- محمود قنديل: نكرِّس جهودنا لكشف مخطط هذه الجريمة
- طارق خاطر: مطلوب مئات من النشطاء لمواجهة الظاهرة
- نهى عاطف: قضية عماد الكبير انتصار على مجرمي التعذيب
تحقيق- أحمد عبد الفتاح:
لا يختلف اثنان على أن جريمة التعذيب هي من أخطر الجرائم في حق الإنسانية؛ ولذلك اتفقت كل المواثيق والشرائع والقوانين على أن جريمة التعذيب ليست من الجرائم التي تسقط بالتقادم.
ومع تفاقم ما يمكن تسميته "ظاهرةَ التعذيب في مصر"، وخاصةً في السنوات الأخيرة، كان لا بد أن يظهر على الجانب الآخر في مواجهة جهاز شرطي احترف التعذيب وجعل منه أهم سُنَنِه في التعامل مع المواطنين، مجموعةٌ من النشطاء والحقوقيين؛ جعلوا من أنفسهم عيونًا ساهرةً ترصد حالات التعذيب وتساعد ضحاياه وتعمل على معاقبة مقترف تلك الجريمة النكراء.
من الممكن أن تسميَهم "مناهضي التعذيب" أو "نشطاء حقوق إنسان"، لكنهم في الحقيقة حقوقيون وإعلاميون وأطباء وطلاب وشباب وصغار في السن؛ اختلفت اهتماماتهم وتخصصاتهم، واتفقوا فيما بينهم على مواجهة جريمة التعذيب.
(إخوان أون لاين) التقى بعض هؤلاء النشطاء، والذين يمكن تقسيمهم إلى قسمين رئيسين: القسم الأول هو الحقوقيون، والقسم الثاني هم المدونون، والذين ظهروا على الساحة المصرية في الفترة الأخيرة كأحد أهم المدافعين عن ضحايا التعذيب في مصر وأحد أهم فاضحي جرائم التعذيب، وخاصةً بعد بدء نشر المدونات سلسلةً من "كليبات" التعذيب من داخل السجون وأقسام الشرطة.
حقوقيون ضد التعذيب
محمود قنديل

البداية كانت مع محمود قنديل المحامي والناشط الحقوقي، والذي يرى أن التعذيب في مصر أصبح شيئًا ممنهجًا؛ يجري في إطار ظاهرة إفلات الجناة من العقاب؛ حيث يقول: "التعذيب أصبح جزءًا من ثقافة الأجهزة الشرطية؛ وهو ما استدعى وجود مجموعة من الحقوقيين والنشطاء ممن كرَّسوا جهدهم من أجل التصدي لتلك الجريمة البشعة التي تُرتكَب بشكل دوري وممنهج في حق المواطن المصري".
وعن إذا كانت هذه المجموعة تعمل بشكل منظم يقول قنديل: "في الحقيقة لا يوجد ما يجمع كل مناهضي التعذيب في مصر، لكن هناك مراكز كبيرة كالمساعدة القانونية ومركز النديم لضحايا التعذيب وغيرهما من المراكز الحقوقية، بالإضافة إلى المئات من النشطاء، والتي قد يعمل بعضها مجتمعًا في بعض القضايا وفرادى في قضايا أخرى".
وعما إن كانت تلك المجموعات قد وصلت إلى نتائج مرضية في مجال مناهضة التعذيب، يقول قنديل: "هناك تقدم ونتيجة وإن لم تكن نتيجة كبيرة ولكنها نتيجة مرضية إلى حدٍّ كبير؛ فالظاهرة كبيرة جدًّا ومتسعة، ومن يواجهونها هم عدد محدود بإمكانيات محدودة، وبمقارنة هذا العدد بالنتائج التي توصلوا إليها نجد أنها نتائج مرضية إلى حدٍّ كبير".
