- د. هشام صادق: الدولة تعيش أزمة ولا بد من استقلال القضاء
- صبحي صالح: ما يحدث يفتح الباب للفوضى والثأر والتصعيد
- خلف بيومي: المنظمات الحقوقية تقف كحائط صدٍّ ضد هذه الجرائم
- كمال حبيب: العسكر تحوَّلوا إلى وجوه انتقامية تقوِّض استقرار الوطن
تحقيق- حسن محمود:
تفقدهم مصر يومًا بعد يوم وكأنها تخوض حربًا حقيقيةً، ولكن ما يحدث عكس ذلك؛ حيث يسقط عددٌ من أبناء الشعب بين الحين والآخر شهداء ولكن على يد الشرطة المصرية، وكأن النظام الحاكم في حرب داخلية ضد الشعب؛ يتساقط فيها شهداء يومًا بعد يومًا.
المنظمات الحقوقية على مدار السنوات الماضية بُحَّ صوتها في مطالبة الحكومة بوقف عمليات التعذيب التي تحدث على أيدي رجال الشرطة، وهدَّدت مؤخرًا بالتصعيد ضد الحكومة على المستوى الدولي وأصدرت العديد من البيانات المندِّدة بهذه الجريمة.
وامتدَّ التنديد الحقوقي إلى المستوى شبه الرسمي؛ حيث انتقدت التقارير السنوية للمجلس القومي لحقوق الإنسان استمرار تعذيب مواطنين حتى الموت خلال احتجازهم واستجوابهم في أقسام الشرطة ومقار مباحث أمن الدولة.
وبحسب التقرير السنوي للمنظمة المصرية لحقوق الإنسان؛ فإن أعداد الوفيات من آثار الاعتداءات من جانب الشرطة بلغت 22 حالة في عام 2004م.
وعلى الصعيد البرلماني كشفت مناقشات اللجنة التشريعية بمجلس الشعب مؤخرًا أن الحكومة متمسكة بالصياغة الحالية للمادة 126 من قانون العقوبات التي تعطي شبه حصانة لضباط الشرطة في ممارسة التعذيب داخل السجون والمعتقلات وأقسام البوليس دون عقاب، رغم الانتقادات الشديدة التي توجِّهها المنظمات الدولية إلى مصر في هذا الصدد وإدانتها لانتشار وتفشي التعذيب.
وعلى أرض الواقع لم تفرِّق الحكومة المصرية بين المعارضة والمواطنين العاديين، وقتلت بتوسعٍ الجميع، وتصدرت الأخبارَ هذه الأيام الشهيدةُ ميرفت عبد السلام، والتي تُوفيت هي وجنينها متأثرةً بجراحها بعد التعذيب الذي تعرَّضت له على أيدي رجال شرطة مركز سمالوط بمحافظة المنيا بأمرٍ من الضابط أحمد عبد العزيز الشهير بأحمد عزوز أثناء قيامهم بتفتيش منزلها.
وتوفي مرعي رمضان الصعيدي (21 سنة) في 3 يناير 2008م من عزبة اللحم بمحافظة دمياط؛ نتيجة التعذيب بأحد مراكز الشرطة في دمياط.
كما توفِّي السجين مصطفى محمد حسين (43 عامًا) في 2005م داخل سجن أبو زعبل؛ بحسب جمعية المساعدة القانونية لحقوق الإنسان، واستلام أهالي الضحية الجثة بعد اتصالٍ هاتفي من قسم شرطة الأزبكية.
الطفل محمد ممدوح ضحية تعذيب الشرطة
وشهد الأهالي الجثة وبها كدمات في وجهه وكدمات تحت الإبط الأيمن والأيسر، ووجود نزيف في الأنف، وشاهدت زوجته آثار دماء في مؤخرة الرأس.

وشهدت قضية الطفل محمد ممدوح عبد الرحمن (13 عامًا) المعروف إعلاميًّا بـ"قتيل شها" رواجًا إعلاميًّا كبيرًا عقب وفاته في أغسطس 2007م، بعد أن جرى تعذيبه وحرقه حروقًا واضحةً بمنطقة الصدر وبعض المناطق الحساسة بالجسم وإصابته بقيء دموي.
