- محمد العزباوي: كلاب المعتقلات خيرٌ من جلاَّديها

- د. رشاد البيومي: النظام يتلذَّذ بتعذيب الشعب كله!

- سيد نزيلي: إخواننا يلاقون حرب إبادة في المعتقلات

- فريد عبد الخالق: متى حضر الاستبداد تفشَّى التعذيب

- جورج إسحاق: مؤشر نمو التعذيب هو الأسرع في مصر

- حمدي حسن: تاريخ النظام الراهن هو الأسود والأبشع

 

تحقيق- هند محسن:

التعذيب في مصر صناعة قديمة وأصيلة؛ دائمًا ما تحمل منتجاتها ذلك الختم الجمهوري، صناعة لم يَطُلْها الهجر ولم تَحْتَج إلى الاستيراد؛ فهي الوسيلة الأثيرة للسلطة في مواجهة خصومها منذ عهد الاحتلال الإنجليزي وجهاز البوليس السياسي، إلا إن الإبداع والتميز لحق بمفرداتها مع هلال ثورة يوليو الذي أطاح بالعهد الملكي القديم وأسَّس لملكية جديدة قوامها العمالة للقوى الخارجية وذراعها البطش الأمني والتنكيل بالمعارضين.

 

ولعل الكتابات المتعددة عن تلك الحقبة تؤكد مدى قسوتها، وعندما قامت ثورة يوليو استبشر الشعب خيرًا بانتهاء زمن البوليس السياسي، وهو ما تم بالفعل، ولكنه كان في الشكل فقط، بينما بقي المضمون وتحوَّلت سلخانات التعذيب من البوليس السياسي إلى البوليس الحربي.

 

وإذا تبدلت الشخصيات فإن أماكن ممارسة التعذيب لم تتغير، ربما لحق بقائمتها أماكن جديدة وصور متغيرة وضمَّت قطاعات جديدة من أبناء الشعب، إلا أن كوادر وأعضاء جماعة الإخوان المسلمين كانوا دائمًا العامل المشترك الأكبر في ملاقاة التعذيب في مختلف العهود.

 

وفي التحقيق التالي نعرض بعضًا من صفحات تاريخ التعذيب في مصر ولكن على يد من اكتووا بنيرانه.

 

فن التعذيب!!

 

 محمد العزباوي

يؤكد النائب محمد العزباوي عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين السابق أن التعذيب صناعة مصرية قديمة، وقال إن المسجون السياسي رغم اعتقال حريته إلا أن له حقًّا بألا تُمس آدميته، ولكن الواقع يفرض شكلاً مختلفًا؛ فصورة ما يحدث من التعذيب بشعة، حتى إن الوضع في سجن أبو غريب لا يُقاس بسجون مصر.

 

ويوضح أن وسائل التعذيب متنوعة، والقائمين عليها في مصر يتعاملون مع كل فرد حسب إمكاناته وقدرته على الاحتمال؛ فإذا صادف كونه رجلاً كبيرًا في السن لا يحتمل الجلد بالسياط فيقوم السجان بملء زنزانته كلها بالماء حتى يصل إلى بطنه فلا يستطيع النوم أو الجلوس، ثم لا يستطيع الحركة بعدها.

 

وللتعذيب صور أخرى؛ يذكر منها النائب أن يجمع السجان حوالي 7 من كلاب الحراسة المتوحشة ثم يضعها مع المعتقلين داخل زنازينهم لتنهش أجسادهم، فضلاً عن أشكال التعذيب المعنوي الرهيب ومنع الزيارات عن المعتقلين لمدد تصل إلى 26 شهرًا.

 

ويضيف أنه رأى يومًا كلب الحراسة يرحِّب بأحد المعتقلين من المنوفية ولم يكن من الإخوان المسلمين، وكان شكل الترحيب غريبًا، فسأله العزباوي في خلسة عن سبب ذلك الترحيب فرد أنه أحد الكلاب الذي عاشرهم داخل زنزانته وقد وجد منه الوفاء الذي لم يجده في البشر!.

