في إسطبل عنتر يكفيك بضع خطوات لتكتشف نافذةً جديدةً على آلام ضحايا العشوائيات..
(إخوان أون لاين) توجه ليتفقَّد أحوال تلك المنطقة، كاشفًا آلامها التي تزيدها الحكومة قسوةً، فاستقبلنا هناك نسوة يتَّشحن بالسواد حزنًا على جدرانهن البالية التي كانت تؤويهن، إلتقينا بهم لنبدأ ب
خلف صابر رحلته مع رجال الحي إلى 6 أكتوبر؛ فيقول إن رجال الهدم جاءوه أول يوم في دخول المدارس ليلاً بعد الواحدة صباحًا، وامتلأ المكان برجال الشرطة والمسئولين وأخبروه وجيرانه أن منزلهم سيتم هدمه، وفي الصباح نفِّذ الهدم وتم اصطحابه وأسرته المكونة من 11 فردًا إلى 6 أكتوبر؛ حيث تاه هناك مع السيارة التي تحمل أثاث منزله لمدة ثلاثة أيام؛ وعندما ذهب وجد الفلل وشقق ساويرس في استقباله في مدخل 6 أكتوبر؛ فاستبشر خيرًا، ولكنه فوجئ بأن موظفي الحي اصطحبوه وجيرانه مسافة 7 كيلو داخل الجبل ليجدوا بيوتًا من الخارج شكلها حسن، ولكن داخلها عشش؛ فكل أسرة لها حجرة واحدة وصالة في مساحة 32 مترًا وحمامات عمومية، فكيف تعيش أسر مكونة من أكثر من 10 أفراد في 32 مترًا، فضلاً عن أنها صحراء جرداء فلا أسواق ولا مدارس ولا طعام ولا ماء ولا كهرباء.

 

لم تنتهِ قصة خلف؛ حيث عاد مرةً أخرى بسيارة أثاث منزله إلى إسطبل عنتر، ولم يجد مكانًا يؤويه بين الأنقاض غير مدخل مستشفى كمال التخصصي المتوقفة عن العمل؛ حيث قام بوضع نصف أثاث منزله في حوشها، وافترش الأرض مع زوجته وأولاده وأخواته اللائي يعولهن وحده، ووضع باقي الأثاث في بوابة مدخل عمارة أحد جيرانه، ويقول خلف إنه يشعر بعجز شديد بعدما عجز عن توفير منزل يستر نساءه وأولاده.

 

بركان

 الصورة غير متاحة

 مشهد يعكس حقيقة ما يعانيه الأهالي

وعلى بعد أمتار كان أهالي حارة أبو شوقي في انتظار رجال الحي ويقولون إنهم "مستبيعيين"؛ فقد أعدوا أنابيب البوتجاز وبعض الأسلحة ومياه النار وعددًا من الرشاشات الآلية حتى يفجِّروا أنفسهم وكل من يحاول أن يقترب لهم من رجال الهدم، مؤكدين أنهم لن يخرجوا من بيوتهم أبدًا إلا إذا وفَّرت لهم الحكومة منازل أخرى تؤويهم وتكفي أسرهم وتوفر فيها سبل الحياة.

 

ويقول شعبان جمعة: لن نذهب لأي مكان ولن نخرج من بيوتنا، وطالب الحكومة بتسليمه مفتاح شقة تكفي 14 فردًا ويتوفر بها ماء وكهرباء مثل شقته، وإلا فهو لن يتحرك وعليهم أن يتركوه يموت في منزله تحت الصخور أفضل من الموت في صحراء 6 أكتوبر.

 

ويقول صبري يوسف إن العديد من جيرانه أُجبروا على التوقيع على استلام عشش 6 أكتوبر بالضرب والإهانة والتهديد؛ بعد أن تم طردهم من منازلهم بنفس الأسلوب، مؤكدًا أن الهدف الوحيد للحي هو ملء أوراق تُثبت أنه تم إخلاؤهم من جانب الصخور إلى وحدات سكنية بعيدة ليتباهى المسئولون بإنجازهم؛ بغض النظر عن حقيقة كونهم يقتلون سكان المنطقة وأدًا في صحراء 6 أكتوبر.