![]() |
|
طارق خاطر |
أما طارق خاطر المحامي في مركز المساعدة القانونية وأحد أهم النشطاء في مواجهة التعذيب في مصر، فيرى أن التعذيب بشكله المنهجي الحالي في مصر يحتاج إلى تضافر جهود كل النشطاء والحقوقيين، وليس إلى وجود مركز أو مركزين فقط لمواجهة تلك الظاهرة، ويقول خاطر: "قضايا التعذيب في مصر كثيرة وتستغرق وقتًا طويلاً وجهدًا قانونيًّا كبيرًا؛ لأنه غالبًا من الصعب إثبات جريمة التعذيب، وهو ما يولِّد ما يسمَّى ظاهرة الانفلات من العقاب لدى مرتكبي مثل تلك الجرائم؛ ولذا فإنه لا بد من وجود كتيبة من الحقوقيين لمجابهة تلك الجريمة".
ويضيف خاطر: "قبل سنوات كان التحدث عن أن التعذيب شيء مستهجن في المجتمع، ولم يكن الشارع يشعر أن هناك مشكلة في هذا الموضوع، لكن مع ظهور "كليبات" التعذيب، ومع تفشي ظاهرة العنف لدى رجال الشرطة، بدأ الشارع يتحدث عن التعذيب، وأصبح هناك عدد أكبر من النشطاء الذين يعملون في هذا المجال، ولكن التطور الأهم كان مع قضية عماد الكبير؛ عندما بدأ المدونون- وهم غالبًا من الشباب الصغير في السن- بالاهتمام بالتعذيب وفضح مرتكبيه والدفاع عن ضحاياه، وهو ما شكَّل تطورًا مهمًّا جدًّا في القضية ونشر القضية بين شرائح أكبر من الناس".
خاطر يتفق مع ما ذهب إليه قنديل حول أن النشطاء المناهضين للتعذيب عددهم صغير وإن كان جهدهم كبيرًا، وكذلك افتقار هذه المجموعة إلى نوع من التنظيم فيما بينها، وإن لم ينكر وجود تنسيق واسع بين كل مناهضي التعذيب في مصر.
صحفيون ضد التعذيب
نهى عاطف الصحفية بجريدة (الدستور) وصاحبة مدونة "التعذيب" أحد تلك النماذج؛ تقول عن بداياتها مع موضوع التعذيب: "كنت مهتمة بموضوع حقوق الإنسان ومتابعة لأنشطة المراكز الحقوقية، وفي أحد الأيام من عام 2006 قرأت تقريرًا حقوقيًّا صادرًا عن مركز النديم تحت عنوان "خبرات في أقسام الشرطة المصرية"، وكان التقرير يلقي الضوء على بعض حالات التعذيب التي جرت داخل أقسام الشرطة المصرية، فأثَّر التقرير فيَّ بشكل كبير، وقرَّرت يومها أن أتحرَّك من أجل مناصرة ضحايا التعذيب، ففكرت وقتها في إنشاء مدونة على الإنترنت تتحدث في هذا الموضوع، ولم تكن لي خبرة كافية في هذا المجال، فلجأت إلى بعض المدونين الذين كانوا معروفين وقتها، أمثال علاء سيف، وعمرو غربية، وساعداني على إنشاء مدونة على الإنترنت تحت عنوان "التعذيب سلامة الفرد".
وتضيف نهى: "وفي بادئ الأمر كانت المدونة ضعيفة، وحتى المنظمات الحقوقية لم تكن مقتنعةً بالمدونات كوسيلةٍ إعلاميةٍ من الممكن أن يكون لها ثقلها في قضايا التعذيب، ومع الوقت بدأ الأمر يتسع والاهتمام يزيد، وزاد معه أعداد زوار المدونة".
وترى نهى أن قضية عماد الكبير كانت نقطة فاصلة في تاريخ مناهضي التعذيب في مصر؛ حيث تقول: "بعد كشف فيديو تعذيب عماد الكبير عبر المدونات، وتحديدًا عبر مدونة "دماغ ماك" واهتمام أعداد كبيرة جدًّا من المدونين بالقضية أصبحت قضايا التعذيب أحد أهم القضايا التي تتناولها المدونات، وأصبحت المدونات إحدى أهم وسائل مناهضي التعذيب في مصر".
مدونون ضد التعذيب
عماد الكبير

نوارة نجم صاحبة مدونة "جبهة التهييس الشعبية"، والتي أبدت اهتمامًا خاصًّا بقضية عماد الكبير السائق الذي تم الاعتداء عليه من جانب ضابط الشرطة إسلام نبيه، حتى إنها حضرت جميع جلسات المحكمة، ورأى محامي المتهم أنها كانت أحد أسباب إدانة إسلام عن طريق نشرها مجريات القضية.