 

ويشير إلى أن هناك من وسائل التعذيب ما يُطلق عليها "العروسة"؛ حيث يُصلب عليها المعتقلون ليُجلدوا بالكرابيج حتى يُغشى عليهم، مضيفًا "أنهم كانوا يتفننون في تعذيبنا بإطعامنا نوع من البلح صغير جدًّا يُسمى "بلح عيشة"؛ عندما يأكله الإنسان يصاب بعطش شديد، ثم يمنعون عنا الماء فترةً طويلةً، وعندما لاحظنا ذلك امتنعنا عن أكله بتاتًا، كما كانوا يعلِّقوننا في أسقف الزنازين لمدد طويلة".

 

كما أن هناك نوعًا آخر من التعذيب، وهو طوابير الجري من الساعة 6 صباحًا وحتى غروب الشمس، ويكون عن يمينهم ويسارهم العساكر المأمورة بجلدهم من وقت لآخر، "حتى إنه كانت تأتي أوقات الصلاة ونحن في هذه الطوابير فنتيمَّم بالتراب ونصليها ونحن نجري، ثم يأتي وقت محاضرات وعظ شيوخ الأزهر لنا وبثّهم فكرة أن الحكومة صالحة وأن الحاكم هو زعيم الأمة، وكانت هذه تعد عمليات غسيل لعقولنا كما أوضحها أحد القائمين والمشرفين على تعذيبنا في كتابه؛ فكل ما جاء فيه طبَّقه علينا".

 

وهناك وقعة يتذكرها العزباوي جيدًا ويرويها قائلاً: "بعد محاضرة شيوخ الأزهر جاءنا مدير المعتقل ليُجريَ لنا اختبارًا، فنادى أحد إخواننا واسمه عبد الفتاح الجندي وسأله: "إيه رأيك في الحكومة؟" فرد الجندي أنه لا يدري لماذا جاء هنا دون ذنب اقترفه، فما كان من مدير السجن إلا أن أمر العساكر بأخذه وضربه ومنعه من رؤية الشمس مرة أخرى".

 

ويضيف العزباوي أن القائمين على التعذيب وصل بهم الفجور إلى درجة أنهم نصَّبوا أنفسهم آلهة فوق البشر؛ تملك الجنة والنار؛ فمن اتبعهم أدخلوه الجنة، ومن خالفهم أدخلوه النار!!، مؤكدًا أن هذا ما ورد فعلاً على لسان مدير السجن، "وقرر أن يكون هناك امتحان ملحق لنا، وحدد يومًا بعينه الذي كان يوم نكسة 67".

 

ويؤكد العزباوي أن النظام في مصر هو مَن اخترع التعذيب، بل وعلَّمه الآخرين، مضيفًا أن التعذيب ما زال قائمًا في أمن الدولة؛ لأن المعتقل هناك يكون معصوبَ العينين ومقيَّد اليدين خلف ظهره، وهذا تعذيب في حد ذاته نراه اليوم يتكرر بصورة بشعة، ناهيك عن الضرب والسحل".

 

وحشية رهيبة

 الصورة غير متاحة

د. رشاد البيومي

ويقول الدكتور رشاد البيومي عضو مكتب الإرشاد في جماعة الإخوان المسلمين أنه لا يكفي بضع كلمات تعبِّر عن الأهوال التي شاهدوها في المعتقلات؛ فما حدث معهم داخلها كان يتنوع بين القتل والحرق والنفخ وتخليع للأظافر والشعر، بالإضافة إلى طوابير الجري الطويلة التي تنهك الجسد، كما لا يوجد علاج أو زيارات، وكنا نُمنع من الخروج في الشمس، وكان ييُعتدى على أسرنا وتحطَّم منازلنا.

 

ويتذكَّر البيومي أنه عندما وصل المعتقل قام وزير الداخلية الأسبق ونائب مدير جهاز أمن الدولة الأسبق بتخليع أظافره العشرين بمنتهى الوحشية.

