي دورٌ في المعادلة الدولية في الفترة القادمة، مطالبًا بالاستفادة من التناقضات الموجودة حاليًّا؛ بشرط أن يكون لديها قوةٌ داخليةٌ مثل إيران التي حققت إنجازات أجبرت العالم على احترامها.

 

وأشار د. الشوبكي إلى أن العرب يمتلكون قدراتٍ أكبر من إيران، ولكنهم يفتقدون للإرادة السياسية التي تمكِّنهم من الحضور بقوة على الساحة العالمية، ومن مصلحتهم أن يكون العالم متعددَ الأقطاب بما يمنع سيطرة قطب أوحد على مقاليد العالم.

 

انحسار أمريكي

 الصورة غير متاحة

المستشار حسن أحمد عمر

ومن جانبه قارن المستشار حسن أحمد عمر الخبير في القانون الدولي بين أمريكا قبل غزو العراق وأمريكا بعده، وقال: أمريكا اليوم لا زالت مهيمنةً ولكنها ليست القطب الأوحد فهي تدفع ثمن أخطائها في العراق وأفغانستان.

 

وأكد أن ما يحدث الآن يذكِّرنا بما حدث لإنجلترا وفرنسا بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م؛ حيث انحسر وتوارى الدوران البريطاني والفرنسي لصالح المارد السوفييتي وقتها؛ فنحن حالة مشابهة متمثلة في انحسار الدور الأمريكي ومشاركة قوى أخرى لها؛ مثل روسيا والصين وفرنسا.

 

ويشخِّص عمر وضع العالم العربي، مؤكدًا أنه ما زال مغيبًا وليست لديه إستراتيجية موحَّدة ودور فعال، وإلا اختلف الوضع؛ فالدور الذي يمكن أن يلعبه العالم العربي هو السيطرة على موارده ومقدراته، وأن يكون بحق سيد موقفه.

 

وأشار إلى أن العالم يعيش الآن زمن العودة، عودة طالبان إلى أفغانستان بمساندة سعودية، والبعث إلى العراق، ومصر تعيش حالةً من التغييب وافتقاد الريادة؛ بسبب النظام الحاكم، مؤكدًا أن الإشكالية الكبرى في العالم العربي الآن متمثلةٌ في عدم وجود القائد أو الزعيم الذي يقوده لأخذ مكانه الطبيعي بين الأمم والشعوب، والمكان الطبيعي لهذا القائد هو مصر، وإلا فسيندم العرب ندمًا شديدًا على ما فرطوا فيه.

 

أين العرب؟

 

د. محمد السعيد إدريس

وأوضح د. محمد السعيد إدريس الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية أن العالم يشهد الآن اهتزازًا وانحسارًا للنفوذ الأمريكي في العالم؛ ساهمت فيه الأزمة المالية العالمية التي أكدت تهاوي النظام الرأسمالي.

 

وأشار إلى أن معالم العصر الجديد سيشهد وجود قوى كثيرة؛ تشارك في تأسيسه وتعتمد على القوة المعنوية "الناعمة" بدلاً من القوة العسكرية "الخشنة" التي لم تعد مجالاً للتفوق، ولكن من المرجح أن يكون هذا العصر هو الامتداد الطبيعي للثورة المعلوماتية.

 

وعن ملامح "العالم الجديد" يقول د. إدريس إنه سيكون عالمًا تظهر فيه التكتلات الإقليمية القادرة على إحداث توازن في ميزان القوى العالمي، كما تعمل على فرض نظام أكثر ديمقراطيةً وإحداث تغييرات في النظام العالمي الحالي؛ مثل ما حدث بعد الحرب العالمية الثانية من ظهور تغييرات مؤسسية دولية جديدة كالأمم المتحدة ومجلس الأمن وغيرهما؛ يتزامن ذلك مع تراجع النظام الرأسمالي وظهور نظام آخر يمزج بين الرأسمالية والاشتراكية.

 

ويحلل د. إدريس الوضع الاقتصادي الحالي، مؤكدًا أن العالم الآن أمام مراجعات جوهرية في النظام الاقتصادي العالمي الذي خضع للرأسمالية المتوحشة التي قضت على القيم والأخلاق، كما أنه لا يوجد بديل مطروح بقوة في ظل تعثر النظام الاشتراكي وعدم قدرته على تجديد نفسه.

 

كما طالب د. إدريس الدول العربية والإسلامية أن يكون لديها دور في طرح بدائل اقتصادية، وأن تعمل على خلق الكتلة الموحدة القادرة على المشاركة في ظل تفكيك الدولة القطرية إلى قوى حزبية وعرقية ومذهبية، محذِّرًا من أن العرب إذا لم يكونوا كتلة واحدة سياسية واقتصادية وأمنية فلن يستطيعوا العيش وسيكون مصيرهم إلى "مزبلة التاريخ"!!.