ولم يتوقف مسلسل القتل؛ حيث شهدت قرية تلبانة التابعة لمركز وبندر المنصورة بمحافظة الدقهلية حادثًا مأساويًّا بعد قيام قوة من الشرطة بالاعتداء على مواطن يُدعى ناصر أحمد عبد الله الصعيدي (يعمل نجَّارًا ويبلغ من العمر 37 سنة) بالضرب والسحل حتى الموت أثناء تدخله لإنقاذ ابنة شقيقه من بين أيدي رجال الشرطة الذين انهالوا عليها.
الشهيد مسعد قطب
ولقي الشهيد مسعد قطب أحد أبناء جماعة الجماعة الإخوان المسلمين حتفه بعد تعذيبٍ في جهاز أمن الدولة في عام 2005م، وقد بدت آثار التعذيب الشديد عليه؛ حيث وجد أهله رأسه مهشَّمًا تمامًا ومُعوجًّا، وعينيه تقريبًا غير موجودتين، وأذنه مقطوعة، ورأسه مفتوحًا من قمته مرورًا بالعنق إلى الصدر.

وفي 13 يناير 2004م لقي مواطنٌ يُدعى محمد السيد نجم (30 عامًا) مصرعه إثر تعذيبه بأحد مقرات مباحث أمن الدولة بمحافظة القليوبية بعد يومٍ واحدٍ من الإفراج عنه، وذلك بعد اعتقاله لمدة 8 أيام؛ قضاها المجني عليه في مقر مباحث أمن الدولة بمدينة بنها محافظة القليوبية.
هذه النماذج مع تصاعد ظاهرة "شهداء التعذيب" في الوقت الراهن طرحت علامات الاستفهام وفتحت ملف التحقيق حول حقوق شهداء التعذيب، ومدى إمكانية حصول أهاليهم على حقوقهم، ومدى نجاح المجتمع المصري في ملاحقة القتلى والمجرمين الذين ارتكبوا هذه الضحايا في ظل كفالة النظام الحاكم لهم.
![]() |
|
صبحي صالح |
في البداية يؤكد صبحي صالح عضو اللجنة التشريعية بمجلس الشعب أن جريمة التعذيب باتت سياسة نظام منهجية معتمدة ومرتبة وليست خطأ أفراد تعكس رؤية النظام وعقيدته في الحكم؛ بدليل استمرار الظاهرة بلا توقف وازدياد معدلاتها وسط حرص النظام على إعلان حمايته وحراسته لمن يقوم بها.
ويوضح أنه وفقًا لأحكام الدستور بأن سيادة القانون أساس الحكم في الدولة وتنفيذًا لذلك؛ كان يتعيَّن على النظام معاقبة الجناة ومحاكمتهم جنائيًّا ومجازاتهم إداريًّا ومقاضاتهم مدنيًّا، مشيرًا إلى أن استمرار تجاهل القانون تنهار معه فكرة الدولة القانونية في نفس المواطن وتسقط فكرة وجود الدولة في الواقع.
ويشير إلى أن هذا المنهج الحكومي يدفع المواطن إلى إحدى سبيلين: إما الفوضى والعودة إلى ساحات شريعة الغاب والثأر والانتقام، وإما فقد انتماء المواطن لبلده ولجوؤه إلى القضاء الدولي؛ على أساس أن ما يحدث يعد جرائم إبادة يعاقب عليها القانون، ويوضح أن الملاحقة السياسية والشعبية باتت لا تجدي نفعًا مع هذا النظام المتبلد وفاقد الإحساس والحياء، وأنه لم يعُد من سبيل حقيقي لاستعادة حقوق المعذَّبين وشهدائهم إلا بالإصرار على استقلال القضاء واحترام أحكامه من قبل الجميع؛ بدءًا من الرئيس إلى آخر مسئول، وإلا فالعواقب وخيمة.
دماء لن تضيع
وتلعب الحركات المدنية دورًا مهمًّا في مكافحة جرائم التعذيب؛ يُبرزه خلف بيومي المحامي والأمين العام لحركة "مصريون ضد التعذيب" قائلاً: "نحن كحركة نشأنا عندما زادت حالات التعذيب في الإسكندرية وشهداؤها، وباتت معاملة المواطن السكندري الذي يعيش في الحضر معاملة الأرياف الذين يعيشون بعيدًا عن الأضواء، ورصدنا الظاهرة وعقدنا جلسات عديدة للاستماع والبحث، وتولَّى محامون من الحركة الدفاع عن الذين تعرضوا للتعذيب أو سقطوا ضحايا له.