 

ويوضح أن ما يقوم به النظام المصري غير الاعتداءات المستمرة تعذيب من نوع آخر؛ فالشعب كله تحت وطأة هذا التعذيب؛ فأمن الدولة يتحكم في كل شيء؛ "في سفرنا وفي انتخاباتنا، إضافةً إلى البؤس والشقاء والحرائق التي تقع على رأس الشعب المصري؛ حيث إنهم سرقوا لبنات المجتمع المصري ودمَّروا معنوياته وأخلاقياته وقيمه؛ فنحن في بلاء كبير".

 

إبادة وعنف!

 الصورة غير متاحة

سيد نزيلي

ويشير سيد نزيلي مسئول المكتب الإداري للإخوان المسلمين بالجيزة إلى أنهم تعرَّضوا؛ أي الشعب المصري عامةً والإخوان المسلمين خاصةً، لمحن رهيبة؛ فكان هناك آلاف من الإخوان داخل المعتقلات العديدة في مصر، وجميعهم كان يقع تحت طائلة التعذيب غير العادي الذي يؤدي إلى الموت، مشيرًا إلى أن التعذيب لم يكن لاستجداء المعلومات ولكن التعذيب من أجل التعذيب فقط، ولتحطيم النفس البشرية، وهذا ما شاهده بذاته طوال فترة اعتقاله.

 

ويوضح نزيلي أن للتعذيب في مصر أشكالاً عديدةً؛ إما الضرب بالسياط، أو الإغراق بالماء حتى يصل إلى قرابة الحتف أو بالسحب والجري عرايا، أو بالصَّلب على العروسة والجلد؛ "فكانت جروحنا لا تندمل لاحتوائها على الصديد، بالإضافة إلى طوابير الجري التي تُنهك الجسد؛ حيث كنا نجري مدة 14 ساعة؛ من 6 صباحًا وحتى الغروب، وفي أيام الصيف الحارة، كما كانت الزنازين مكدَّسة بأفراد أكثر مما تحتمل؛ فالزنزانة التي تحتمل 3 أفراد كان بها 7 أفراد، بالإضافة إلى إغلاق باب الزنزانة 23 ساعة ونصف الساعة، كما أن هناك تعذيبًا معنويًّا؛ فلا زيارات لنا ولا ملابس ولا طعام.. كانت كالتصفية البشرية".

 

ويضيف أنها كانت عملية إبادة للإخوان المسلمين في المعتقلات؛ تبدأ بحرب تجويع، وتنتهي بصنوف التعذيب المستمرة، مشيرًا أنه لم يكن هناك تعامل آدمي معهم، رغم أن المسجون الجنائي يحظى بمزايا كبيرة؛ لكونه ليس مسجونًا سياسيًّا، "ورغم أننا كنا ذا مكانة علمية ومادية واجتماعية عالية".

 

وعن التعذيب في مصر يقول: "إنه يتسم بالوحشية والسادية؛ حيث إن له وضعًا سياسيًّا في الأساس؛ إذ يقوم النظام بالانتقام من الإخوان لشخصه، ومن خلال زعامته الكاذبة دمَّر الروح والنفس وأشاع الانحلال، كما أنه لم يحقق أيًّا من المبادئ التي يتشدَّق بها كل مرة؛ فلم يحقق حياةً ديمقراطيةً أو دستوريةً، إلا أنه كرَّس كل شيء للديكتاتورية"، وأفاد أن أيًّا من الإدارات السياسية تلتف دائمًا حول شخصنة الحاكم ومَن حوله.

 

وعما يقوم به النظام المصري يشير نزيلي إلى أن السجن في حدِّ ذاته تعذيب، كما أن سلب الحريات أيضًا تعذيب، وأن التعذيب دائمًا مقرون بالتحقيقات، وفيه يتم استخدام وسائل شتى؛ كالصعق بالكهرباء والضرب والقتل، وقد كَثُر ذلك هذه الأيام؛ ففي أقسام الشرطة ومكاتب أمن الدولة على مستوى الجمهورية مصرَّحٌ لهم باستخدام ما يشاءون من وسائل لينالوا ما يريدون.