وعن سبب اهتمامها بالقضية تقول: "عندما رأيت فيديو الاعتداء على عماد الكبير تأثَّرت جدًّا وأخذت الموضوع بمحمل شخصي؛ فوضعت نفسي محل عماد الكبير، وكنت عندما أحضر الجلسات كنت أتخيل أنها قضيتي أنا وليست قضية عماد الكبير".
وتضيف نوارة: "أغلب المدونين والحقوقيين والصحفيين اهتموا جدًّا بهذه القضية؛ بسبب أنها من أوائل القضايا التي جرى الكشف عنها بدليل دامغ، وهو شريط الفيديو، والذي أظهر الضابط أسلام نبيه؛ مما قلَّل فرص عدم إدانته في المحكمة، وكان هدف كل المدافعين عن حقوق الإنسان والنشطاء هو أن يتم إدانة الضابط؛ حتى تكون تلك السابقة الأولى لإدانة ضابط في قضية تعذيب؛ فقبل تلك القضية كان هناك بعض القضايا، ولكن جرى فيها إدانة بعض أمناء الشرطة والجنود، وكان الضباط يفلتون غالبًا من العقاب.
وفي حالة عماد الكبير كان المتهم ضابطًا ذا رتبة كبيرة، بالإضافة إلى أن والده كان مدير أمن سابقًا، ومحاميه هو نفس محامي ممدوح إسماعيل صاحب عبَّارة الموت.. كل هذه العوامل مجتمعةً جعلت أقصى أمانينا في القضية هي الوصول إلى مجرد قرار بالإدانة، وكان صدور الحكم بسَجْنه 3 سنوات نصرًا كبيرًا لكل من دافع عن عماد الكبير، بالرغم من أن ثلاث السنوات حكمٌ ضعيفٌ جدًّا ضد شخص اعتدى جنسيًّا على شخص آخر، ولم يَكْتَفِ بهذا، بل صوَّره وشهَّر به".
وعن وجود مجموعة من الحقوقيين والنشطاء والمدونين والصحفيين تشكِّل فيما بينها مجموعةً للدفاع عن ضحايا التعذيب، تقول نوارة: "لا توجد مجموعة منظمة، بل هي جهود فريدة؛ فهناك مراكز تحاول التنسيق فيما بينها، ونشطاء يحاولون كذالك التنظيم، لكن كل هذه الجهود لا تنجح في أحيان كثيرة؛ بسبب الخلافات التي قد تنتج، ولهذا فإن أغلب هذه المجموعات تعمل كل منها على حدتها".
مريم عمران صاحبة مدونة "تخاريف المعادي" وأحد النشطاء المناهضين للتعذيب، تقول عن بدايات اهتمامها بقضايا التعذيب: "كانت البداية عند مشاهدتي فيديو تعذيب عماد الكبير، وقتها أصبتُ بحالة انهيار مما شاهدت، وعندما علمت أن عماد بدأ التحرك من أجل المطالبة بحقه قررت أن أشاركه، وبدأ اهتمامي بالقضية ومتابعتي لسير جلساتها حتى كُلِّلت كل تلك الجهود بالنجاح النسبي بصدور حكمٍ أدان إسلام نبيه، وإن كان الحكم دون المستوى".
وتضيف مريم: "أنا شخصيًّا أهتم بالكثير من القضايا وأتناولها بالنشر على مدونتي، لكن قضايا التعذيب وحقوق الإنسان بالنسبة لي هي القضايا التي تنال الاهتمام الأكبر".
وعن كيفية تنظيم التفاعل مع القضايا عبر المدونات تقول مريم: "العمل غير منظَّم بالمرة في هذا الأمر؛ فالأمر مجرد تفاعل من المدونين أو النشطاء؛ فهناك شخص يتفاعل مع قضيةٍ ما، وآخر لا يتفاعل معها، ولكن في النهاية فإن أغلبنا ينقل الدعاوى إلى جلسات محاكمة متهمي التعذيب أو إلى الوقفات الاحتجاجية لمناصرة ضحايا التعذيب أو غيرها من الأنشطة؛ إما عبر المدونات أو عبر "الفيس بوك".