 

كما نبَّه إلى خطورة مؤامرات التفكيك التي تحاك للأمة والتي تتم بصورة مدروسة ومسلسلة بعناية؛ فالوطن العربي والإسلامي الكبير تم تقسيمه إلى دول صغيرة، والدول قُسِّمت إلى محور تعاون ومحور شر، ثم التقسيم العرقي والمذهبي والطائفي لكل دولة والعراق أكبر دليل على تحقق تلك المؤامرات.

 

وحدَّد د. إدريس أربعة مشروعات قوى في العالم: المشروعين الأمريكي والصهيوني في انحسار، والمشروعين التركي والإيراني في ازدهار.

 

وتساءل د. إدريس: أين المشروع العربي الذي يستند إلى أرضية صلبة ويمكن العرب من الوجود على الخريطة الدولية من جديد؟!

 

غير منطقي

فيما يرى الدكتور محمد عبد السلام خبير التسليح الدولي أن الطرح الخاص بسقوط الهيمنة الأمريكية طرحٌ أيديولوجيٌّ غير منطقي؛ فالعالم الآن لا يوجد به حديث عن النصر المظفر أو الهزيمة الكاسحة، ولا توجد نتائج نهائية حاسمة في التدخلات والصراعات العالمية والإقليمية.

 

ويشبه د. عبد السلام نتائج الصراعات والتدخلات والمعارك العسكرية بنتائج مباريات كرة القدم التي تكون نتائجها متقاربة مثل: 2- 1 ولا يوجد نتائج مثل: 5- صفر، وأضاف أن أمريكا ووفقًا للنظرية السابقة سينتهي تدخلها في العراق باتفاقية أمنية، وستترك أمريكا قواعد عسكرية وأسلحة ومستشارين يقومون بخدمتها، بالرغم من وجود معادين لها داخل العراق.

 

وأوضح عبد السلام أن الإدارة الأمريكية بها الآن تياران متناحران؛ الأول يرى استخدام القوة العسكرية إلى النهاية في حسم حرب افغانستان والعراق، وذلك سيؤثر على قدراتهم العسكرية ويجعلهم راغبين في التفاوض، فيما يتحدث التيار الآخر عن ضرورة الحوار والجلوس إلى مائدة المفاوضات مع الأطراف الأخرى، وهذا التيار هو الأعلى صوتًا في الوقت الحالي.

 

ويؤكد أن التصورات الخاصة بوجود قطب أمريكي واحد مهيمن على العالم قديمة، وظهرت بعد الحرب الباردة، وتحدث الأمريكان وقتها عن نظام هيمنة أمريكية لمدة قرن على العالم، ولكن الواقع الحالي يقول إن هذا الكلام لم يتحقق، وقال: لدينا أمثلة تاريخية على الإمبراطوريات السابقة والتي كانت ملء السمع والبصر ولا وجود لها الآن؛ مثل الإمبراطورية الرومانية وإنجلترا وفرنسا وتركيا التي كانت مسيطرةً على نصف منطقة الشرق الأوسط.

 

ويرى د. عبد السلام أن الوضع الحالي سياسيًّا هو عصر الرجوع إلى التعددية، مقسمًا الدول أو القوى الدولية إلى 3 أقسام: القسم الأول هو القوة الكبرى وتمثله أمريكا بمفردها، أما القسم الثاني فيحتوي على الدول الكبرى التي تمتد خارج حدودها؛ مثل روسيا والصين وفرنسا ومجموعة دول الـ8 والاتحاد الأوروبي وألمانيا واليابان، أما القسم الثالث فيمثل أطرافًا إقليميةً تمارس سلطاتها في مناطق نفوذها لملء الفراغ؛ مثل تركيا التي تدخل وسيطًا بين الكيان الصهيوني وسوريا، ومصر بين الكيان الصهيوني وفلسطين، والتدخل الإثيوبي في الصومال.

 

ومن الناحية العسكرية يؤكد د. عبد السلام أن أمريكا تغرِّد بمفردها كأقوى من يمتلك قدراتٍ عسكريةً فائقةً، ولا ينافسها أحد في هذا المجال، إلا أن المشكلة القائمة الآن هي الناحية الاقتصادية بعد انهيار النظام الرأسمالي العالمي ووجود تصورات عديدة لحلِّها؛ مثل تدخل الدول أو العودة إلى الاشتراكية، مما سيؤثر بشدة على التوازن في المجالين السياسي والعسكري.

 

وحذَّر د. عبد السلام من قيام حرب باردة جديدة على العراق بين العرب من ناحية وإيران من ناحية أخرى، وذلك في حالة حدوث انكماش وليس انسحابًا أمريكيًّا عسكريًّا من العراق، كما دعا الدول العربية إلى تعزيز علاقاتها المشتركة وتجاوز المشكلات الإقليمية الكبيرة التي تقيدها.