 

تعدَّدت الأسباب

 الصورة غير متاحة

محمد فريد عبد الخالق

ويؤكد الداعية الكبير محمد فريد عبد الخالق عضو الهيئة التأسيسية لجماعة الإخوان المسلمين وعضو مكتب الإرشاد الأسبق أن التعذيب واحدٌ في ظل النظام المصري، لكن يختلف كل مرة ويتطوَّر في الأسلوب وفي الدرجة وفي الطريقة، كما أنه يختلف في الأدوات المستخدمة فيه.

 

ويبيِّن عبد الخالق أن التعذيب محرَّم في الشريعة والأنظمة الدولية، كما أن البشرية كلها قد حرَّمته، وهناك ميثاق الأمم المتحدة أيضًا حرَّمه؛ فهو جريمة ضد الإنسانية والبشرية يجب عليها محاربته والعمل على إزالته.

 

ويقول إن هناك قاعدةً عامةً تشير إلى أنه أينما وُجد الاستبداد وُجد التعذيب كأداةٍ يُستعان بها على قهر المعارضة وحمقى مَن يظنون أنهم إذا طالبوا الحاكم المستبد بالاعتراف بوجود التعذيب فإنه سيعترف.

 

ويوضح أن "ما شهدناه ونشهده اليوم في فنون التعذيب المختلفة ما هي إلا وحشية متزايدة؛ يتسم بها النظام المصري؛ حيث إنه يصل إلى حدِّ إزهاق الأرواح، في المقابل نشهد كل منظمات المجتمع المدني تُطالب النظام بممارسة حرية التعبير عن الرأي بدون إرهاب وبدون تعذيب".

 

قسوة نظام

 الصورة غير متاحة

جورج إسحاق

وللسياسيين رأي في القضية؛ حيث يقول جورج إسحاق المنسق العام للحركة المصرية من أجل التغيير (كفاية): "لم نَرَ تطورًا سريعًا في التعذيب كما يحدث في مصر".

 

مؤكدًا أن هذه الوحشية لم ولن ينساها الشعب المصري أبدًا، مستنكرًا وجود الأفراد يقضون نحبهم داخل أقسام الشرطة تحت قسوة التعذيب الوحشي، هذا وإن دل فإنما يدل على أنه تحوُّل خطير في تاريخ التعذيب في مصر، موضحًا: "إننا كنا نجد التعذيب في السجون والمعتقلات، واليوم في أقسام الشرطة"!!.

 

ويشير إلى أن المعتقلين السياسيين منذ القدم كانوا يُعاملون معاملةً تحترم آدميتهم، مشيرًا إلى أنه لم تكن هناك حالات تعذيب تُودي بحياة الفرد، ولم يكن هناك قانون طوارئ في الأساس.

 الصورة غير متاحة

د. حمدي حسن

 

ويرى الدكتور حمدي حسن عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب أن النظام المصري له تاريخٌ أسود في التعذيب والتنكيل بالمواطنين.

 

ويؤكد أن وضع التعذيب في مصر يشتدُّ قسوةً مرةً بعد مرة ويومًا بعد يوم من عهد عبد الناصر؛ لأنه لم يطلْ السياسي فقط، بل طالت يده المواطن البسيط، وأهدرت آدميته وإنسانيته.

 

وعرض للحالات التي لقيت من التعذيب والموت على أيدي رجال الشرطة ما لقيت، مثل ميرفت امرأة الصعيد التي قتلت على يد ضابط شرطة، وعم خليل (المسن) الذي تم حرقه بشكل وحشي، وحمادة عبد اللطيف الذي أُصيب بالشلل الكامل من جرَّاء ضربه على عموده الفقري، وطفل السلوم الذي أشعل ضابط شرطة فيه النار، وناصر جرجس الذي تم إلقاؤه من الدور الرابع، وناصر أحمد الذي سحلته الشرطة حتى مقر القسم، مشيرًا إلى أن كل ألوان التعذيب السابق ذكرها هي الأشد قسوةً وامتهانًا على الإطلاق.