ويؤكد أن الحركة رصدت خلال عام سقوط عدد غير قليل من المواطنين تحت وطأة التعذيب تعدَّى العشرة، مشيرًا إلى أنها حصلت في إطار مقاومتها لهذه الجريمة في هذا العام على حكمٍ بالحبس والعزل لأحد ضباط التعذيب بالإسكندرية.
ويدعو بيومي أهالي المتوفَّى عنهم تحت وطأة التعذيب إلى التمسك بمحاسبة الجاني وملاحقته جنائيًّا وعدم الرضوخ لتهديدات وزارة الداخلية في هذه الشأن أو إغراءاتها، مع مدِّ المراكز الحقوقية بالمعلومات لتقود حملة تضامن مع حقوقهم في ظل الثورة المعلوماتية والانتشار الإعلامي الحالي.
ويشدِّد على أن حقوق شهداء التعذيب لن تذهب هباءً ولن يستطيع أحد أن ينساها مهما حاول النظام الحاكم الحالي أن يخفيَها أو أن يقلل منها أو يحميَ من يقف وراءها في حصون أمن الدولة ومقرات الشرطة.
ويشير إلى أهمية الدَّور المدني في مكافحة هذه الجريمة وأبناء الشعب من التطاول الحكومي والشرطي على وجه التحديد ضدهم.
أزمة دولة
وحول مطالبات بعض المنظمات الحقوقية بالتصعيد الدولي في هذه القضية كأحد الحلول لملاحقة الجناة؛ يؤكد د. هشام صادق أستاذ القانون الدولي بجامعة الإسكندرية أن التصعيد يدل على أزمة في الدولة نفسها؛ تفضح انعدام وجود الشفافية أو محاولة الإصرار على تغطية هذه الجرائم.
ويشدِّد على أن الحل الأمثل يكون في التمسك بالقضاء المستقل، وتقديم مزيد من الدعم لاستقلال القضاء والنظر الجيد في كيفية تنفيذ الأحكام وكفالتها.
ويدعو صادق النظام الحاكم إلى دراسة موقفه من جديد، وإعادة النظر فيما يُتداول حول هذه القضايا من أجل حماية استقرار العدل في الدولة ومنع انحراف السلطة عن دورها المنوط بها.
كارثة خطيرة
كمال حبيب

ويرى كمال حبيب السياسي أن الدولة عمَّقت ورسخَّت تقاليد التعذيب وقزَّمت كرامة الإنسان المصري، وضخَّمت فكرة السلطة التنفيذية والحاكم الإله؛ الذي "لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون"!!.
ويشير إلى أن مصر الحديثة عرفت التعذيب على استحياء بعد فترة الملك فاروق وبدء الدولة الناصرية في الصدام المروِّع مع الإخوان المسلمين؛ لتحدث مجازر ضخمة تحدَّثت عنها أدبيات مختلفة، وتبدأ مرحلة الدولة التي تمسك بحكمٍ بلا قانون إلا قانون الضرورة، وتوجَّه الحاكم إلى السلطة التنفيذية التي باتت الجلاد والكرباج في يده.
ويضيف حبيب أنه بعد خفوت هذه الممارسات في عهد السادات عادت بعنف في عهد الرئيس مبارك؛ بغرض الحصول على اعترافات من المعتقلين ووفقًا لعلاقة الدولة بالجماعات الإسلامية؛ حتى صار الأمر ممنهجًا بصورة مخيفة.
ويؤكد أن عدم قدرة المواطن على محاسبة الدولة وملاحقة القتلة أمر خطير جدًّا وكارثة تقتل فكرة القانون وتُشيع أجواء الرعب والخوف في أركان الدولة، وتحوِّل العسكر إلى وجوه انتقامية تخصم من شرعية النظام المتآكلة وتقوِّض استقرار الوطن.
ويشدِّد على أن دماء شهداء التعذيب لن تضيع ولن تموت، ولا بد من محاسبة وعقاب من ارتكب هذه الجريمة وخضوعه للحساب.