 

اهتزاز مترو الأنفاق

 الصورة غير متاحة

 منزل تحت سفح الجبل

وتبكي هناء جمعة وتقول إنها بعدما كانت تعيش في بيتها "المِلك" مع أولادها؛ أصبحت تفترش الأرض طوال النهار جوار أثاث منزلها الذي اشترته بكفاح العمر، وتنام ليلها في المسجد مع أولادها كشحاذين؛ وتتساءل هناء من المسئول عن تحويلنا من أسر آمنة بين جدران إلى متسولين في الشوارع والمساجد؟!

 

أما أم محمود فتقول إن بيتها مشروخ وعلى وشك الانهيار، وعلى الرغم من ذلك لم يُحسب ضمن البيوت المطلوب هدمها؛ لأنه في الأصل غير صالح للسكن، فضلاً عما يحدث لمنزلها والمنازل المجاورة؛ التي تتعرَّض لاهتزازات شديدة كفيلة بقلب الأشياء بالحجرة رأسًا على عقب عند مرور مترو الأنفاق بجوار المنازل وسيارات ثقيلة على كوبري الدائري.

 

وتضيف أم محمود قائلةً إنها تشعر بالخوف والرعب؛ فزوجها يمكن أن يتعرض للموت إذا علم بهدم المنزل؛ حيث تم وضع صمامين في قلبه في المستشفى.

 

أما آية عربي وهدير وجدي وعزة جمال فهن فتيات في سن الزهور؛ امتنعن عن الذهاب للمدرسة خوفًا من العودة ليجدوا منازلهن حطامًا أو منهارةً فوق رؤوس أهاليهم؛ فتقول آية (14 عامًا) إنها تخشى الذهاب إلى المدرسة أو الخروج من المنزل حتى لا تعود لتجدهم هدموه أو لتجد أهلها قد رحلوا إلى 6 أكتوبر دونها، أما عزة (13 عامًا) فتقول أصبحنا بعد الهدم نعاني من قطَّاع الطرق وشاربي البانجو؛ الذين اغتصبوا العديد من البنات، وتساءلت عن كيفية إقامتهن في خيام بجوار هؤلاء الشباب؛ مما يجعلهن عرضةً للاغتصاب في أي وقت!.

 

وتقول هدير (12 عامًا) إنها ما زالت تشعر بالأمان؛ فهي تعلم أن بيتها سيتم هدمه وأنها سوف تذهب إلى الصحراء، ولن تجد طعامًا أو شرابًا، ولن تجد مدرسةً تتعلم بها، وتضيف أنها أصبحت لا تستطيع النوم ليلاً؛ خوفًا من مفاجأة الحي لها أو من الكوابيس التي روَّعتها.

 

بينما تتفق كلٌّ من صباح عبد المحسن وصبرية حامد على أن ما يحدث للأهالي يعد مؤامرةً مدبرةً لسرقتهم علنا؛ حيث تؤخذ أراضيهم بأبخس الأسعار بعد هدم منازلهم، وتروى ما حدث لها بعد هدم منزلها فتقول: "انتقلنا للمبيت في الشقق الجديدة بأكتوبر، ونقلنا معنا متعلقاتنا بمبلغ يزيد عن 600 جنيه، إلا أن سائقي السيارات أخذوا الأثاث وهربوا به، كما فوجئنا بأن الحكومة أرسلتنا إلى محافظة 6 أكتوبر للمبيت والإقامة في الصحراء؛ فأصبحنا في صحراء بين جدران ضيقة بلا أثاث ولا ماء ولا طعام؛ فعدنا لنموت وسط جيراننا.

 

أما عم شعبان فقد طالب المسئولين بمشاركة المواطنين في همومهم وترك الجلوس في "التكييف" في نفس الوقت الذي يبيت والمئات معه في الشارع، مؤكدًا أنهم لا يعرفون ماذا يفعلون.