- عبد الحافظ الصاوي: التعذيب يُهدد الموازنة ويقضي على الإبداع

- تيمور عبد الغني: حتى البرلمان لا يعرف كيف تُنفق الداخلية

- ممدوح الولي: أزمة الثقة أخطر آثار التعذيب على اقتصادنا

 

تحقيق- خديجة يوسف:

- هذه بلاد لم تعد كبلادي

- كم عشت أسأل‏:‏ أين وجه بلادي؟!

- أين النخيل وأين دفء الوادي؟!

- لا شيء يبدو في السماء أمامنا..

- غير الظلام وصورة الجلاد

كلمات شاعرنا فاروق جويدة كانت الأقرب والأصدق في التعبير عمَّا حملته من مشاعر الأسى والغضب وأنا أطرق بابًا جديدًا يصف مدى خسائرنا الاقتصادية والمالية من جرَّاء انتهاج الداخلية سياسة التعذيب في مصر؛ علَّ صداها يصل آذانًا وقلوبًا لم يحرِّكها دموع وأنَّات الضحايا، ولا تستجيب سوى لرنين العملات ولغة الأرقام.

 

خبراء الاقتصاد يؤكدون أن الخسارة التي تجنيها مصر من جرَّاء التعذيب فادحةٌ على كافة الجوانب، وأن استمرار هذه السياسة سيضيف مزيدًا من الأزمات إلى اقتصادنا المأزوم أصلاً، بما ترتبه من فزعات في وجه الاستثمار، وتُسهم به في طرد المستثمرين من البلاد.

 

وإن غابت دراسات اقتصادية متخصصة في تناول تأثير التعذيب في الاقتصاد المصري، فإن أرقام ميزانية وزارة الداخلية لم تَغِبْ، والمعلومات المتسرِّبة عن الأرقام المهُولة المُهدَرة في شراء أدوات التعذيب تكاد تكون من المعلوم بالضرورة، هذا فضلاً عن الضرر الأكبر الناجم عن إهدار الطاقة البشرية لضحايا التعذيب.

 

تهديد الموازنة

 الصورة غير متاحة

عبد الحافظ الصاوي

الخبير الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي يؤكد أن البُعد الاقتصادي لقضية التعذيب مهم جدًّا وخطر في نفس الوقت؛ ذلك لأنها تهدد موازنة الدولة العامة بشكلٍ مباشر، وأوضح أن: "80% من الموازنة العامة للدولة يتم جمعُها من دافعي الضرائب، و20% فقط من الإيرادات التي تُجمع بواسطة الموارد الجارية، مثل قناة السويس والبترول وغيرهما"، وأضاف: "ومن ثم تبرز خطورة التعذيب لأثره في الطاقة الإنتاجية للمواطن ومقدرته على دفع الضرائب التي تمثل الغالبية العظمى لميزانية الدولة".

 

ويشير إلى أن البعد الاقتصادي يأتي في مقدمة المكاسب الناشئة عن قيام الدولة بواجبها في توفير الأمان لمواطنيها وسكانها؛ مما يعين العامل والمستثمر على استنفاد قصارى جهدهم في الإنتاج دون خوف من جَوْرٍ على حقوقهم أو الاعتداء عليهم وعلى أموالهم.

 

ويوضح أن من المؤشرات الأساسية التي يضعها المستثمر في حسبانه عند الإقدام على الاستثمار في بلدٍ ما عامل الاستقرار الأمني، ولا يعتمد على الاستقرار السياسي فقط؛ لأن المستثمر يعلم جيدًا أن العمالة الماهرة لا تستطيع الإبداع تحت وطأة الخوف، إضافةً إلى تأثير غياب الاستقرار الأمني على علاقة المستثمر بالعاملين من أبناء الدولة التي يستثمر فيها، فتكون العلاقة بينهما مهزوزة، وقد يتوجه المستثمر إلى انتقاص حقوق المواطن الصحية والاجتماعية والمالية؛ لأنه يعلم جيداً أنه مواطن بلا حماية، وأول مَن يقوم بتعذيبه هي حكومته مع الأسف الشديد".

 

ويصف الصاوي تعذيب أفراد الأمن للمواطن بأنه إهدار سافر للموارد، وقال: "ليس من الحكمة والرشد الاقتصادي أن تنفق الحكومة تلك الأموال الطائلة لشراء أدوات التعذيب، موضحًا أن إهدار الموارد الاقتصادية من سمات الدول المتخلّفة فقط".

 

10 مليارات!!

 الصورة غير متاحة

تيمور عبد الغني

ويتفق النائب تيمور عبد الغني عضو الكتلة البرلمانية لجماعة الإخوان المسلمين بمجلس الشعب على أن غياب الإبداع هو النتيجة الطبيعية لافتقاد المواطن الشعور بالأمان مع تنامي سياسة التعذيب، وقال إن الاعتياد على سياسة الكرباج يُنشئ شعبًا ضعيفًا ومهزوزًا قد تربَّى على سياسة الاستعباد، وهي سياسة مدمِّرة لكيان الإنسان كفردٍ منتج من الناحية الاقتصادية ومبدعٍ من الناحية الإنسانية في هذا المجتمع.

 

وأكد أن أية فكرة مبتكرة عن هذا الجو السائد ستقابل بالسخرية؛ لأن هناك مستفيدين من بقاء وسائل الإنتاج متخلّفةً؛ لتجنيَ ملايين ومليارات من الاستيراد، بل إنها تسعى إلى إضعاف المؤسسات المنتجة حتى يتم التخلص منها وبيعها.

 

ويوضح أن التعذيب استشرى في أقسام الشرطة وأجهزة أمن الدولة، كما أصبح يتم في أماكن مخصصة له؛ حتى لا تتسرَّب أصوات المعذبين إلى المارَّة والجيران؛ فعملية التعذيب تستدعي بناء مقارّ لها مواصفات خاصة بتكلفة باهظة الثمن، فضلاً عن أدوات التعذيب التي يجري استيرادها.

 

وقال عبد الغني: إن ميزانية وزارة الداخلية حوالي 10 مليارات جنيه؛ لا نعرف كيفية إنفاقها، وكأنها أسرار حربية!، وأضاف أن أكبر إهدار للموارد الاقتصادية هو إهدار كرامة الإنسان وسحق معايير الشجاعة والشهامة والرجولة، متسائلاً عن مكاسب الحكومة إذا خلت مصر من الرجال؛ فمن سيتمكن من الدفاع عنها ضد المتربصين من الأعداء؟!

 

ويضيف أن هناك تشوهاتٍ نفسية وجسدية تُصيب مَن يتعرضون للتعذيب، وتبقى الأولى في قلب الإنسان والثانية على جسده، وتقلِّص من شعوره بالانتماء لتراب هذه الوطن، بل قد يكون من جرَّاء التعذيب أن يتوجه بالاستثمار إلى خارج البلاد، ويقوم بوضع نقوده بالبنوك الأجنبية، وبدلاً من المساهمة في انتعاش العملية الاقتصادية لوطنه، يلوذ بالفرار بعيدًا عن التقييد والخوف والتعذيب، ولدينا أمثلة كثيرة من هذا القبيل.

 

ويمتد تأثير التعذيب من قِبل رجال الشرطة إلى بيوت المواطنين، فيصبح بالنسبة لهم منهج حياة يمارسه على زوجته وأبنائه وجيرانه، كما أوضح عبد الغني أن التعذيب يعمل على نشر ثقافة أن مَن له سلطة يستطيع أن يرسل جميع المختلفين معه إلى ما وراء الشمس، وهذا ما نشهده يوميًّا ونقرؤه في مختلف وسائل الإعلام.

 

وأشار إلى أن آثار التعذيب هي المسئولة عن تكميم أفواه الكتاب والمبدعين المصريين، وقال: "جميعنا يلحظ ذلك جيدًا؛ فعندما يسافر المبدع خارج مصر تجده مختلفًا عما كان عليه في بلده، سواء في رقي الإبداع أو في تعدده؛ لأنه في وطنه يخشى الحديث خوفًا من المجهول الذي ينتظره، وهذا أمر يجعل القدرات الابتكارية تتوارى ولا يتقدم للقيادة سوى أصحاب العقول القاصرة".

 

أزمة ثقة

 الصورة غير متاحة

 ممدوح الولي

ويرى الخبير الاقتصادي ممدوح الولي نائب رئيس تحرير (الأهرام) أن التعذيب أنتج أزمة عدم ثقة، وقال: "الثقة كلمة كبيرة تسبَّب غيابها في مرور العالم كله بأزمة اقتصادية عالمية"، موضحًا أن الأزمة العالمية الراهنة هي أزمة ثقة في المقام الأول؛ فنجد البنوك لا يثق بعضها في بعض، والمودعون لا يولون البنوك أية ثقة، والموظف خائف وغير واثق من إمكانية الحصول على حقه؛ فالثقة هي إحدى الأسباب المهمة لاستمرار الأزمة المالية العالمية.

 

وأضاف: "عندما يتم ممارسة التعذيب والقهر تجاه أفراد المجتمع تنشأ أزمة عدم ثقة بين الموظف والمستثمر، وكذلك بين الموظف ووطنه؛ فهو لا يشعر بالأمان، وبالتالي ينشأ إنسان مضطرب؛ لا يهمه أن يعطيَ كل ما عنده من طاقة".

 

وأكد الولي أن الدول المتقدمة تعتمد دائمًا على الابتكار في التسويق لمنتجاتها، وخير مثال لنا في الابتكار مجال صناعة الهاتف المحمول؛ فإذا لم يكن هناك إبداع فسوف يختفي التسويق؛ فالجميع يسمع يوميًّا عن نوعيات جديدة من الهواتف المحمولة، وقد ساهم عامل الأمان في تنمية وتطوير الطاقة الإبداعية لهؤلاء المبتكرين في عالم الاتصالات.

 

ويوضح في ختام حديثه أن الشخصية المعذَّبة المضطهدة تعيش باقيَ عمرها مكسورةً؛ ليس لديها أدنى قدرة على العطاء، سواء في العمل أو مع أسرتها ومجتمعها؛ فهي شخصية مجروحة ومنتهكة الآدمية، فيصبح العطاء لديها محدودًا، وقال: "هذا بالطبع له أثر قوي في التنمية الاقتصادية، ومصر من الدول النامية وفي أمسِّ الحاجة للتنمية والتطوير".